English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

   دروس التراويح – الأثنين 04 رمضان – ومضات ولقطات إيمانية : تأكيد الذات ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أيها الإخوة الكرام : يقول الله جل جلاله :

(النساء)

أيها الأخ الكريم ، ألا ترى معي أن الله جل جلاله يذم هؤلاء الذين يزكون أنفسهم ؟ قد تجد إنساناً كل حديثه عن تزكية نفسه ، وكل حديثه عن بطولاته ، وعن إنجازاته ، وعن مكتسباته، وعن مكانته ، وعن علمه ، كأن الله سبحانه و تعالى بهذه الآية لا يرضى عن هذا الإنسان ، ذلك أن الإنسان عنده دوافع ثلاثة ، دوافع ثابتة إنه يشتهي الطعام والشراب حفاظاً على حياته، وزين في نفسه حب المرأة حفاظاً على النوع ، لكن الدافع الثالث سماه العلماء تأكيد الذات .

كل إنسان بعد أن يأكل ويشرب ، ويتزوج عنده دافع كبير إلى أن يؤكد ذاته ، يتحدث عن بطولاته ، عن منجزاته ، عن حجمه المالي ، عن رحلاته ، عن سفراته ، عن نشاطاته ، الهدف أن يروي ميلاً فطرياً في الإنسان .

أيها الإخوة ، هذا الميل الفطري لتأكيد الذات يمكن أن يحقق في طاعة الله ، أنت حينما تطيع الله عز وجل ، حينما تستقيم على أمره ، وحينما تتحرك تقرباً من الله عز وجل ، الله جل جلاله يرفع لك ذكرك ، قال تعالى :

(الشرح)

ويوجد علاقة عكسية أنه كلما مدحت نفسك صغرت من عين الناس ، وكلما عتمت على نفسك ، وذكرت ربك رفعك الله بين الخلق .

ما ذكرني عبدي في نفسه إلا ذكرته في نفسي ، ولا ذكرني في ملأ من خلقي إلا ذكرته في ملأ خير منهم ، هذا الميل عند كل إنسان ، أما حينما يؤثر أن يمدح ربه ، وأن يمدح رسوله ، وأن يمدح صحابته الكرام ، وأن يمدح أهل الحق ، وأن يعتم على نفسه هذا التعتيم له مفهوم عكسي ، الله عز وجل يتولى أن يرفع لك ذكرك :

(الشرح)

الله عز وجل حينما يعز إنساناً لا تستطيع جهة في الأرض أن تذله ، العزة لله جميعاً :

اجعل لربك كل عز    ك يستقر و يــثبت

فإذا اعتززت لمن     يموت فإن عزك ميت

***

الإنسان أحياناً يعتز بإنسان قوي ، يلوذ به ، يثني عليه ، يقيم معه علاقات متينة من أجل أن يحتمي به ، وأن يعلو على الناس بعلاقته الطيبة به ، لكن الله عز وجل يقول :

(مريم)

هل هناك من مودة أعظم من أن تكون لك مودة مع الله عز وجل ؟ أن تكون بعين الله ، ألا ترى بأن هذه الآية تكفي ؟

(الطور : 48)

وقد قال علماء التفسير: إن كل مؤمن له من هذه الآية نصيب ، أي بالتعبير الدارج أنت غال على الله ، لا يستطيع أحد أن ينال منك ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟

  كأن الموضوع في هذا اللقاء حول أن الميل الثالث بعد الميل إلى الطعام والشراب حفاظاً على الفرد ، وبعد الميل إلى الطرف الآخر حفاظاً على النوع الميل إلى تأكيد الذات ، وأن يعلو الإنسان في الأرض ، وأن ينظر الناس إليه ، وأن يرمقونه بأبصارهم ، هذا الميل يحقق لو اتجهت إلى الله ، وأطعته ، وكنت مستقيماً على أمره ، عندئذ يتولى الله عنك رفع ذكرك .

هل ترى أن في الأرض إنساناً رُفع ذكره كرسول الله ؟ ما إن يذكر الله عز وجل حتى يذكر معه رسول الله ، فأنا أقول لكل أخ كريم : مهما عتمت على نفسك ، مهما أبعدتها عن الأضواء ، مهما تواضعت لله فالله عز وجل يرفع لك ذكرك ، ولا يضيع عليك عملك .

لكن لمجرد أن تمدح نفسك تصغر من عين الناس ، فاكتف بأن الله سبحانه وتعالى يتولى رفع ذكرك ، ورفع شأنك ، وأن يجعلك متألقاً من عنده ، هذه واحدة .

الناحية الثانية في آيات اليوم أن الله سبحانه و تعالى يقول :

(النساء : 83)

هذه الآية تشير إلى الإشاعات التي تضعف النفوس ، دائماً مع وجود المنافقين ، مع وجود الخائفين ، مع وجود من لا يملك حكمة ، خبر ليس له أساس من الصحة ، يروج سريعاً ، فإذا هو يسري كما تسري النار في الهشيم ، هذا الخبر قد يضعف النفوس ، من صفات المؤمن أنه قبل أن يذيع خبراً ، قبل أن ينشر خبراً ، يتأكد منه أولاً ، وإذا تأكد منه أولاً لا يجتهد ، وينشره مباشرة ، بل يعيده إلى أولي الأمر :

(النساء : 83)

وفي غيبة الرسول :

(النساء : 83)

وأولو الأمر هم العلماء والأمراء ، فالعالم الله عز وجل نوّر بصيرته ، ومعه أدلة قوية على التصرف الصحيح :

(النساء : 83)

 

معنى ذلك أن الإنسان لا ينبغي أن يذيع كل ما سمعه ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ )) .

(أبو داود)

لابد من ضبط ، وأحياناً الإنسان يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ، وقذف محصنة يهدم عمل مئة سنة .

هكذا ورد في الأثر ، إذاً ترويج الأخبار غير الدقيقة ، ودائماً أعداء الدين يعتمدون على ترويج الأخبار غير الصحيحة عن المؤمنين ، يوجد آية واحدة خطيرة جداً ، يقول الله عز وجل :

(النور : 19)

هو ما فعل شيئاً ، لكنه أحب أن تشيع الفاحشة ، أي خبر سيئ راج بين المؤمنين ، ويوجد ضعضعة بثقة الناس بالدين ارتاح ، راحته بانتشار هذا الخبر يقتضي أن يعاقب أشد العقاب ، لأنه عندئذ لا ينتمي إلى المؤمنين ، هو في خندق المنافقين .

هذه علامة دقيقة جداً أنك إذا ارتاحت نفسك لمصيبة نزلت بمؤمن فهذه الراحة اجعلها دليلاً يقينياً على أنك لست في خندق المؤمنين ، إنك في خندق المنافقين .

فهذا الموضوع أيها الإخوة ، قبل أن تنشر خبراً ، قبل أن تروج خبراً ، قبل أن تشمت ، قبل أن ترتاح نفسك لمصيبة نزلت بمؤمن ، هل في الأرض كلها امرأة ترتاح لفضيحة ابنتها ؟ مستحيل ، إلا في حالة واحدة ، ألا تكون ابنتها ، إذاً هي ليست أمها ، والإنسان حينما يفرح لمصيبة نزلت بالمؤمنين يضع نفسه قطعاً في خندق المنافقين ، وهذه الآية لها دلالة طيبة جداً على أن الإنسان لا يتسرع فينقل خبراً لم يتأكد من صحته .

آخر ملاحظة ، أن الله سبحانه وتعالى يعلمنا كيف نصلي صلاة جماعة ، ونحن في خط المواجهة الأول مع العدو ، فإذا كان الإنسان ـ وهو في خط المواجهة مع العدو ـ مكلفاً أن يصلي جماعة فكيف إذا كان في السلم ؟ وكيف إذا كان في بحبوحة ؟ وكيف إذا كان في مدينة آمنة ، والجامع إلى جانبه ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً )) .

(النسائي)

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ ، يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ ، فَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَسْجِدِ )) .

و الحمد لله رب العالمين

***

Copyright © 2007 Nabulsi