English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

   دروس الفجر : الأربعاء 06 رمضان – ومضات ولقطات إيمانية : الاستقامة ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

       أيها الإخوة الكرام ، من لوازم إيمان المسلم أنه مستقيم على أمر الله ، ولعل الاستقامة أخطر موضوعات الدين ، بل هي الحالة الوحيدة التي إذا كنت فيها قطفت كل ثمار الدين ، وإن لم تكن فيها لم تقطف من الدين شيئاً ، بل أصبح الدين ثقافة وعادات وتقاليد ، ليس غير ، ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول :

(سورة فصلت)

      أيها الإخوة ، تصوروا أن بيتاً فيه كل الأجهزة الكهربائية من دون استثناء ، لكن الكهرباء مقطوعة عن هذا البيت ، كل هذه الأجهزة لا معنى لها ، كتل معدنية فقط ، عبء ، أما إذا سَرَت الكهرباء في البيت فكل هذه الأجهزة تعمل ، الثلاجة حفظت لك الطعام ، والمكيف أمدك بالهواء البارد ، والمكواة أعانتك على هندامك الحسن ، وكل آلة في هذا البيت تعمل بانتظام ، وتؤدي وظيفتها مادامت الكهرباء في البيت سالكة ، والإنسان إذا لم يستقم حجب عن الله ، فإذا حجب الزواج ليس له معنى كما أراده الله عز وجل ، ليس للأولاد المعنى الذي أراده الله فيما لو كنت مستقيماً ، المال الوفير ليس له معنى الذي أراده الله فيما لو كنت مستقيماً ، فلذلك الكلمة الدقيقة ، وقد نوهت البارحة إليها أن المسلمين ليسوا على شيء ولا واحدًا بالمليون ، أقلّ كلمة تشير على أقل شيء في اللغة شيء ، ذرة غبار لا ترى بالعين هي شيء ، فإذا قال الله عز وجل :

(سورة المائدة)

   ويا أيها المسلمون ، لستم على شيء حتى تقيموا القرآن ، لذلك هناك مليون نشاط إسلامي لا قيمة لها إطلاقاً إن لم نستقم على أمر الله .

(سورة الأحقاف)

(سورة هود)

    إياك أن تقول : أنا لست مكلفاً باستقامة الأنبياء ، ومن قال لك : إنك إن استقمت كنت نبياً ؟ من قال لك ذلك !! ؟ إن الله أمر المؤمنين كما أمر به المرسلين ، حينما يحتاج المريض إلى حقنة إبرة أقلّ إنسان في عالم الطب عليه أن يعقمها ، وأعلى إنسان في عالم الطب جراح قلب عليه أن يعقمها ، فيستوي أقل ممرض مع أكبر طبيب في تعقيم هذه الحقنة .

        فلذلك في أمور الاستقامة لا تفاوت بين الأنبياء والمؤمنين ، الاستقامة حدية ، بينما الأعمال الصالحة والنوايا الطيبة هذه مختلفة من إنسان إلى آخر .

(سورة فصلت)

        إخوتنا الكرام ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه : (( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ شِبْتَ ، قَالَ : شَيَّبَتْنِي هُودٌ ، وَالْوَاقِعَةُ ، وَالْمُرْسَلَاتُ ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ )) .

(سنن الترمذي)

       ماذا في هود ؟ هذه الآية :

(سورة الجن)

      إذاً بالتعبير التجاري الاستقامة ضربة المعلم ، أنت حينما تستقيم قطفت كل ثمار الدين ، يوجد في الدخل شبهة ، وفي العلاقات الاجتماعية شبهة ، وتقصير ، واختلاط ، ومصافحة ، وإطلاق بصر ، أعمالك الصالحة محفوظة ، وقد تنال أجرها في الدنيا ، إلا أن هذا التخليط بين الاستقامة وعدم الاستقامة هذا المخلط بينه وبين الله حجاب هو محروم من أن يقطف ثمار الدين ، لذلك ورد : (( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط  )) .

(ورد في الأثر)

       أيها الإخوة ، مشكلة المسلمين في الأعم الأغلب أن خمسة وتسعين بالمئة لا يقتلون ، ولا يسرقون ، ولا يزنون ، ولا يشربون الخمر ، هذه كبائر ، لكن ما الذي حجبهم عن الله ؟ ما توهموها صغائر ! لذلك لا صغيرة مع الإصرار ، لذلك الصغيرة إذا توهمتها صغيرة ، وأصررت عليها انقلبت إلى كبيرة ، ولا كبيرة مع الاستغفار ، إنسان يركب مركبة في طريق عريض عرضه ستون مترًا ، لكن عن يمينه وادٍ سحيق ، وعن يساره وادٍ سحيق ، الكبيرة حرف إدارة المقود تسعين درجة فجأة ، على الوادي مباشرة ، لكن لأن الطريق عريض يمكن أن يتلافى السقوط بحركة معاكسة كبيرة ، لكنه استغفر الله ، وتاب منها ، أما لو أثبتت المقود سنتيمترًا واحدًا بعد مئتي متر تكون في الوادي ، الصغيرة حرف المقود سنتيمترًا ، عندما ثبته على الوادي ! لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار .

        سيدنا الصديق سئل ، ما الاستقامة ؟ قال : " ألا تشرك بالله شيئاً " ! الاستقامة تعني التوحيد ، الصديق رضي الله عنه فهم الاستقامة بسببها ، أنت حينما توحد تستقيم ، لماذا ؟ لا يستقيم الإنسان أحياناً إذا رأى شخصاً قوياً إذا أطاعه فاز ، وإن أغضبه خسر ، فيعصي الله ، ويطيعه ، من ضعف توحيده خرق الاستقامة ، سيدنا الصديق فهم الاستقامة بسببها ، سيدنا عمر فهم الاستقامة بآليتها ، قال : " الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ، ولا تروغ روغان الثعلب " ، أي الحيل الشرعية والمخاتلة ، وفيها فتوى ، وهذه شيخ الأزهر أفتى بها !

  وسيدنا عثمان فهم الاستقامة بسرها ، وهو الإخلاص ، فقال : " استقاموا أخلصوا العمل لله " .

  وسيدنا علي فهم الاستقامة في حدودها الدنيا ، قال : " استقاموا أي أدوا الفرائض " .

 وسيدنا الحسن قال : " استقاموا على أمر الله عملوا بطاعته ، واجتنبوا معصيته " .

 ومجاهد قال : " استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله " .

 وبعض العلماء قال : " استقاموا على محبته وعبوديته ، فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة " .

 قال أعرابي : يا رسول الله ، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحد غيرك ، يريد كلمة واحدة ! تجد في أصول التفسير خمسين مرجعًا ، التفاسير بالآلاف ، في علم الحديث ثمانية آلاف مرجع ! في تاريخ التشريع والمحكم والمتشابه وأصول الفقه والسيرة ملايين الكتب ، هذا الأعرابي أراد من النبي أن يضغط الإسلام كله في كلمة واحدة .

     عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : قُلْتُ : (( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ بَعْدَكَ ، قَالَ : قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ )) .

(مسند الإمام أحمد)

      أيها الإخوة ، لذلك يوجد لهذا الحديث تتمة ، قال : أريد أخف من ذلك ، هذه ثقيلة علي ، صعب أن أضبط بصري ، ولساني ، وسمعي ، ولا أغنية ، ولا أتمتع بمنظر امرأة على الشاشة مثلاً ؟ كل هذا حرام !! هذه ثقيلة قال : إذاً فاستعد للبلاء .

      حينما لا يستقيم الإنسان يحجب عن الله ، فكل ثمار الدين السكينة والشعور الأمن ، والحكمة ، والتوفيق ، والتأييد ، والنصر ، والحفظ ، كل هذا العطاء الكبير يلغى ما دام في روغان كروغان الثعلب .

      الآن ثمار الاستقامة :

     عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اسْتَقِيمُوا ، وَلَنْ تُحْصُوا ، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ )) .

(سنن ابن ماجة)

     يا ترى لن يحصوا نتائج الاستقامة ، يا ترى سكينة ؟ نعم ، شعور بالأمن ؟ نعم ، حكمة ؟ نعم ، توفيق ؟ نعم ، سعادة زوجية ؟ نعم ، أولاد أبرار ؟ نعم ، صحة طيبة ؟ نعم ، مكانة في المجتمع ؟ نعم ، (( اسْتَقِيمُوا ، وَلَنْ تُحْصُوا ، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ )) .

     لكن النبي عليه الصلاة والسلام يعيش معنا لأن الله أخبره بما سيكون قال ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( قَارِبُوا ، وَسَدِّدُوا ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَا أَنْتَ ؟ قَالَ : وَلَا أَنَا ، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ )) .

 (صحيح مسلم)

     يوجد في آخر الزمان صعوبات ، أنت لن تستطيع أن تركب مركبة إلا إذا دفعت رسم التأمين ، والتأمين حرام ، لكن هذا الرسم يقترب من الضريبة ، هنا لم تسدد ، لكنك قاربت الهدف ، لذلك قال سيدنا عمر : " ليس بخيركم من عرف الخير ، ولا من عرف الشر ، ولكن من عرف الشرين وفرق ، بينهما ، واختار أهونهما " ، هذه حالة في آخر الزمان فيها صعوبات بالغة جداً ، وأنت بأعلى درجة من الورع والاستقامة ، لكنك أحياناً أمام شرّين ، تتقي الشر الأكبر بالشر الأصغر ، هذا معنى : (( قَارِبُوا ، وَسَدِّدُوا )) ، امرأة فرضاً متفلتة إلى أقصى درجة لن تستطيع أن تجعلها تتحجب الحجاب الإسلامي الكامل ، فإذا سمحت لها بمعظم الحجاب ريثما تألف هذا الحجاب ، وتتصل بالله ، وتذوق حلاوة الإيمان هذا معنى : (( قَارِبُوا ، وَسَدِّدُوا )) .

       الإنسان لا ينتقل فجأة من التفلت إلى الاستقامة التامة ، كما فعل الله عز وجل في تحريم الخمر ، أنت كداعية لو أعطيت هذا الذي يطلب الهدى كل التفاصيل لرفض هذا الدين ، لكنك تعطيه الأشياء السهلة الواضحة ، والتي يستطيعها ، فإذا تمكن إيمانه في قلبه أخذ الأشياء الأخرى ، هذا معنى : (( قَارِبُوا ، وَسَدِّدُوا ))  .

     أنت مؤمن ، لو دعوت إلى الله فأنت تحتاج أن تكون مع الناس مرِناً ، كما حرم الله الخمر بالتدريج .

      آخر نقطة في الدرس : (( قَارِبُوا ، وَسَدِّدُوا ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَا أَنْتَ ؟ قَالَ : وَلَا أَنَا ، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ )) .

         هذه تعني عندما يمتن الله عز وجل علينا بالجنة ، هذه الجنة لا يستطيع مخلوق على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة أن يدفع ثمنها ، لكن يقدم سببها ، بيت ثمنه مئة مليون ، كل عملك الصالح في الدنيا ، وكل استقامتك ، وورعك يساوي مفتاح البيت ، خمس عشرة ليرة ، فإذا كان معك مفتاح البيت فلا تقل : هذا البيت ملك لي ، لا ، قل : هذا بفضل الله عز وجل ، أنت قدمت ثمن مفتاحه فقط .

      الجنة عطاء لا يستطيع مخلوق أن يؤدي ثمنه ، لكن يستطيع المؤمن أن يقدم سببه ، وفرق كبير بين السبب والثمن ، واحد استقام صلى ، وصام ، قال : أنا لي الجنة ، هذا حقي ، لا ، ليست من حقك ، الجنة بفضل الله عز وجل فقط ، لكن النار بالعدل ، فهي محض عدل ، والجنة محض فضل .

والحمد لله رب العالمين

***

Copyright © 2007 Nabulsi