English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس التراويح – الأربعاء 07 رمضان – ومضات ولقطات إيمانية : التخيير والتسيير ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أيها الإخوة الكرام ، في سورة الأنعام آية ، قال تعالى :

[ سورة الأنعام : الآية 148]

هذه مقولة المشركين :

[ سورة الأنعام : الآية 148]

أين هذا الكلام ؟ كله كذب .

[ سورة الأنعام : الآية 148]

إخوتنا الكرام ، ما من عقيدة شلت المسلمين كعقيدة الجبر ، هم قاعدون لا يتحركون ، وكأنهم يتوهمون أن الله قدر عليهم ما هم فيه ، قال تعالى :

[ سورة الأنعام : الآية 37]

[ سورة الأنعام : الآية 148]

في اللحظة التي تتوهم أن الله أجبرك على كل أفعالك ، وأن الله لا رأي لك فيه إطلاقاً ، وأنت مسير ، ولست مخيراً ، اعتقد أن الحياة لا معنى لها ، والتكليف لا معنى له ، وحمل الأمانة لا معنى له ، والثواب والعقاب تعطلا ، والجنة والنار لا معنى لهما إطلاقاً ، وألغي الدين كله ، إذا صحت عقيدة المرء صح عمله ، وإذا فسدت عقيدته فسد عمله ، وهناك كلمات كثيرة جداً يقولها العامة ما أنزل الله بها من سلطان ، إنها الكفر بعينه .

 بل حينما جيء لسيدنا عمر بإنسان شارب للخمر ، قال : أقيموا عليه الحد ، قال : والله يا أمير المؤمنين ، إن الله قدر علي ذلك ، فقال : أقيموا عليه الحد مرتين ، مرة لأنه شرب الخمر ، ومرة لأنه افترى على الله ، ما لم تكن مخيراً فلست مسؤولاً ، المسؤولية لا تتحقق إلا إذا كنت مخيراً ، والتخيير يثمن عملك يعطي عملك قيمة ، قال تعالى :

[ سورة الإنسان : 3]

[ سورة البقرة : 148]

[ سورة الأنعام : 132]

الآيات لا تعد ولا تحصى ، قال تعالى :

 

[ سورة الكهف : 29]

لكن أيها الإخوة الكرام ، لابد من توضيح حقيقة ، أن في القرآن آيات محكمات ، وفي القرآن آيات متشابهات ، فالمتشابهات تشبه الاختيار من جهة ، والجبر من جهة ثانية ، فأية آية في كتاب الله يشم منها رائحة الجبر فهذه تحمل على المحكمات ، الآيات المتشابهات مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمات مهما قلت ، بالضبط ، هذه قاعدة أصولية ، إذا قال الله عز وجل :

[ سورة النحل : 93]

هذه الآية يجب أن تحمل على قوله تعالى :

 

[ سورة الكهف : 29]

أي : هذا الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري ، قال تعالى :

[ سورة الصف : 5]

طالب في الجامعة ما داوم ، ولا قدم امتحاناً ، و لا اشترى كتباً ، وما استجاب لعشر إنذارات لإدارة الجامعة ، بعد كل هذه المحاولات اليائسة في إقناعه أن يعود للدراسة ، ولنيل الشهادات صدر قرار بترقين قيده ، هذا القرار تجسيد لرغبته ، زاغوا فأزاغ الله قلوبهم ، اختاروا الضلال فأضلهم الله بحسب اختيارهم ، الآيات التي يشم منها رائحة الجبر مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمة التي تؤكد أن الإنسان مخير .

هذه الآية أيها الإخوة الكرام ، يقول عنها علماء التفسير : هي أصل في أن الإنسان مخير ، قال تعالى :

[ سورة الأنعام : 148]

هذا الكلام كذب ، قال تعالى :

[ سورة الأنعام : 148]

الإنسان مخير فيما كلف ، ولوجود الأمر والنهي في القرآن الكريم  ، معنى ذلك أنك مخير لمجرد وجود الأمر والنهي في القرآن الكريم  ، معنى ذلك أنك مخير ، ولا يعقل أن تكون مسيراً ، وأن يأمرك الله بأمر أو ينهاك عن شيء ، الأمر ليس له معنى ، والنهي ليس له معنى ، ولكنك لست مسيّرًا في أمك وأبيك ، هل اخترتهما ؟ أبداً ، قال لي أحدهم : والدتي متعبة جداً ، قلت له : طلقها ، قال : كيف ؟ قلت له : هذا قدرك ، أنت مسير ، أمك وأبوك وبلدتك ، وعصرك ، وكونك ذكراً أو أنثى ، وقدراتك العامة هذه ليس لك فيها اختيار ، ولكن اعتقد اعتقاداً جازماً أنها لصالحك ، يعبر عن هذا بقول الإمام الغزالي  : ليس في الإمكان أبدع مما كان ، ليس في إمكانك أبدع مما أعطاك فيما سيرك به ، وحينما يأتي يوم القيامة ، ويكشف الله لك حكمة ما ساقه إليك ، لماذا عشت في السبعينيات ، ولم تكن في العشرينات ؟ لماذا كنت في الشرق الأوسط ، ولم تكن في شيكاغو مثلاً ؟ لماذا جئت من أم وأب مسلمين ولم تكن من أم وأب وثنيين ، فرضاً ؟ حينما يكشف الله لك يوم القيامة الحكمة من هذه الأشياء التي قدرها لك ينبغي أن تذوب كالشمعة شكراً لله على أنه أعطاك أنسب شيء لصالح ، إيمانك ، وسعادتك الأبدية ، لذلك إذا أجبر الله عباده على الطاعة سقط الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية سقط العقاب ، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً ، و لم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً .

أخطر موضوع في العقيدة موضوع ما إذا كان الإنسان مخيراً أو مسيراً  ، مسير فيما تكلمت ، ومخير فيما كلفت به .

ولكن الآن بالضبط دققوا في هذا المثل ، تركب مركبة ، والقيادة بيدك ، أنت حر في قيادتها ، والإشارة حمراء ، وأنت مخير أن تلتزم بالقانون ، أو أن تخترق القانون ، أنت حينما تلتزم بالقانون تبقى مخيراً ، أما حينما تخترق القانون تفقد اختيارك ، لست مخيراً في قبول المخالفة أو عدم قبولها ، لو أن المخالفة سحب الإجازة ، أو حجز السيارة ، أو إيداعك في السجن ، أنت حينما اخترت خرق القانون فقدت اختيارك ، الإنسان في الدنيا حينما يختار أن يعصي الله عز وجل  ، الآن يسوق الله بلية ، وتأديباً ، وعقوبةً ليس الإنسان مخيراً في قبولها أو رفضها ، إذاً أنت مخير في قضايا كبرى في حياتك هي لصالحك ، ثم إنك مخير فيما كلفت ، وبعد أن تكلف ، وتخير إما أن تبقى مخيراً بطاعتك لله ، وإما أن تفقد اختيارك حينما تختار أن تعصي الله ، عندئذ إذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لب لبه ، مع الله عز وجل لا ينفع الذكاء أبداً ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد .

قضية الاختيار والتسيير من أخطر قضايا العقيدة ، يقول أحدهم قال تعالى :

[سورة الكهف : 29)

لكن :

[سورة الإنسان : 30]

أين اختيار الإنسان ؟ أقول له : لقد ربط الله مشيئتك بمشيئته ربط فضل لا ربط جبر ، لولا أن الله خلقك مخيراً ، وشاء لك أن تكون مخيراً ، واخترت الخير ، ونعمت بالجنة ، لولا أن الله شاء لك أن تكون ذا مشيئة ، واستعملت المشيئة لصالحك ، وكانت سبب دخول الجنة لما كانت .

الله عز وجل ربط كونك مختاراً بأن الله من كرمه شاء لك أن تكون مخيراً ، ليس هذا الربط ربط جبر ، بل هو ربط فضل ، فرق دقيق جداً ، مثلاً ، قال تعالى :

[ سورة السجدة : 13]

يعني يا عبادي ، إذا زعمتم ، إذا توهمتم أنني أجبركم على المعاصي والآثام فأنتم واهمون ، قال تعالى :

[ سورة الأعراف : 28]

إذا توهمتم ، وزعمتم أنني أجبركم على المعاصي ، لا ، لو كنت مجبركم على شيء لما أجبرتكم إلا على الهدى ، ولكن الهدى الذي تجبرون عليه لا يسعدكم ، لذلك :

 

[سورة البقرة : 256]

  لو أن الهدى الذي تجبرون عليه يسعدكم لأجبرتكم على الهدى ، هذا معنى ولو شئنا إجبار هويتكم ، ولو شئنا إلغاء أمانتكم ، إلغاء تكليفكم ، إلغاء اختياركم ، وأجبرناكم على شيء لما أجبرناكم إلا على الهدى .

إذاً عندما تصح عقيدتك يحسن ظنك بالله ، وحينما يحسن ظنك تكون قد عبدت الله ،

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ )) .

[الترمذي ، ابن ماجه]

ولكن حسن الظن بالله ثمن الجنة ، وغير المؤمنين يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ، إساءة الظن بالله أحد أكبر المشكلات التي تعترض المؤمن في حياته.

فقضية أن الإنسان مخير قضية مقطوع بها ، تؤيدها آيات كثيرة ، وأحاديث كثيرة ، ولكن هناك آيات يشم منها رائحة الجبر ، وهي آيات متشابهات ، الآيات المتشابهات مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمات مهما قلّت .

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi