English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

   دروس الفجر : السبت 09 رمضان – ومضات ولقطات إيمانية : الحياء ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

   الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

   أيها الإخوة الكرام ، من لوازم الإيمان الحياء ، الله عز وجل يقول :

(سورة العلق)

   لا شك أن أي واحد منا إذا كان في حضرة إنسان من وجهاء قومه محترم يخجل أن يكون له وضع شاذ في جلسته ، ومنطقه ، وحركته ، وتعبيره ، وكلامه ، والإنسان حينما يراقب الله عز وجل ، ويشعر أنه في قبضته وحركته وسكنته وأقواله في علم الله عز وجل ، علمك أن الله يعلم يولد حالة في نفس المؤمن هي الحياء .

(سورة النساء)

     لكن سبحانك ! يا رب ، شعور الإنسان أن الله معه ليس متعباً ، لو أن إنسانًا معك لم يفارقك إطلاقاً لا تحتمل ، وهو معكم ، لكن الله لطيف ، معنا من دون أن تكون هذه المعية عبئاً علينا ، لكنه يرى ، ويسمع ، وهو رقيب علينا .

     شيء آخر ، مهما تصورت دقائق الأمور فهي في علم الله لا تخفى عليه خافية .

(سورة غافر)

      والحقيقة أن خائنة الأعين ليس في مقدور البشر كشفها ، يمكن أن تختلس نظرة ، ولا تستطيع جهة في الأرض أن تضبطك بها ، ومع ذلك هذه النظرة يعلمها الله عز وجل ، فكلما نما إيمانك ، وعلا قدر الله عندك ، وكلما شعرت أنه معك ، وأنه ناظر إليك انعكست في نفسك حالة رائعة هي الحياء .

        أيها الإخوة ، تكاد تكون هذه الصفة فاصلة بين من يستحي ، ومن لا يستحي ، الذي لا يستحي بعيد عن الله ، جاهل بعظمة الله عز وجل ، المؤمن يستحي ، تجلس مع المؤمن سنوات وسنوات لا ينطق بكلمة نابية ، ليس له نظرة غير حكيمة ، ليس عنده حركة لا ترضي الله عز وجل .

     يوجد حقيقة دقيقة ، أن غير المؤمن لا يمكن أن يكون حيياً ، لأنه في الصحيح ،       عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ ، يَقُولُ : إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي ، حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ : قَدْ أَضَرَّ بِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ )) .

(صحيح البخاري)

      لا تتوقع إنسانًا يعبدًا عن الإيمان حيياً ، ولا يمكن أن تتوقع أن مؤمناً لا يكون حيياً ، أبرز صفة للمؤمن بأنه يستحي ، كلامه وسمعه وحديثه مضبوط  ، جلس في بيت ، هناك من ينظر بحدة إلى كل شيء ، سمع حركة التفت ، المؤمن يخجل أن يتفحص ببصره كل شيء ، ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ )) .

(صحيح البخاري)

      قد يحول الحياء بينك وبين مئات المعاصي ، هذه المعصية ما الذي منعك منها ؟ حياؤك من الله عز وجل ، إحساسك أنه معك ، ويراقبك ، ويسمعك ، وأنه بصير بك ، الحياء لا يأتي إلا بخير ، والحياء من لوازم المؤمن ، وكأن الحياء فاصل بين المؤمن وغير المؤمن .

        ومن حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً ، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ )) .

(صحيح مسلم)

       لمجرد أن تزيل عن الطريق شيئاً يؤذي المارة فهذا من الحياء ، في فر بعض المركبات تستعين بحجر في وقوف عند الصعود فإذا سارت تركت هذا الحجر ، فتجد مؤمن يقود مركبته في سفر وبسرعة عالية يقف ، ويزيل هذا الحجر على طرف الطريق ، لأن هذا الحجر قد يسبب حادثا قاتلا ، ما الذي حمله على أن يقف ، ويزيل الحجر عن الطريق ؟ هذا إيمان ، رجاء أن يغفر الله له ، أن هؤلاء البشر هم عباد الله ، و يقعون في حادث مروع بسبب أن السائق لم ينتبه لهذا الحجر ، وهذا الحجر كافٍ ليسبب مشكلة كبيرة ، لمجرد أن تميط الأذى عن الطريق فهذا إيمان ، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام رتب التوحيد أولا ، والحد الأدنى أيّ عمل صالح مهما ظننته صغيراً فهو يدل على الإيمان ، والحياء شعبة من الإيمان ، فالمؤمن إذا كان على حياء فهو في خير .

       عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا  )) .

(صحيح البخاري)

      فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه .

      عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ فَقَالَ : (( تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا ، فَتَطَهَّرُ ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا ، حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً ، فَتَطَهَّرُ بِهَا ، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ : وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا ؟ فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! تَطَهَّرِينَ بِهَا ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ : تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّمِ ، وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، فَقَالَ : تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ ، أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا ، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ )) .

(صحيح مسلم)

   والذي لا يستحي لا خير منه ، وكان عليه الصلاة والسلام يكره أن يواجه الإنسان بما يكره ، فإذا صعد المنبر يقول : ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ، كان يستحي أن يواجه أحد أصحابه بما يكره ، فإذا أراد أن ينصح أصحابه كان يعمم ، ولا يخصص ، لئلا يستحي أحد من هذه المواجهة .

     لكن يوجد حديث يفهم على معنيين متناقضين :

    عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ )) .

(صحيح البخاري)

      هذا الحديث له تفسيران الأول : تهديد ، كقوله تعالى :

(سورة الكهف)

   هذه لام الأمر ، يعني اكفر ، وسترى نتائج الكفر  ،هذا أسلوب التهديد .

        وقد قال بعض شراح الحديث : إن هذا الحديث قد يعني أنه تهديد ، فإذا لم تستحي من الله فاصنع ما شئت ، فسوف ترى !أسلوب التهديد ، لكن بعضهم اختار معنى آخر ، وهو دقيق جداً ، أنت حينما لا تستحي من الله في شأن شرعي ، والناس ينكرون عليك هذا العمل لا تعبأ بهم ما دام الله معك ، أو راضياً عنك ، أو ما دمت وفق منهج الله ، أو ما دمت تسعى لإرضاء الله ، ولو كان هذا الذي تفعله مستنكراً ممن حولك .

       أحياناً تكون هناك ضرورة شرعية كي تتزوج امرأة ثانية ، والناس لا يقدرون ذلك ، والتعدد في الزواج مرفوض اجتماعياً ، مقبول شرعاً ، فلو أنك ابتغيت بهذا التعدد رضوان الله عز وجل ، وكل من حولك أنكر هذا فلا ينبغي أن تعبأ به ، فإذا لم تستحي من الله فاصنع ما شئت ، هناك نساء يتمنين أن يزني زوجها كل يوم ، ولا يتزوج عليها امرأة ثانية ، لأن التعدد مرفوض اجتماعياً ، لكنه مقبول عند الله بشروط ، لكن التعدد الموجود في مجتمعنا مرفوض أيضاً ، لا يوجد عدل ، يميل إلى واحدة كل الميل ، يعطيها مودته ووقته ، واهتمامه وماله ، والثانية مهملة ، فنحن ما رأينا تعدداَ شرعياً ، بل تعدداً ظالماً فلذلك : قد يكون المجتمع على صواب حينما يرفض التعدد ، لأنه رأى تعدداً ظالماً ، ولم ير تعدداً عادلاً ، على كل إذا كان عملك ضمن الشرع أفضل ألف مرة ولو استنكر الناس عملك من أن تعصي الله عز وجل ، فالمعصية مرفوضة كلياً ، بينما لو سلكت طريقاً مغطى بالشرع هذا أفضل ألف مرة من الحالة الأولى ، فإذا لم تستحي فاصنع ما شئت .

       الشيء اللطيف : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ، قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَسْتَحْيِي ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، قَالَ : لَيْسَ ذَاكَ ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى ، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى ، وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى ، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ )) .

(سنن الترمذي)

     في الرأس يوجد عين ، والعين ينبغي أن تعبد الله بغض البصر عن المحرمات ، وتتبع العورات ، والأذن ينبغي أن تعبد الله بألا تسمع ما يسخط الله ، واللسان ينبغي أن يعبد الله بأن لا ينطق إلا بالحق .

      عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ )) .

(صحيح البخاري)

      فأن تحفظ الرأس وما وعى ، الحواس التي أودعها الله في الرأس ينبغي أن تستحي من الله أن تستخدمها في معصية الله . ))

((وَالْبَطْنَ وَمَا حوى )) ، ينبغي ألاّ تأكل طعاما بمال حرام ، ينبغي ألا يدخل جوفك إلا طعاماً حلالاً ، ((وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى ، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا )) .

(سورة الإسراء)

      ينبغي أن يدع الترف في الدنيا والمبالغة في المباحات ، هذه لا تتناسب مع إنسان أراد الآخرة ، ((فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ )) ، والحياء من صفة المؤمنين ، ولا يأتي إلا بخير ، وربما يحجزك عن معصية تسبب هلاك الإنسان .

والحمد لله رب العالمين

***

Copyright © 2007 Nabulsi