English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس التراويح – الخميس 30 شعبان – ومضات ولقطات إيمانية : الإيمان بالغيب ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أيها الإخوة ، في أول سورة البقرة يقول الله عز وجل :

[ سورة البقرة ]

نقف عند كلمة واحدة في هذه الآية ، وهي كلمة ( الغيب ) .

أيها الإخوة الكرام ،  نحن نعيش واقعاً محسوساً ، هذا الواقع فيه بيوت ، فيه مركبات ، فيه نساء ، فيه طعام ، فيه دخول كبيرة ، فيه دخول قليلة ، الإنسان يعيش واقعًا ، أما الآخرة فخبر ، تقرأ القرآن ، يقول الله لك :

[ سورة الضحى ]

 لكن الآخرة غير محسوسة .

مثال ذلك ، الإنسان يعيش في بيت مع زوجته ، وهما في تفاهم ، يسعد بها ، وتسعد به ، وله صديق بين زوجته وبينه خصام ، وهي عند أهلها ، والبيت في فوضى ، والأولاد ليس هناك من يطعمهم ، وليس ثمة من يعتني ، بهم وحياته متعبة جداً ، الأول يعيش واقع السعادة الزوجية ، أما مشكلة صديقه فهي فكرة عنده ، لكن الثاني يعيش الشقاء الزوجي ، أما سعادة صديقه فهي فكرة .

الآن أيها الإخوة الكرام ، نحن جميعاً نعيش الدنيا ، نعيش الواقع ، فيهمُّنا الدخل ، والرزق ، والصحة ، والأولاد ، والزوجة ، لكن قضية الآخرة ليست واقعاً محسوساً ، يل هي فكرة مِن الذي أخبرك أن هناك آخرة ، لو أن الذي أخبرك هذا الخبر إنسان عادي لا نأبه له إطلاقاً ، أما إذا كان الذي أخبرك خالق الأكوان ، خالق الإنسان ، قال : ينبغي أن تأخذ إخبار الله كأنك تراه ، والدليل قال تعالى :

[ سورة الفيل ]

من منكم رأى أصحاب الفيل ؟ ولا أنا رأيت ، لكن قال علماء التفسير : ينبغي أن تأخذ خبر الله ، وكأنك تراه ، هذا إخبار من خالق الكون ، قال تعالى :

[ سورة النحل : الآية 1]

إذاً لم يأت ، لكن الله سبحانه وتعالى مادام قد أخبرنا أنه سيأتي فكأنه أتى ، من هو المؤمن ؟ هو الذي يؤمن بالغيب .

أنت راكب دراجة ، الطريق مستوٍ ، وجدت طريقين ، طريقًا نازلا ، وطريقًا صاعدًا ، كل خلية بجسمك ، وكل قطرة بدمك تدعوك إلى سلوك الطريق النازل ، لأنك راكب دراجة معطيات الطريق سليمة ، الطريق معبد ، تحفه الأشجار والرياحين والورود ، ونسمات لطيفة وعليلة ، هذا الواقع ، الواقع يدعوك أن تسلك الطريق النازل ، لكن لوحة صغيرة كتب عليها : أن هذا الطريق النازلة تنتهي بحفرة ما لها من قرار ، فيها وحوش كاسرة وجائعة ، هذا النص يجب أن يعكس قرارك الطريق الصاعدة ، مع أنها وعرة ، وفيها غبار ، وفي حر ، لكنها تنتهي بقصر ، هو لمن وصل إليه .

أنا أعطيكم مثلا حادًّا ، الواقع المحسوس يدعوك أن تسلك الطريق الهابط ، لكن النص الذي عند مفترق الطرق يدعوك أن تسلك الطريق الآخر ، المتعبة ، الصاعدة ، التي فيها أكمات ، فيها عقبات ، فمن هو البطل ؟ ولا سيما إذا كان المخبر هو الله ، البطل الذي يقرأ هذا القرآن ، ويصدق ما فيه ، ويعمل بمقتضاه ، ولا يؤخذ بمظاهر الحياة الدنيا .

لا أبالغ ، معظم الناس يعيشون الواقع فقط ، يريد أن يأكل ، وأن يشرب ، وأن يستمتع بالحياة ، ولا يعبأ كثيراً ما إذا كان دخله حراماً أو حلالاً ، لا يعبأ كثيراً أن الله سيسأله عن كل درهم كسبه ، من أين اكتسبته ؟ وفيم أنفقته ؟ يعيش الواقع ، يأكل ، يشرب ، يستمتع ، يتنزه ، يملأ عينيه من محاسن النساء ، يتابع الفضائيات حتى ساعة متأخرة من الليل ، يقول : هذه الحياة ، هو يعيش واقع ممتع ، أما الآخرة التي سيحاسب فيها عن كل شيء فهي فكرة ، وليست واقعاً ، لذلك عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ )) .

[أحمد]

العبد الفقير ، سافرت إلى بلد بعيد ، البلد البعيد في نصف الكرة الجنوبي ، فأنا هنا أشعر بالحر ، الحرارة ثلاثة وأربعون ، أنا أعيش واقع الحر ، فتحت ، سألت فوجدت أن الوقت هناك شتاء ، والحرارة هناك سبع أو ثماني درجات ، بقيت فكرة ، هذه لم تكن واقعاً ، لم آخذ من الثياب شيئاً إلا ما هو صيفي ، أعيش واقع الحر ، ولم أنتبه إلى الفكرة التي قرأتها في موقع معلوماتي عن تلك البلاد ، فلما وصلت عشت واقع البرد ، تمنيت لو معي ثياب شتوية ، درس لا أنساه .

كلمة : ( يؤمنون بالغيب ) من هو البطل ؟ الذي يصدق الله بهذا القرآن .

أيها الإخوة الكرام ، إن لم تعكس موازينك وخطتك لم تؤمن بالغيب ، الواقع يدعوك أن تأخذ المال ، والقرآن يدعوك أن تنفق المال ، الواقع يدعوك أن تستمتع بالحياة ، والقرآن يدعوك أن تنضبط وفق منهج الله ، الواقع يدعوك أن تنام ، والواقع يدعوك أن تستيقظ :

[ سورة المزمل ]

الآن نحن في أول ليلة من ليالي رمضان ، البطولة أن تؤمن بالغيب ، أما الإيمان بالواقع فسهل جداً تعيشه أنت ، أيّ إنسان يقول : أنا واقعي ، البطولة أن تؤمن بهذه اللوحة التي تؤكد لك أن هذا الطريق الذي يريحك ، ويسليك ، ويمتعك ينتهي بحفرة مالها من قرار ، وأن هذا الطريق الصاعدة المتعبة الذي لا تحبه فيها غبار ، وعقبات وأكمات ، هذا الطريق الذي سوف يسعدك ، من هو البطل ؟ الذي يؤمن بالغيب .

مشكلات الناس في معظمها يعيشون الواقع لا يهتمون بغذائهم ، الأغذية الطيبة الرائعة تسبب أمراضاً كثيرة جداً ، ترى إنساناً يؤمن بما يقوله الأطباء ، يأكل الأكل الصحي ، ولا تأخذه الشهوة إلى أكل يؤذيه ، إذاً الإيمان بالغيب هو سبب سلامتنا وسعادتنا ، نحن أمام القرآن الكريم ، إن شاء الله البطولة في رمضان أن تصدق الواحد الديان ، أن تصدق رب العالمين ، أن تعمل بهذا الخبر .

وكنت أضرب مثلاً دائماً أعدته كثيراً ، إنسان متجه إلى حمص في أيام الشتاء ، ودمشق فيها شمس ، والطرقات جافة كلها ، إذا بلوحة كتب عليها : الطريق إلى حمص مغلقة بسبب تراكم الثلوج ، وضعت اللوحة في النبك ، في ظاهر دمشق ماذا تفعل ؟ تعود ما الذي أعادك إلى بلدك ؟ النص ، اللوحة لو أن دابة تمشي أين تقف ؟ عند الثلج ، ما الذي حكمها ؟ الواقع ، القضية بكلمتين ، إن كنت عاقلاً يحكمك النص ، وإن عطلت عقلك يحكمك الواقع .

الناس يعيشون ، يأكلون ، يشربون ، يتمتعون ، ولا يلتفتون إلى ذلك اليوم الذي تحاسب فيه عن كل كلمة ، وعن كل حركة ، وعن كل سكنة ، وعن كل صلة ، وعن كل قطيعة ، وعن كل قطيعة ، وعن كل غضب ، وعن كل رضا ، لماذا فعلت ؟

عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ ، فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ؟ )) .

[ الترمذي ، الدارمي ]

فأنا وقفت عند كلمة واحدة ، كلمة الغيب ، إن كنت مؤمناً برب السماوات والأرض تأخذ كلام الله لا على أنه غيب ، لكن على أنه مشهود ، يجب أن تتلقى إخبار الله وكأنك تراه ، يجب أن ينقلب الغيب عندك إلى واقع ، قال تعالى :

[ سورة النحل : الآية 1]

أتى فعل ماض ، قال :

المعنى أنه لم يأت ، معنى ذلك أنه كونك مؤمنًا ، وقد أخبرك الله عز وجل أن هذا اليوم سوف يأتي توقن أنه قد أتى ، فهذا موضوع اليوم ، كلمة :

لكن لو فرضنا أن الآخرة محسوسة كالدنيا جميع الناس يتجهون إلى الآخرة ، ولا يسعدون بها ، لأنهم ما فعلوا شيئاً ، أما أنت فتقاوم متع الأرض ، متع الدنيا التي حرمها الله عز وجل  ، وتلتزم بما سمح الله لك به اعتماداً على إخبار الله لك أن هناك يومًا تسعد فيه إلى أبد الآبدين ، فبقدر إيمانك بذلك اليوم تكون ممن تنطبق عليهم هذه الآية :

[ سورة البقرة : الآية 3]

والحمد لله رب العالمين

 

Copyright © 2007 Nabulsi