English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

   دروس الفجر : الأحد 10 رمضان – ومضات ولقطات إيمانية : الأخلاق ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أيها الإخوة الكرام ، من لوازم المؤمن أنه ذو أخلاق ، ذلك أن الأخلاق في تعريفها الدقيق : هي ضبط للسلوك ، فالله عز وجل أودع في الإنسان الشهوات ، وسمح له أن يتحرك بها من دون قيد أو شرط ، لكن التشريع الحكيم ألزمه بحيز ينبغي ألا يتعداه ، الإنسان يستطيع أن يمارس أية شهوة أودعها الله فيه بشكل كامل ، إلا أن الشريعة الغراء سمحت له في علاقته بالمرأة بالزواج فقط ، وفي كسبه للمال بكسب المال الحلال ، وفي أية شهوة أودعت في الإنسان سمح له أن يمارسها ضمن قناة نظيفة ، هي التشريع الإلهي ، فكل إنسان أوقع حركته وفق النطاق الذي سمح الله به فهو ذو خُلق .

لذلك الأخلاق كسبية تقوم باختيار ، ثم بإرادة ، ثم بفعل ، الآن النبي عليه الصلاة والسلام  مع أنه كان قمةً في كل شيء قال الله له :

[سورة الأعلى]

 القرآن يتلى عليه مرةً فيحفظه ، كان أفصح العرب ، كان جميل الصورة ، فكل خصائصه التي تعينه على أداء الرسالة منحه الله إياها ، إنها وسائل الدعوة ، إلا أن الله حينما أثنى عليه أثنى على خُلقه فقط .

 الأمر يتّضح تماماً كما لو أن ابناً طلب من أبيه قصراً ، وأبوه ملك ، فمنحه القصر ، طلب طائرة خاصة فمنحه طائرة خاصة ، طلب يختاً فمنحه اليخت ، لكن لا يعقل أن يكرم هذا الابن حينما يمنح يختاً أو طائرةً ، أما حينما يتفوق في دراسته ، وهي من كسبه يكرم ، لذلك كل أدوات الدعوة من فصاحة إلى ذاكرة قوية ، إلى حكمة إلى ... هذه كلها من خصائص الدعوة ، وقد تفضل الله على النبي عليه الصلاة والسلام ، لكن حينما يمدح النبي e يمدح بشيء من كسبه ، ألا وهو الخلق ، فالخصائص قد تكون وهبية ، بينما الخلق هو كسبي ، قال تعالى :

[ سورة القلم : الآية 4]

  السيدة عائشة سئلت عن خلقه فقالت : (( كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ )) .

[مسلم]

  لو قرأت القرآن الكريم  كله ، أثنى الله على الصادقين وكان صادقاً ، أثنى على المتصدقين وكان متصدقاً ، أثنى الله على الصابرين وكان صابراً ، فما من صفة وردت في القرآن الكريم  فاضلة إلا والنبي e تمثلها قلباً وقالباً ، إذاً كانت أخلاقه القرآن .

وقال بعضهم : الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي ، وقد جمعت مكارم الأخلاق في آية ، قال تعالى :

[ سورة الأعراف : الآية 199]

 كلمة ( خذ ) تعني شيئاً ثميناً ، أنت حينما تعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك فأنت قد أخذت العفو ، عفوت عنه حينما قطعك فوصلته ، وعفوت عنه حينما حرمك فأعطيته ، وعفوت عنه حينما ظلمك فأنصفت معه .

(( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْعٍ ؛ خَشْيَةِ اللهِ فَي السِّرِّ وَالْعَلاَنَيَّةِ ، وَالْعَدْلِ فَِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا ، وَالْقَصْدِ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى ، وَأَنْ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي ، وَأَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي ، وَأُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي ، وَأنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْراً ، وَنُطْقِي ذِكْراً ، وَنَظَرِي عِبْرَةً )) .

[رواه القضاعي في مسند الشهاب ( 1159 ) ، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ( 6/151 ) : "هذا حديث معضل "]

خذ العفو ، الآن الأوامر :

 العرف ما تعرفه الفطر السليمة بداهةً ، لك فطرة سليمة أيها الإنسان ، إنك في أصل تركيبك ، وفي أصل جبلتك ، وفي أصل فطرتك تحب الصدق ، تحب الإنصاف ، تحب الرحمة ، الله عز وجل  أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يأخذ العفو ، ويأمر بالعرف ، يجب أن تأمر أيها النبي ـ e ـ بالقيم الأخلاقية التي فطر الإنسان عليها ،

 

والناس يستجيبون أو لا يستجيبون ، يمدحون أو يذمون ، الإنسان المتفلت لا تعجبه مكارم الأخلاق ، يحب أن يأخذ ما ليس له ، يحب أن يعتدي على أعراض الآخرين ، قال تعالى :

[ سورة الأعراف : الآية 199]

وثمة أحاديث صحيحة تبين أن أثمن شيء في الدين على الإطلاق حسن الخلق ، عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ : (( الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ )) .

[مسلم]

مِن أوسع الكلمات دلالةً على مكارم الخلاق البر حسْن الخلق ، ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق ، وإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : (( سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ ؟ قَالَ : التَّقْوَى ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ ، وَسُئِلَ : مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّارَ ؟ قَالَ : الْأَجْوَفَانِ ، الْفَمُ وَالْفَرْجُ )) .

[ابن ماجه ، أحمد]

 يعني شهوتا الطعام والجنس .

 وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا )) .

[ أحمد ، الترمذي ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا )) .

  وعَنْ عَائِشَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ )) .

[أبو داود ، أحمد]

الإنسان صائم في النهار ، قائم في الليل ، يأتي الذي له أخلاق حسنة فيسبقه بهذه الأخلاق .

وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا ، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا ، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ )) .

[ أبو داود ]

 المراء المشاحنة ، وإن سألتني : هل يمكن أن يضغط الدين كله بعد صحة الاعتقاد ؟ الجواب : حسن الخلق ، هذا الأمر دعا بعض كبار العلماء أن يقول : الإيمان هو الخلق ، ومن زاد عليك في الإيمان زاد عليك في الخلق .

وعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا ، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ ، وَالْمُتَشَدِّقُونَ ، وَالْمُتَفَيْهِقُونَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ ؟ قَالَ : الْمُتَكَبِّرُونَ )) .

[ الترمذي ]

 وعَنْ أَنَسٍ قَالَ : (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْهَرَ اللَّوْنِ ، كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ ، إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ ، وَلَا مَسِسْتُ دِيبَاجَةً وَلَا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) .

[ مسلم ،  أحمد ]

 وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : (( خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ ، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي أُفًّا قَطُّ ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا ؟ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا )) .

[ متفق عليه ]

أيها الإخوة الكرام ، شيء دقيق ، هو أن كل خلق محمود مكتنف بخلقين ذميمين ، كل خلق محمود قبله خُلق مذموم ، وبعده خلق مذموم ، والفضيلة وسط بين طرفين ، الجود خلق محمود ، أما الإسراف فخلق مذموم ، البخل خلق مذموم ، يوجد إنفاق عشوائي طائش ، يوجد تبذير ، يوجد إسراف ، و يوجد تقتير ، والجود بينهما ، التهور خلق مذموم ، الجبن خلق مذموم ، بينهما الشجاعة ، ما من خلق محمود إلا وقبله وبعده خلقان مذمومان ، فالفضيلة وسط بين طرفين ، الطيش خلق مذموم ، التهيب خلق مذموم ، الحلم بينهما ، الأناة فضيلة ، عدم الحركة إطلاقاً رذيلة ، لا يتحرك إلى شيء من شدة حذره وخوفه وقلقه ، يلغي عمله كله ، والتسرع خلق مذموم ، لو ذهبت إلى بنود الأخلاق كلها لا تجد خلقاً فاضلاً إلا ويكتنفه خلقان مذمومان ، لذلك قالوا : " الفضيلة بين طرفين " .

أيها الإخوة الكرام ، صاحب الأخلاق الفضلى يسبق الصائم القائم ، وقد يصل إلى أعلى درجات الجنة ، طبعاً أقول : الأخلاق الفاضلة التي بنيت على إيمان ، أما هناك أخلاق تبنى على الذكاء ، هذه أخلاق أهل الدنيا ، تقتضي مصلحته أن يكون صادقاً ، تقتضي مصلحته أن يكون منصفاً .

 قلت مرة : إن الأخلاق التي تلفت النظر في العالم الغربي هي أخلاق أساسها الذكاء ، لأنهم يعبدون المال من دون الله فكانوا بهذه الأخلاق ، وإذا تضررت مصالحهم يصبحون وحوشاً ، أليس كذلك ؟ كان الامتحان صعباً ، وسقطوا ، مادامت الأمور كلها لصالحهم فهم صادقون ، منصفون ، يعرفون قيمة الإنسان ، تقتضي مصلحتهم ذلك ، أما إذا مست مصالحهم ينقلبون إلى وحوش كاسرة ، لذلك يجب أن نفرق بين أخلاق الأذكياء وأخلاق العباد المؤمنين .

المؤمن خلقه أصيل ، لا يتأثر لا بإقبال الدنيا ، ولا بإدبارها ، لا بتحقيق مصالحه ، ولا بتعطل مصالحه ، لا بالغنى ولا بالفقر ، الخلق الإيماني خلق ثابت ، خلق أصيل ، بينما الخلق الشيطاني خلق مبني على الذكاء ، ومبني على تحقيق المصالح ، فإذا مست المصالح يصبح هذا الأخلاقي وحشاً كاسراً .

 

و الحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi