English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس التراويح – الأحد  10 رمضان – ومضات ولقطات إيمانية : أحكام الله ضمان لسلامة الإنسان ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أيها الإخوة ، في سورة يونس عليه السلام آية ، هي قوله تعالى :

[ سورة يونس : الآية 15]

الملمح في هذه الآية أن الذين لا يرجون لقاءنا ، لا تعجبهم أحكام القرآن يريدون تبديل أحكامه ، وهذه المشكلة الأولى الآن مع العالم الإسلامي ، قال تعالى :

[ سورة الإسراء ]

أيها الإخوة الكرام ، أعداء المسلمون يسمحون بالمظاهر الإسلامية ، بالمساجد ، بتلاوة القرآن ، بكل شيء لا يتعلق بمنهج الحياة ، لكن منهج الحياة يجب أن يكون كما يتصورونه ، لذلك المشكلة الأولى التي مع المسلمين هي تبديل منهجهم وشريعتهم ، هنا قال تعالى :

[ سورة يونس : الآية 15]

هنا وقفة ، الناس رجلان ، إما أنه رجل يرجو لقاء الله عز وجل  ، ويعمل له ، ويسعى إليه ، ويجهد في سلامته بعد الموت ، إذاً هو يرجو لقاء الله أن يموت على الإيمان ، أن يموت موحداً لله عز وجل ، مطبقاً لمنهجه ، أو أن هناك آخر ليس ضرورياً أن يقول : ليس هناك آخرة ، لكن في حركاته وسكناته لا يرجو إلا الدنيا ، ولا يفكر إلا فيها ، ولا يسعى إلا إليها ، ولا يعبأ كثيراً ما إذا كانت حركته مطابقة للشرع أو لا ، لا يريد إلا الحياة الدنيا الآخرة ليست داخلةً في حساباته ، هذا يزعجه ما في الدين من أحكام ، يزعجه الحجاب ، يزعجه تحريم الربا ، يزعجه تحريم الاختلاط ، يزعجه النظام الإسلامي في كسب الأموال ، فكل شيء من أحكام لا يقبله ، لأنه لا يرجو لقاء الله عز وجل ، أراد الدنيا ومصالحه في الدنيا ، ورغباته في الدنيا ، وشهواته في الدنيا ، لذلك لا يرجو لقاء الله عز وجل ، إذاً لا يقبل أحكام الله عز وجل .

قبل أيام مرت الآيات :

[ سورة المائدة : الآية 44]

والآية الثانية :

[ سورة المائدة : الآية 45]

والآية الثالثة :

[ سورة المائدة : الآية 47]

فالعبرة أيها الإخوة الكرام لا بالمظاهر الدينية ، العبرة بالالتزام الديني ، إذا أردنا أن ينظر إلينا الله عز وجل بالعطف والرحمة ، والتأييد والنصر فيجب أن نقيم الإسلام في حياتنا ، لذلك قال تعالى :

[ سورة الأنفال : الآية 33]

من أجمل ما في هذه الآية أنه مادامت سنة النبي عليه الصلاة والسلام قائمةً فيهم ، في بيوتهم ، وفي أعمالهم ، وفي أفراحهم ، وفي أتراحهم ، وفي كسب أموالهم ، وفي إنفاقها ، وفي تربية أولادهم ، فهم في بحبوحة من عذاب الله ، قال تعالى :

[ سورة الأنفال : الآية 33]

إذاً يتضح أن هذا الذي لا يرجو لقاء الله عز وجل لا يحتمل هذه الأحكام ، ويراها حداً لحريته ، بل هي في الحقيقة ضمان لسلامته ، وفرق كبير بين أن تفهم أحكام الله عز وجل ضماناً لسلامتك ، وبين أن تفهمها حداً لحريتك ، الذي يرجو الله واليوم الآخر يراها ضماناً لسلامته ، والذي لا يرجو إلا الدنيا يراها حداً لحريته ، لذلك ورد في بعض الأحاديث عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ : خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ بِنِصْفِ النَّهَارِ قُلْتُ : مَا بَعَثَ إِلَيْهِ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا لِشَيْءٍ سَأَلَ عَنْهُ ؟ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : سَأَلَنَا عَنْ أَشْيَاءَ سَمِعْنَاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ ، وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ )) .

[ابن ماجه]

  إنسان يرجو لقاء الله ، وإنسان لا يرجو لقاء الله .

  أريد أن أؤكد على ناحية دقيقة جداً ، أنه لا تجد في العالم الإسلامي كله من ينكر الآخرة بلسانه ، لكن لو دققت في سلوك الناس تجد معظم المسلمين لا يفكرون بالآخرة ، هذا الذي يغتصب بيتاً ، أو يغتصب مالاً ، أو يغتصب شركةً كيف تراه يؤمن بالآخرة ؟ مستحيل ، لو آمن بالآخرة ، وأن هناك حساباً دقيقاً ، وأن هناك إلهاً عادلاً ، وأن هناك من يأخذ من الظالم للمظلوم لا يقبل أن يأكل مالاً ليس له .

  أيها الإخوة الكرام ، العبرة لا بالتكذيب القولي ، ولكن بالتكذيب العملي ، وهو أشد أنواع التكذيب .

  شيء آخر ، يقول الله عز وجل :

[ سورة يونس : الآية 15]

المشكلة أن الإنسان يتصور إذا كان خاضعاً لقانون أن هذا القانون من وضع البشر ، وقد تكون معركة بين عقلين ، فإذا كان واضع القانون ذكياً فقد يكون من يطبق عليه القانون أذكى منه ، فبأسلوب أو بآخر يلغي مفعول هذا القانون بالتفاف حوله ، هذا يقع في العالم كله ، لكن من عظمة الله عز وجل أن التشريع الإسلامي ليس من عند البشر ، بل من عند خالق البشر ، لذلك جميع البشر يخضعون لهذا التشريع ، أي تشريع ، ولو افترضنا جدلاً ليس في الإسلام صيام ، والجهات الرسمية أرادت من أجل صحة المواطنين أن تفرض الصيام ، هل تستطيع أن تحمل الناس جميعاً ولو في بيوتهم ؟ مستحيل ، ما من شيء ، وما من نظام في الأرض يمكن أن يطبق بحذافيره إلا إذا كان من عند الله ، لأن الله معكم أينما كنتم ، معك في بيتك ، في خلوتك ، في جلوتك ، إذاً بشكل دقيق لا يمكن أن ينجح تشريع إلا إذا كان من عند خالق البشر ، لأن الذي وضع التشريع معك في كل مكان هو عليك رقيب ، هو لك بالمرصاد ، يعلم خائنة الأعين ، وما تخفي الصدور ، لذلك هنا قال تعالى :

[ سورة يونس : الآية 15]

لو تتبعنا الآيات التي تبين حدود رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى :

[ سورة الأنعام : الآية 15]

هذا حد نبينا عليه الصلاة والسلام ، وهو سيد الخلق ، وحبيب الحق ، يخاف إن عصى الله عذاب يوم عظيم ، هذا حد ، الحد الثاني قال تعالى :

[ سورة الأعراف : الآية 188]

الحد الثالث قال تعالى :

[ سورة الجن : الآية 21]

الحد الرابع ، قال تعالى :

[ سورة الأعراف : الآية 188]

فلأن لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً فمن باب أولى لا أملك ذلك لكم ، فإذا كان قمة البشر لكم أعلى مخلوق بين البشر يخاف إن عصى ربه عذاب يوم عظيم لكم ولا يعلم الغيب لكم ولا يملك لأحد نفعاً ولا ضرا ، فهذا مقام العبودية ، قال تعالى :

[ سورة النجم : الآية 10]

وقد بلغ النبي عليه الصلاة والسلام سدرة المنتهى ، وأوحى إلى عبده ما أوحى ، ومع ذلك يخاف إن عصى الله عذاب يوم عظيم .

 إذاً حينما ترى أن حدود الشرع قيوداً لك فاعلم أن الطريق طويل أمامك ، حينما تتوهم أن حدود الشرع قيود ، أما حينما تفهم الحدود ضماناً لسلامتك فأنت فقيه ، ودائماً وأبداً لا يعنينا كثيراً الأطر الخارجية ، الآن الأبنية الإسلامية شيء يلفت النظر ، أنا دخلت مسجدًا في الدار البيضاء كلّف ألف مليون دولار ، فوق البحر ، فن المغرب في هذا المسجد ، يوجد عندنا أطر إسلامية ، أما هل التعامل اليومي إسلامي ؟ طريقة البيع والشراء ، استثمار الأموال إسلامي ؟ تربية الأولاد إسلامي ؟ ما يعرض على الشاشة إسلامي ؟ هنا المشكلة :

[ سورة الإسراء : الآية 73]

لا يتخذونك خليلا إلا إذا تخليت عن دينك ، ورضيت أن تطبق مناهجهم في كل شيء ، مناهجهم الاقتصادية والاجتماعية والعلمية :

[ سورة الإسراء : الآية 74]

هذه الآية أيها الإخوة تمثل جهود الطرف الآخر منذ نشوء الإسلام ، وإلى يوم القيامة ، المعركة معركة تبديل منهج ، إذا بدلنا نتخذ أخلاء لهم ، وإن لم نبدل فنحن إرهابيون .

هذه المشكلة القائمة ، وكلما تمسكنا بإسلامنا ، وبتعاليم ديننا ، وبقرآننا أعطينا لله عز وجل سببًا أن ينصرنا ، لو دعونا الله ليلاً نهاراً ، في الحرب السابقة التي شنت على العراق لا يوجد مسجد في العالم الإسلامي إلا قنت في الصلوات ، و دعا الله عز وجل  أن ينصر المسلمين ، ومع ذلك لم ينصرهم ، هذا الجواب ، أو هذا الموضوع يجاب عنه : ما لم نغير ، ما لم نبدل ، ما لم نقِم أمر الله في بيوتنا ، وفي أعمالنا فلا نستطيع أن نطالب الله أن ينصرنا .

لذلك أنا كنت أدعو ، وأقول : اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك ، عندئذ نستحق أن تنصرنا على أعدائنا ، وأمامنا جهاد نفسي ، جهاد النفس والهوى ، و ليس في الأرض جهة تمنعك أن تجاهد نفسك وهواك ، ليس في الأرض جهة تمنعك ، ولا تسائلك لماذا كنت صادقاً ؟ لماذا كنت أميناً ؟ لماذا كنت عفيفاً ؟

طرائق الجهاد النفسي مفتوحة على مصارعها ، والجهاد الدعوي من يمنعك أن تعلم أولادك مبادئ الإسلام ؟ من يمنعك أن تعلم من حولك مبادئ الإسلام ؟ والجهاد الدعوي أبوابه مفتوحة على مصارعها .

بقي الجهاد البنائي ، من يمنعك أن تكون الأول في اختصاصك ؟ الأول في صناعتك ؟ الأول في تجارتك ؟ الأول في زراعتك ؟ من يمنعك أن تكون منتجاً ؟

الجهاد النفسي ، والجهاد الدعوي ، و الجهاد البنائي متاح لكل مسلم ، ولا تستطيع جهة في الأرض أن تمنعك منه ، ولا أن تسائلك : لمَ فعلت كذا ؟ فالطريق أمامنا طويل ، وكل واحد منا ينبغي أن يسلكه ، فلعل الله سبحانه و تعالى يرحمنا .

 

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi