English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس الفجر : الأثنين 11 رمضان – ومضات ولقطات إيمانية : التواضع والكبر ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

           الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

           أيها الإخوة الكرام ، من لوازم المؤمن أنه متواضع ، قال تعالى :

( سورة الفرقان الآية : 63 ) .

أي في سكينة ووقار متواضعين ، ليسوا مرحين ، ولا متكبرين ، أي علماء حكماء ، أي أصحاب وقار وعفة ، لا يسفهون ، وإن سفه عليهم حلموا ، هذا معنى قوله تعالى :

         الهَون بالفتح ؛ صفة المؤمنين ، الرفق واللين ، والهُون بالضم ؛ الهوان صفة الكافرين ، ويقول الله عز وجل  :

( سورة المائدة الآية : 54 ) .

          معنى أذلة ؛ أي ينقادون لهم ، يشفقون عليهم ، يرحمونهم ، يعطفون عليهم ، ليس ذل هوان ، إنه ذل انقياد ، كيف أن الأم لما أودع الله في قلبها من الرحمة يستطيع ابنها أن يسألها ، وأن تجيبه ، تجيبه برحمتها به ، لذلك المؤمن كالجمل الذلول ، والمنافق والفاسق ذليل .

فرق كبير بين ذلول وذليل ، وقيل : إن الذل يعشق الكذاب والنمام والبخيل والجبار ، فالكذاب والنمام ، والبخيل والجبار لا بد لهم من ذل حينما يكشف أمرهم .

أما معنى قوله تعالى :

من عزة القوة والمنعة والغلبة ، قال عطاء : أذلة على المؤمنين أي هم للمؤمنين كالوالد لولده ، وعلى الكافرين كالسبع على فريسته ، و في آية أخرى :

( سورة الفتح الآية : 29 ) .

           وفي حديث صحيح عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ )) .

[أبو داود ، ابن ماجه]

أكاد أقول : إن السمة البارزة بالمؤمن التواضع ، وإن السمة البارزة للكافر الكبر .

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ )) .

[ أخرجه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه] .

وفي حديث احتجاج الجنة والنار عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ : (( احْتَجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ، فَقَالَتْ الْجَنَّةُ : يَا رَبِّ ، مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا فُقَرَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ ؟ وَقَالَتْ النَّارُ : مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ ؟ فَقَالَ لِلنَّارِ : أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ ، وَقَالَ لِلْجَنَّةِ : أَنْتِ رَحْمَتِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا ، فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا مَا يَشَاءُ ، وَأَمَّا النَّارُ فَيُلْقَوْنَ فِيهَا ، وَتَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ، حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ، وَتَقُولُ : قَطْ ، قَطْ ، قَطْ )) .

[أحمد ، وأصله في البخاري]

هذا الذي كان في الدنيا متواضعاً ، كان لين الجانب ، كان كالجمل الذلول ، هذا مصيره إلى الجنة .

وفي الحديث القدسي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( الْعِزُّ إِزَارُهُ ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ )) .

 [ رواه مسلم ] .

وفي رواية فمن نازعني قصمته .

وحينما يرى الإنسان عدوه مستكبراً ينبغي أن يفرح ، لأن الله سوف يقسمه .

وفي جامع الترمذي عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ فِي الْجَبَّارِينَ فَيُصِيبُهُ مَا أَصَابَهُمْ )) .

[الترمذي]

قد يكون الإنسان في المرتبة الدنيا في المجتمع ، لكنه جبار ، لو وكلته على رَجلين لسحقهما ، التجبر لا يعني أنك عظيم ، قد يكون الإنسان في المرتبة الدنيا ، ومع ذلك يكون جباراً .

كان عليه الصلاة والسلام يمر على الصبيان فيسلم عليهم ، وكانت الأمة ؛ الطفلة الصغيرة تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت ، وكان إذا أكل عليه الصلاة والسلام لعق أصابعه الثلاث ، وكان صلى الله عليه وسلم في بيته في خدمة أهله ، ولم يكن ينتقم لنفسه قط ، وكان يخصف نعله ، ويرقع ثوبه ، ويحلب الشاة لأهله ، ويعلف البعير ، ويأكل مع الخادم ، ويجالس المساكين ، ويمشي مع الأرملة واليتيم ، ويبدأ من لقيه بالسلام ، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء ، وكان هين المأونة ، لين الخلق ، كريم الطبع ، جميل المعاشرة   طلق الوجه بساماً ، متواضعاً من غير ذلة ، جواداً من سرفٍ ، رقيق القلب ، رحيماً بكل مسلم ، خافض الجناح للمؤمنين ، لين الجانب لهم ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول : (( أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النّارِ ، وَبِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النّارُ ؟ عَلَى كُلّ قَرِيبٍ هَيّنٍ سَهْلٍ )) .

[ رواه الترمذي ] .

وحَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ ـ قدم الخروف ـ لَأَجَبْتُ ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ )) .

[ رَوَاهُ البُخَارِيّ ] .

وكان يعود المريض ، ويشهد الجنازة ، ويركب الحمار ، ويجيب دعوة العبد ، وكان يوم قريظة على حمار ، مختوم بحبل ليف ، عليه إكاف من ليف .

أيها الإخوة ، من أقوال العلماء الربانيين عن التواضع :

سئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال : يخضع للحق ، وينقاد له ، ويقبله ممن قاله " ، فهو خاضع للحق ، ولو نطق به طفل صغير ، بينما المتكبر لا يخضع للحق ، ولو نطق به أعلم العلماء ،

(سورة البقرة : الآية 206)

وقيل التواضع : ألا ترى لنفسك قيمة ، فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب ، إنك حسنة من حسنات ربك ، منحك نعمة الوجود ، نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد   ونعمة الهدى والرشاد .

وقال الجنيد : التواضع خفض الجناح ، ولين الجانب .

وقيل : قبول الحق من كان ، والعز في التواضع ، فمن طلبه في الكبر ، من طلب العزة في الكبر كمن يطلب الماء من النار ، العز في التواضع ، ومن أراد أن يكون عزيزاً عن طريق الكبر والهيمنة وإرهاب الناس أصبح ذليلاً .

وقيل : الشرف في التواضع ، والعز في التقوى ، والحرية في القناعة .

وقال عروة : رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما على عاتقه قربة ماء فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا ينبغي لك هذا ، قال : لمّا أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسي نخوة فأردت أن أكسرها .

سيدنا الصديق كان يحلب شياهًا لجارة له عجوز ، فلما تسلم الخلافة ، ظنت الجارة أن هذه الخدمة توقفت ، لأنها لا تليق بخليفة المسلمين ، ففي اليوم الأول من توليه الخلافة طُرق باب العجوز ، فقالت لابنتها : افتحي الباب ، فلما فتحت ، فقالت : من الطارق ؟ قالت : يا أمي جاء حالب الشاة ، وهو خليفة المسلمين .

ومر الحسن على صبيان معهم كسرٌ من خبزٍ ، فاستضافوه على خبز فقط ، فنزل وأكل معهم ، ثم حملهم إلى منزله ، فأطعمهم وكساهم ، وقال : اليد لهم ، لهم الفضل ، لأنهم لا يجدون شيئاً غير ما أطعموني ، ونحن نجد أكثر منهم ، فلهم الفضل بهذه السابقة .

يروى أن سيدنا أبا ذر رضي الله عنه ما كان معصوماً ، عيّر بلالاً بسواده ، ثم ندم ، فألقى بنفسه على الأرض ، وحلف لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه ، فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال ذلك .

سيدنا عمر بن عبد العزيز بلغه أن واليا له اشترى خاتماً بألف درهم ، فكتب إليه عمر بلغني أنك اشتريت فصاً بألف درهم ، فإذا أتاك كتابي فبع الخاتم ، وأشبع به ألف بطن ، واتخذ خاتماً بدرهمين ، واجعل فصه حديداً ، واكتب عليه : رحم الله عبدًا عرف قدر نفسه .

أيها الإخوة الكرام ، التواضع معرفة بالله عز وجل ، لأن الجاهل لا يعرف الله ، يرى نفسه كبيراً ، أما المؤمن فيرى عظمة الله عز وجل ، هذه الرؤية جعلته متواضعاً ، وإذا أجرى الله على يديه الخير يعلم علم اليقين أن هذا هو فضل الله عليه ، كلما تواضعت لله رفعك ، وما من إنسان أعزه الله في الدنيا كسيدنا رسول الله e ، وكان ما من إنسان أشد تواضعاً من رسول الله e ، الله عز وجل أقسم بعمره الثمين قال له :

( سورة الحجر ) .

فالتواضع ليس سلوكاً متكلفاً ، الأذكياء يتواضعون من أجل أن ينتزعوا إعجاب الناس ، نريد تواضع المؤمنين ، متواضع حقيقة .

أيها الإخوة ، أنت حينما تتواضع تأسر قلوب الآخرين ، وأنت تريد أن تجلب قلوبهم ، فالمتكبر لا يحبه أحد ، والمتكبر لا يوقره أحد في غيبته ، إذا كان كبيراً ، قوياً ، جباراً ، يُعظم في حضرته ، لكنه في غيبته مثال السخرية ، أما المتواضع فمكرَّم في حضرته وفي غيبته ، وكلما تواضعت لله زادك الله عزاً ، فإذا أدرت عز وجل  الدنيا والآخرة فاقتدِ برسول الله صلى الله عليه وسلم .

أقول لك مرة ثانية : التواضع ليس سلوكاً متكلفاً ، بل هو سلوك طبيعي ، تعرف أن الله تفضل عليك ، إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ، ونسبه إليك ، هذا هو التواضع ، أنت أمام جبل شامخ ، وأنت لا شيء ، فإذا لم ترَ الجبل رأيت نفسك شيئاً كبيراً .

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi