English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس التراويح – الأثنين  11 رمضان – ومضات ولقطات إيمانية : حكم من قصة سيدنا يوسف ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

           الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

           أيها الإخوة الكرام ، الكلام إما أن يسلك طريقاً مباشراً ، وإما أن يسلك طريقاً غير مباشر ، من الطرق غير مباشرة القصة .

القصة : تعرض فكرة ، ولكن لا بشكل مباشر ، بل عن طريق شخصيات وأحداث وبداية ، وعقدة ، ونهاية ، وتحليل ، وسرد ، ووصف .

الحقيقة أن قصة سيدنا يوسف أطول قصة في القرآن الكريم ، لكن بطولة المؤمن أن يضع يده على مغزى القصة ، الذي يقرأ قصة ، ولا يبحث عن الفكرة التي يعبر عنها فكأنه ما قرأ قصة ، الأفكار في هذه القصة عرضت على شكل حوادث ، وعلى شكل تحليل ، وعلى شكل بداية ، وعقدة ، ونهاية .

والحقيقة أنه قلما تجد قصة ذكر بها المغزى مباشرةً ، لكن الله سبحانه وتعالى   قال :

( سورة يوسف ) .

يقول الله عز وجل في الحديث القدسي : (( أنت تريد وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما     أريد )) .

[الحكيم الترمذي في نوادر الأصول]

فإخوة يوسف أقوياء ، وقد مكروا به ، ووضعوه في غياب الجب ليتخلصوا منه    

صار عزيز مصر ، الذين عارضوا النبي عليه الصلاة والسلام هم في مزبلة التاريخ ، والصحابة الكرام الفقراء الذين وقفوا معه أعلام في الدنيا والآخرة .

إذاً : أول مغزى في هذه القصة أنه مستحيل أن تطيعه وتخسر ، وأن تعصيه وتربح .

المغزى الثاني : أن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان الشهوات ، وبإمكانه أن يمارس هذه الشهوات بكل حرية وطلاقة ، ولكن الله سمح له بكل شهوة بحيز عند الله مقبول ، وما سوى هذا الحيز مرفوض .

حينما يضبط الإنسان شهوته وفق منهج الله يستحق من الله التكريم ، الآن الله عز وجل يكرمه بسعادة تفوق ملايين المرات عن اللذة التي كاد أن يحصلها من شهوة محرمة .

لذلك إن لم تقل وأنت مطيع لله عز وجل : أنا أسعد الناس ففي إيمانك خلل .

( سورة القصص الآية : 50 ) .

المعنى المخالف لو أنك اتبعت هواك وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليك إطلاقاً ، فسيدنا يوسف كان شاباً في ريعان الشباب ، وكان عبداً ، وهناك أكثر من عشر أسباب تدعوه إلى أن يقترف المعصية ، أولاً غريب ، وثانياً التي دعوته إلى الفاحشة سيدته ، وليس من صالحها أن تفضحه ، وهو أعزب ، ووسيم .

في كتب التفسير كلام طويل حول الأسباب التي يمكن أن تكون مخففة له لو اقترف الفاحشة ، ومع ذلك قال :

( سورة يوسف ) .

جعله الله عزيز مصر ، لذلك يروى أن جارية في القصر تعرفه عبداً مملوكاً ، ثم رأته عزيز مصر ، فقالت : سبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعته ! لذلك الله عز وجل يقول :

( سورة الشرح ) .

هذه الآية في ظاهرها موجهة إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، ولكن في حقيقتها هي لكل مؤمن ، كل مؤمن يؤثر طاعة الله يرفع له ذكره .

الشيء الثاني : أن المؤمن ولاسيما الشاب حينما يجعل قدوته هذا النبي الكريم   الذي تميز بالعفة ، ماذا قال سيدنا جعفر عن رسول الله للنجاشي ؟ قال له : (( حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف صدقه وأمانته وعفافه )) .

[أحمد عن أم سلمة]

وكأن هذه الكلمات الثلاث أركان الخلق الكريم ، صادق إذا تحدث ، أمين إذا عاملته ، عفيف إذا استثيرت شهوته .

الآن إذا تتبعت ما ينشر في الصحف في العالم كله من فضائح ، كل هذه الفضائح تندرج في بابين ، فضيحة مالية أو فضيحة جنسية ، فهذا النبي الكريم هو قدوة لكل شاب ، لكن هذه الشهوة لا يمكن أن تنجو منها إلا إذا جعلت بينك وبينها هامش أمان ، فغض البصر هامش أمان ، وعدم الخلوة بامرأة أجنبية هامش أمان ، وعدم صحبة الأراذل هامش أمان ، وعدم مطالعة الأدب الإباحي هامش أمان ، من هنا قال الله عز وجل :

( سورة الإسراء ) .

لم يقل : لا تزنوا ، قال :

إنك إذا تخطيت هامش الأمان جرتك هذه الشهوة إلى نهايتها دون أن تشعر ، وما من إنسان تلبس بفاحشة الزنا إلا وكان يعتقد أنه لم يصل إلى ما وصل إليه ، ولكنها سلسلة ، فالشريف من يهرب من أسباب الخطيئة .

أيها الإخوة الكرام ، هناك شهوة ينتج عنها لذة ، وهناك اتصال بالله ينتج عنه سعادة ، اسمحوا لي أن أوازن بين اللذة والسعادة ، اللذة حسية ، تأتيك من الخارج ، من طعام ، من شراب ، من بيت من امرأة ، اللذة متناقصة لا يمكن أن تمدك اللذة بشعور مريح مستمر ، واللذة التي تمارس إن كانت بخلاف منهج الله تنتهي بكآبة .

لذلك أيها الإخوة ، المرض الأول في العالم هو الكآبة ، إنهم متفلتون ، يفعلون ما يروق لهم ، لكن العقاب الإلهي المعجل تلك الكآبة ، قال تعالى :

( سورة طه ) .

أما هذا الذي يغض بصره ، ويضبط شهوته مع من سمح الله بها ، هي زوجته  ويكتفي بزوجته ، ولا ينظر :

( سورة طه الآية : 131  ) .

 

ويرضى بإكرام الله له من خلال هذه الزوجة ، الله عز وجل يذيقه سعادة من نوع آخر ، فالشهوة واللذة حسية تأتيك من الخارج ، لا يمكن أن تمدك بسعادة مستمرة ، إن كانت خلاف المنهج تعقبها كآبة .

والمشكلة أيها الإخوة أن اللذات من أجل أن تصل إلى المتعة فيها أنت بحاجة ماسة إلى شروط ثلاثة :

إلى وقت ، وإلى مال ، وإلى صحة ، ولحكمة أرادها الله أن هذه الشروط لا يمكن أن تجتمع في إنسان ، ففي البداية شاب في ريعان الشباب عنده صحة جيدة ، وعنده وقت مديد ، لكن ليس معه مال يعينه على اقتناص الشهوات ، في مرحلة أخرى أسس عملا ، عنده صحة ، وعنده مال ، لكن ليس عنده وقت ليحقق هذه الشهوات ، في خريف العمر عنده مال ، وعنده وقت لكن ليس عنده صحة ، أما السعادة :

أولاً : تنبع من الداخل ، ولا تحتاج إلى شروط خارجية ، حينما تنعقد مع الله صلة محكمة تشعر أنك ملكت الدنيا ، تشعر بسعادة لا توصف ، تنبع من الداخل ، والسعادة الناتجة عن اتصالك بالله عز وجل مستمرة من بداية الحياة إلى نهايتها ، لذلك ، لا يحزن قارئ القرآن .

ما دمت تقبل على الله ، وتذوق من الله حلاوة القرب فأنت في سعادة ولو كنت في أسوأ ظرف ، قد تسعد بالسكينة ، وقد حرمت معها كل شيء ، وقد تشقى بفقدها ، وقد ملكت الدنيا من أطرافها ، هذه حقائق أيها الإخوة ، نحن حينما نقرأ هذه السورة يجب أن نعرف أن الشهوة إن ترفعت عن جانبها المحرم عوضك الله قرباً وسعادةً وتوفيقاً لا حدود له .

والشيء الدقيق أن الله تعالى قال :

( سورة يوسف ) .

هذا قانون ، مستحيل لإنسان يخون ويحقق أهدافه بالخيانة ، لا بد من أن يفتضح  

الشيء الثاني : أن تفاصيل الحياة وضع في جب .

( سورة يوسف الآية : 19 ) .

أُخذ إلى القصر ، امتحن من امرأة العزيز  ، نحج بالامتحان ، دخل السجن .

مرة أيها الإخوة أحد إخواننا الكرام دخل السجن ، من حقه علي أن أزوره في السجن كي أطمئنه ، وكي أرفع من معنوياته ، لأنني على يقين قطعي أنه بريء ، لكن هناك خطأ طفيف جداً أودى به إلى السجن ، لما دخلت ماذا أقول له ، قلت له : إن نبياً كريماً أدخله الله السجن ليكون تسلية لكل مؤمن دخل السجن ظلماً ، الله عز وجل جعل الأنبياء بالتعبير الشائع كبش فداء ، سيدنا يوسف سُجن ، وسيدنا نوح ابنه كان كافراً ، وسيدنا لوط زوجته كافرة ، وسيدنا إبراهيم أبوه كافر ، ونبي كان عقيماً ، ونبي كان مريضاً ، فكل ما يطرأ على الإنسان من ظروف تمثلت بالأنبياء ليكونوا قدوة لنا .

أنا الذي أرجوه أن تكون هذه السورة منهجاً للشباب .

عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنْ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ )) .

[ أحمد في المسند] .

(( إن الله تعالى يباهي بالشاب العابد الملائكة ، يقول : انظروا إلى عبدي ، ترك شهوته من أجلي )) .

[ابن السني ، والديلمي في مسند الفردوس عن طلحة ] .

لكن أنصح الشباب بغض البصر ، أنصح الشباب بعدم الخلوة مع فتاة لا يحل له أن يخلو بها ، ألاّ يصحب الأراذل ، ألاّ يطالع أدباً مكشوفاً ، ألاّ يتابع مسلسلاً فاضحاً ، يجب أن يبتعد عن أسباب الفاحشة ، عندئذ يتولّى الله حفظه فهو في مظلة الله .

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi