English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس الفجر : الثلاثاء 12 رمضان – ومضات ولقطات إيمانية : الذكر ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

     الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

     أيها الإخوة الكرام ، المؤمن ذاكر لله عز وجل ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى )) .

(سنن الترمذي)

     الذكر في القرآن الكريم على عشرة أوجه :

     الوجه الأول : أن الله أمر به مطلقاً :

(سورة الأحزاب)

     الأمر ينصب لا على الذكر ، بل على كثرة الذكر ، ذلك لأن المنافقين يذكرون الله ، لكنهم يذكرونه ذكراً قليلاً .

(سورة النساء)

     الأمر به مطلقاً .

     يقول الإمام الحسن البصري : " تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء : في الصلاة ، وفي الذكر ، وفي قراءة القرآن ، فإن وجدتم وَجدتم ، وإلا فاعلموا أن الباب مغلق " ، إن لم تجد حلاوة في الذكر ، ولا في تلاوة القرآن ، ولا في الصلاة فاعلم أن الباب مغلق ، بالذكر يصرع العبد الشيطان ، كما يصرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان .

      الوجه الثاني في الذكر : أن الله سبحانه وتعالى نهى عن ضده ، قال تعالى :

(سورة الأعراف)

     هناك ذاكر ، وهناك غافل ، نقيض الذكر الغفلة ، بل إن الله سبحانه وتعالى علق الفلاح والنجاح والتفوق في الذكر ، قال تعالى :

(سورة الأنفال)

     مطلق النجاح ، الإنسان يأتي إلى الدنيا ويغادرها ، نجاح مطلق في أن يذكر الله عز وجل ، والعذاب المقيم الدائم للغافلين عن الله عز وجل .

     الوجه الثالث : أن الله سبحانه وتعالى أثنى على أهل الذكر قال : أهل ذكري أهل مودتي .

(سورة الأحزاب)

     الآن الوجه الرابع : الإخبار عن أن الذكر أكبر شيء في العبادات !

 

(سورة العنكبوت)

      أكبر شيء في الصلاة أن تذكره ، الدليل :

(سورة طه)

     أيها الإخوة :

     الوجه الخامس : أن الله سبحانه وتعالى قرن الذكر مع كل العبادات كيف ؟

     الصلاة :

     الصيام :

(سورة البقرة)

     الحج :

(سورة البقرة)

   ختم به صلاة الجمعة :

(سورة الجمعة)

     أما التفكر فقد قال الله عز وجل :

(سورة آل عمران)

     فالذاكر هو الذي ينتفع من الذكر .

     أيها الأخوة :

     الوجه السادس : الذاكرون هم أهل السبق ، كما روى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ ، فَقَالَ : سِيرُوا ، هَذَا جُمْدَانُ ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ ، قَالُوا : وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ )) .

(صحيح مسلم)

     السبق في الذكر .

     وفي حديث آخر ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : (( لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ )) .

 (صحيح مسلم)

     الوجه السادس : ويكفي في شرف الذكر أن الله سبحانه وتعالى يباهي ملائكته بأهله ، كما في صحيح مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ : مَا أَجْلَسَكُمْ ؟ قَالُوا : جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ ، قَالَ : آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ ؟ قَالُوا : وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ ، قَالَ : أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ : (( مَا أَجْلَسَكُمْ ؟ قَالُوا : جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ ، وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا ، قَالَ : آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ ؟ قَالُوا : وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ ، قَالَ : أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ )) .

(صحيح مسلم)

     وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ ، قَالَ : (( لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ )) .

(سنن الترمذي)

     طبعاً الذكر واسع جداً ، إن دعوت الله فأنت ذاكر ، إن قرأت القرآن فأنت ذاكر ، إن قرأت حديث رسول الله فأنت ذاكر ، إن استغفرت فأنت ذاكر ، إن ابتهلت فأنت ذاكر ، إن سبحت فأنت ذاكر ، إن كبرت فأنت ذاكر ، إن هللت أو حمدت أو قرأت كتاباً في العلم كي تزداد معرفة بالله ، إن فتحت كتاب فقه ، وتتبعت به قضية تعينك على طاعة الله فأنت ذاكر ..... أي نشاط على الإطلاق إذا كان يتصل بالله عز وجل بشكل أو بآخر فهذا ذكر ، بل الحقيقة الكبرى في الكون أن الله موجود ، وواحد ، وكامل .

     الوجه السابع : القرب من الله ، فكل شيء يقربك من الله فهو من الذكر ، وكل شيء يبعدك عنه فهو من الغفلة ، أنت بين حالين ، حال الذكر والقرب ، وحال الغفلة والبعد .

      الوجه الثامن : لا يوجد عبادة تدور مع الإنسان في كل أوقاته إلا الذكر ، إذا أويت إلى الفراش وقلت : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ )) .

(سنن الترمذي عن البراء بن عازب)

فأنت ذاكر .

     إذا استيقظت وقلتَ : (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي ، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي ، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ )) .

(سنن الترمذي عن أبي هريرة)

فأنت ذاكر .

     إذا صليت فأنت ذاكر ، أية عبادة شعائرية ، وأية عبادة ذكرية أو مالية ، أي عبادة تقربك من الله فأنت ذاكر ، فلذلك الذكر يدور مع الإنسان في كل أحواله وحركاته وسكناته .

     وفي المسند وغيره من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا ، قَالُوا : وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : حِلَقُ الذِّكْرِ )) .

(سنن الترمذي)

     عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ ، عَذْبَةُ الْمَاءِ ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ )) .

(سنن الترمذي)

     الوجه التاسع : الذكر حياة ، والغفلة موت : عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ ، وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ )) .

(صحيح البخاري)

     الذاكر حي الغافل ميت .

الآن نوع الذكر :

     الوجه العاشر : ذكر الله لك في الملإ الأعلى : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : (( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي ، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا ، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً )) .

(صحيح البخاري)

      الله عز وجل شاكر ، أنت في مجلس من الممكن أن تتحدث عن نفسك ، وبطولاتك ، ودخلك ، وإنفاقك ، وأولادك المتفوقين ، وزوجتك الوفية ، معظم الناس همهم تسليط الأضواء على أشخاصهم ، لكنك في هذا المجلس أردت أن تثني على الله ، وتعرف الناس بالله ، وتبين عظمة الله ورحمته وقدرته ، الآن مكافأة لك تُذكَر في جمع أرقى من هؤلاء بمستوى أعلى ، تذكر فيه بخير ، أنت ذكرته ، وهو يذكرك في مستوى أرقى .

     (( وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ )) .

     والحقيقة أن أنواع الذكر ثلاثة : ثناء ، ودعاء ، ورعاية ، فالثناء سبحان الله ، والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر .

     والدعاء : ربنا ظلمنا أنفسنا ، وإن لم تغفر لنا ، وترحمنا لنكونن من الخاسرين .

     الرعاية : أن تسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظك ، ويلهمك الصواب ، ويوفقك إلى الخير ، ويؤيدك بنصره ، ويرعاك في حياتك الدنيا .

     أيها الإخوة ، كلما أكثرت من ذكر الله قربك إليك : أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi