English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس رمضان لعام 2005 م – 1426 هـ - مساء الأحد  5 رمضان : أسماء الله الحسنى : العزيز ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أيها الإخوة الكرام ، أسماء الله الحسنى تحتل أكبر مساحة من العقيدة الإسلامية ، فلا يكفي أن تؤمن بأن الله خلق السماوات والأرض ، لا بد من أن تؤمن بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، لذلك قال تعالى :

[ سورة الأعراف : الآية 180]

أي تعرفوا إلى أسمائه ، وادعوه بأسمائه ، وللآية معان كثيرة ، وفي دروس قادمة إن شاء الله نقف عند معانيها .

على كلٍّ ، الاسم الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه اسم ( العزيز ) لماذا ؟ لأن الإنسان أيها الإخوة الكرام بحاجة إلى الطعام والشراب ، هذا جانب ، وبحاجة إلى زوجة ، وهذا جانب  آخر ، ولكن هو بحاجة إلى تأكيد الذات إلى التكريم إلى أن يكون محترماً ، إلى أن يكون عزيزاً ، إلى أن يكون متفوقاً ، هذه حاجة أساسية في الإنسان ، محتاج إلى التكريم ، محتاج إلى التفوق ، محتاج إلى تأكيد الذات ، والحقيقة الدقيقة أن الإنسان إذا استقام على أمر الله ، وطبق منهج الله تتحقق حاجاته الثلاث ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفة تسري خلالها ، الله عز وجل قال :

[ سورة الأعراف : الآية 19]

كم نوعًا من الشراب مسموح ومباح إلا الخمر ؟ كم نوعًا من اللحم إلا الخنزير ؟ فعدد المباحات يفوق بآلاف المرات عدد المحرمات ، إذاً أودع الله فينا رغبة في أن نأكل ، وكل الطعام عدا شيء قليل منه محرم علينا ، ومادام الله عز وجل قد أودع فينا شهوة إلى المرأة جعل لهذه الشهوة قناة نظيفة ، هي الزواج .

الآن ، و رغبتك في التكريم والتفوق ، وأن تكون محترماً في المجتمع هذا يتحقق في أعلى درجة إذا كنت مع الله :

اجعل لـربك  كل      عزك يستقر و يـثبت

فإذا اعتززت بمن       يموت فإن عزك ميت

من شاء الرفعة فليكن مع الله ، من شاء العزة فليكن مع الله ، من أراد أن يكون متألقاً فليطع الله :

[ سورة الأحزاب : الآية 71]

من أراد أن يكون في منعة ممن حوله فليكن مع الله ، نحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الاسم .

أولاً : هذا الاسم أيها الإخوة الكرام ، له معان كثيرة ، من أبرز معانيه أن العزيز هو الذي لا مثيل له ، ليس كمثله شيء ، لا يشبهه شيء ، لا يدانيه شيء ، هذا المعنى الأول .

باللغة العربية عزّ يعز أي صار نادراً ، تقول : معدن عزيز ، حجر عزيز كريم ، اختصاص عزيز نادر ، الشيء الذي لا مثيل له نسميه عزيزاً ، قد نسمي الأشياء عزيزة إذا ندر وجودها ، و لكن الله عز وجل و لله المثل الأعلى لا مثيل له ، هذا هو المعنى الأول عزّ يعز .

المعنى الثاني : ( العزيز ) هو الذي لا يغلب ، فإذا كنا نحن المسلمين مع العزيز لن نغلب :

[ سورة الصافات : الآية 173]

ونحن في كل صلواتنا ، بل في دعاء القنوت نقول : سبحانك ، إنه لا يذل من واليت ، و لا يعز من عاديت ، تكون مع الله ، و تكون ذليلاً ، هذا مستحيل ، و ألف ألف مستحيل ، فالغالب الذي لا يغلب هو العزيز ، ومن كان مع العزيز كان عزيزاً ، لذلك كل الأعراض الذي يعاني منها المسلمون هي في الحقيقة أعراض لمرض واحد ، هو الإعراض عن الله عز وجل .

قد تسألني : ما سبب ما نحن عليه من ضعف واستكانة ؟ ليس أمرنا بيدنا ، وليست كلمتنا هي العليا ، و للطرف الآخر علينا ألف سبيل وسبيل ؟ أقول لكم : لأن أمر الله هان علينا فهنّا على الله ، ولو كنا معه لكان معنا ، و لو طبقنا منهجه لرفعنا ، و أعزنا ، و جعل كلمتنا العليا .

إذاً المعنى الثاني لاسم ( العزيز ) : هو الغالب الذي لا يغلب .

الآن من واقع حياتنا العامة ، الدولة التي مع أقوى دولة عزيزة الجانب ، الدولة التي تصطلح مع أقوى دولة في الأرض عزيزة الجانب على صغرها ، و على ضعفها ، لأن مكانتها مستمدة من الدولة الكبرى التي تدعمها ، هذا من واقع الحياة ، فإذا كنت مع الله كان الله معك .

بالمناسبة أيها الإخوة الكرام ، من أجمل ما في قوله تعالى : } إِنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ { ، } مَعَ الصَّادِقِينَ { ، } مَعَ الصَّابِرِينَ { ، هذه المعية الخاصة ، معية التأييد ، معية النصر ، معية الحفظ ، معية التوفيق ، ولكن معية الله لها ثمن ، لذلك ندعو ، ونقول : اللهم انصرنا على أنفسنا حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا ، هذا المعنى الثاني ، لذلك : } وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ { .

في حياتك ، في تجارتك ، في تدريسك ، في تعليمك ، في حرفتك ، إذا كنت مع الله كنت متفوقاً ، وكنت عزيزاً .

المعنى الثالث : ( العزيز ) هو الشديد ، كل من كان مع الله كان رفيع القدر ، كان متفوقاً أيضاً في مكانته التي بين الناس .

ومن المعاني الأخرى لاسم ( العزيز ) ، كيف تقول مثلاً : عذاب أليم ، أي مؤلم ، أحياناً يأتي وزن فعيل على بمعنى اسم الفاعل ، فالعزيز هو المعز ، اقرؤوا قوله تعالى :

[ سورة الشرح ]

هذه الآية فيما يبدو لرسول الله ، لكن العلماء قالوا : كل آية مختصة برسول الله للمؤمن منها نصيب بقدر استقامته وإيمانه ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام في أعلى مكانة في الأرض ، وأصحابه الكرام الذين كانوا مع الله ، وكانوا مع رسوله في أعلى مكانة ، والذين عارضوا الحق في مزابل التاريخ ، إن أردت أن تكون عزيزاً مرهوب الجانب قوياً لا يستطيع أحد أن يصل إليك ولا أن ينال منك فكن مع الله .

إذا كنت في كل حال معي            فعن حمل زادي أنا في غنى

***

كن مع الله تر الله مـعـك           واترك الكل وحاذر طمعـك

وإذا أعطاك من يمنعــه            ثم من يعطي إذا ما  منعـك

***

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنـا       فإنا منحنا بالضر من أحبنــا

ولذ بحمانا واحتمِ  بجنابـــنا       لنحميك مما فيه أشرار خلقنـا

وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغـل       وأخلص لنا تلقى المسرة و الهنا

وسلم إلينا الأمر في كل ما يكن       فما القرب والإبعاد إلا بأمرنـا

المعنى الأول : هو الذي لا مثيل له .

والمعنى الثاني : هو الغالب الذي لا يغلب .

والمعنى الثالث : ( العزيز ) هو القوي ، ولا قوي في الكون إلا الله ، وكل الأقوياء يستمدون قوتهم من الله ، إما استدراجاً أو دعماً ، الكافر أحياناً يكون قوياً ، لكن قوته من الله عز وجل ، الله يمتحنه به ، والمؤمن يكون قوياً ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : (( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ )) .

[مسلم عن أبي هريرة]

 أما التعريف الدقيق الدقيق لاسم ( العزيز ) قبل أن نطبق هذا التعريف على الذات الإلهية ، الشيء الذي يقلّ وجوده ، وتشتدّ الحاجة إليه ، ويصعب الوصول إليه هذا يسمى عزيزاً ، هناك معادن عزيزة ، واختصاصات نادرة عزيزة ، وحالات نادرة ، فكل شيء يندر وجوده ، وتشتد الحاجة إليه ، ويصعب الوصول إليه عزيز ، هناك معادن ثمينة يندر وجودها ، لكن لا تشتد الحاجة إليها ، وهناك أشياء تشتد الحاجة إليها كالهواء ، وليست نادرة ، ليست عزيزة ، لا بد من أن يكون الشيء يندر وجوده ، وتشتد الحاجة إليه ، ويصعب الوصول إليه ، أما لو اقتربنا من الذات الإلهية كي نفهم معنى ( العزيز ) من خلال هذا التعريف ، الشيء يندر وجوده إلى أن يكون فرضاً هو الله ، } قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ { .

والشيء الذي تشتد الحاجة إليه إلى أن يحتاجه كل شيء في كل شيء فهو الله ، أنت محتاج له في حياتك ، في إمدادك ، هو الحي القيوم ، هو مصدر حياة المخلوقات ، لأنك تتحرك ، وتأكل ، وتشرب ، وتنام ، وتبصر ، وتسمع ، وتنطق ، وتذكر ، هناك ذاكرة ، هذا كله إمداد من الله ، فأنت في أمسّ الحاجة إلى الله ، يحتاجه لا كل إنسان ، ولا كل حيوان ، ولا كل نبات ، بل كل شيء ، حتى الجماد ، الجماد في حركة دائمة ، فالله عز وجل واحد أحد ، فرد صمد ، يحتاجه كل شيء في كل شيء ، ويصعب الوصول إليه ، يستحيل أن تحيط به ، لكنك تصل إليه ، ففرق كبير بين أن تصل إليه ، وبين أن تحيط به ، تركب مركبة ، تنطلق بها إلى البحر ، هذه المركبة تصل بها إلى البحر ، لكنك لن تستطيع أن تخوض البحر بهذه المركبة ، فالعقول تصل إليه ، ولا تحيط به .

التعريف الدقيق الدقيق لاسم ( العزيز ) : هو الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء ، ويستحيل الإحاطة به ، قال تعالى :

[ سورة البقرة : الآية 255]

الآن نحن كمؤمنين ما علاقتنا مع ( العزيز ) ؟ إذا كنت تعبد الله عز وجل ، وهو العزيز فينبغي أن تشتق منه العزة ، كيف ؟ إياك وما يعتذر منه ، لو كنت في أدنى مرتبة اجتماعية ترفع رأسك ، ليس عاراً أن يكون عملك متواضعاً ، أو دخلك محدوداً ، أو يعاني الإنسان بعض الأمراض ، لكن العار أن يكذب ، فإذا كشف كذبه صغر ، العار أن يغش المسلمين ، فإذا كشف أنه غاش يصغر ، لو أن إنساناً لاحت حوله تهمة ، وهذه التهمة تزلزل وجوده ، وتحطم كبرياءه ، والله يموت مئات المرات كل يوم دون أن يمسه أحد ، أنت لك كرامة ، حينما تتهم بالغش ، تتهم بالكذب ، تتهم بالاحتيال ، ولك مكانة اجتماعية ، والتهم تحوم حولك ، تشعر معنى ( العزيز ) ، لذلك لا تفعل فعلاً تحتاج أن تعتذر منه ، إياك وما يعتذر منه ، والذي يعرف قيمة العزة لا يعصي الله .

أقول لكم كلمة ما أدري كيف سنتعامل معها ، قال تعالى :

[ سورة النساء : الآية 144]

إله الكون ، خالق السماوات والأرض ، إنك إن استقمت على أمره ، ووقفت عند حدودك فلا يعذبك ، قال تعالى :

[ سورة النساء : الآية 147]

أنت في مأمن ، وأنت في عزة ، (( هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ )) .

[متفق عليه عن معاذ]

أنشأ الله لك حقاً عليه من أجل أن تكون عزيزاً ، محترماً مكرماً ، مرهوب الجانب ، ممتنعاً عن أن ينالك أحد بسوء ،  كن مع القوي فأنت قوي ،  مع العزيز فأنت العزيز ،  مع من بيده كل شيء ، فكل شيء في خدمتك ، إذا أكرمك الله يلهم أعداءك أن يخدموك ، وإذا تخلى الله عنك يسمح لأقرب الناس منك أن ينال منك .

أقول لكم هذه الكلمة : افتقر إلى الله يتولّك الله ، ولا تعتد بشيء سواه من علم ، أو نسب ، أو مرتبة ، أو منصب ، أو مال ، أو اختصاص ، فيتخلى الله عنك ، أنت بين التولي والتخلي ، بافتقارك إلى الله يتولاك الله ، ويعلي قدرك ، عبد من العبيد قال :

[ سورة يوسف : الآية 23]

صار عزيز مصر ، فسبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعته ! وسبحان من جعل الملوك عبيداً بمعصيته ! حاجتك إلى التكريم كحاجتك إلى الطعام والشراب ، وكحاجتك إلى الهواء ، وكحاجتك إلى زوجة ، فإذا كنت مع الله كان الله معك ، والإنسان إذا رفع الله قدره بين الناس ، وعطر الناس مجالسهم بذكره ، هذا عطاء كبير ، أما إذا كان حقيراً ، كان قذراً ، كان تافهاً ، في أي مكان يتحدث الناس عنه بالسوء ، فإذا أردت أن تكون عزيزاً فكن مع العزيز ، ونحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الاسم ، تكون عزيزاً إذا طبقت منهجه ، وتكون عزيزاً إذا أقبلت عليه ، وتكون عزيزاً إذا تبرأت من حولك وقوتك ، والتجأت إلى قوة الله عز وجل .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi