English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس رمضان لعام 2005 م – 1426 هـ - مساء الثلاثاء  8 رمضان : أسماء الله الحسنى : الرزاق ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أيها الإخوة الكرام ، الإنسان ، أي إنسان حريص حرصاً لا حدود له على حياته ، وعلى رزقه ، وقد ورد : أن كلمة الحق لا تقطع رزقاً ، ولا تقرب أجلاً ، ولكن طبيعة الإنسان أنه حريص على حياته ورزقه ، فلذلك من أسماء الله الحسنى ( الرزاق ) ، ولم يأتِ هذا الاسم إلا بصيغة المبالغة ، هناك رازق ، وهناك رزاق ، صيغ أسماء الله الحسنى إن جاءت بصيغ المبالغة تعني شيئين ، تعني أن العباد مهما كثروا فالله عز وجل يرزقهم ، وهذا يناقض النظريات التي تقول : إن الموارد الغذائية أقل من حاجة البشر ، لكن الله سبحانه وتعالى يعالج الخلق ، المعالجة شيء ، والعجز شيء آخر ، الله عز وجل إذا قنن بعض الأرزاق ، وقنن الأمطار فتقنينه تقنين تأديب لا تقنين عجز ، فالله عز وجل هو ( الرزاق )  بصيغة المبالغة .

لكن سبحان الله ‍! ما إن نذكر كلمة رزاق إلا يقفز إلى أذهاننا المال ، مع أن أنواع الرزق لا تعد ولا تحصى ، الصحة رزق ، وسلامة الأجهزة رزق ، والحكمة رزق :

( سورة البقرة الآية : 269 ) .

والفهم رزق ، والكياسة رزق ، وكل عطاءات الله رزق ، فلذلك الرزق بالمعنى الشامل لا يعني المال ، قد يكون الإنسان حكيماً فيجلب المال ، وقد يكون أحمق فيبدد المال   ، قد يكون حكيماً فيسعد بزوجة من الدرجة الخامسة ، وقد لا يكون حكيماً فيشقى بزوجة من الدرجة الأولى ، قد يكون حكيماً فيجعل العدو صديقاً ، وقد يكون أحمق فيجعل الصديق عدواً ، فالحكمة من أعظم أنواع الرزق ، الأدب رزق ، لذلك الرزق لا يشمل المال وحده ، بل يشمل كل الصفات ، ما الدليل ؟ قال تعالى :

( سورة الواقعة ) .

يعني عطاءكم الذي كان ينبغي أن يكون علماً ، ومعرفةً ، وإيماناً ، جعلتموه تكذيباً ، وجهوداً .

أيها الإخوة ، كل واحد منا يتمنى سعة الرزق ، هذا شيء في جبلة كل إنسان ، ولكن الآيات الكريمة تبين متى يزداد الرزق ، مثلاً :

( سورة الجن ) .

( سورة فصلت الآية : 30 ) .

الخوف من الرزق يتلاشى مع الاستقامة :

( سورة الأعراف الآية : 96 ) .

إذاً التقوى ، والاستقامة أحد أسباب الرزق .

( سورة نوح ) .

الاستغفار أيضاً أحد أسباب الرزق .

 

( سورة طه الآية : 132 ) .

معنى ذلك أن البيت التي تقام فيه الصلوات ، والمحل التجاري التي تقام فيه الصلوات ، وينضبط من في المحل بمهج الله ، هذا المحل لعله مرزوق أكثر من غيره ، لكن بشكل أو بآخر الله عز وجل يرزق عباده مؤمنهم وكافرهم ، ورد في الأثر القدسي : " أن عبدي خلقت لك ما في السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين ، عبدي لي عليك فريضة ولك علي رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا " .

[ورد في الأثر]

حدثت البارحة أن هناك " فَقْراً مُنْسِياً ، وغِنَىً مُطْغِياً ، " ، فقر منسي وغنى  مطغي .

" فإن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي وكنت عندي مذموماً " .

إذاً سعة الرزق تأتي من الصلاة ، وتأتي من الاستقامة ، وتأتي من التقوى ،  وتأتي من صلة الرحم ، وتأتي من الاستغفار ، وتأتي من إتقان العمل ، وتأتي من الصدقة .

(( استنزلوا الرزق بالصدقة )) .

[ أخرجه البيهقي عن علي ابن عدي ، عن جبير بن مطعم ، أبو الشيخ ابن حبان عن أبي هريرة ] .

 وتأتي من الأمانة ، والأمانة غنى ، وهذه كلها نصوص من الكتاب والسنة تؤكد أسباب زيادة الرزق .

أيها الإخوة ، أنت مكلف بمعرفة الله والعمل الصالح ، وقد ضمن الله لك رزقك ، أولاً هو رزاق ، ثانياً :

( سورة الروم الآية : 40 ) .

بالفعل الماضي ، قد ترسل ابنك إلى بلد ليتعلم ، ترسل له المعونات تباعاً ، لكن من أجل أن تطمئنه ترسل له ما يحتاجه في السنوات الخمس مرةً واحدة ، هذه طريقة تطمئن  ، هذا معنى قوله تعالى : ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾ ، بالفعل الماضي .

لذلك الشقاء كل الشقاء يتأتى من أن الذي ضمن لك مهتم له ، وأن الذي كلفت به غافل عنه ، هذا حال أهل الدنيا .

مَدرسة داخلية ، فيها مطبخ ، فيها طباخون من الطراز الأول ، والأكل سيقدم في أعلى درجة في وقت مناسب جداً ، والطالب ليس مكلفاً إلا أن ينطلق إلى المطعم في الساعة الفلانية ، هو مكلف بالدراسة ، ترك الدراسة ، وانشغل بالطعام ، هل جاء الطعام ؟ هل حضرتم المادة الفلانية ؟ ماذا فعلتم بكذا ؟ أنت مكلف بالدراسة فقط ، والرزق ليس عليك .

من شقاء الإنسان أن ينشغل بما ضمن له ، وأن يسهو ، ويغفل عما كلف به     لذلك : " كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يفرحك ، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد " .

شيء آخر ، هناك كسب ، وهناك رزق ، الرزق ما انتفعت به قطعاً ، ما انتفعت به فقط ، الطعام الذي أكلته ، والثوب الذي لبسته ، والسرير الذي نمت عليه ، والمركبة التي تستخدمها ، هذا هو رزقك ، وما سوى ذلك كسبك ، تحاسب عليه ، من أين اكتسبته ؟ وفيم أنفقته ؟ ولم تنتفع به ، فلذلك الإنسان : (( من أصبح منكم آمنا في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا )) .

[ رواه البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن محصن ] .

   هذا هو الرزق ، أن تكون آمناً في سربك ، معافى في جسمك ، عندك قوت يومك ، من هذا القبيل أن ملكاً سأل وزيره : من الملك ؟ قال : أنت ، قال : لا ، الملك رجل لا نعرفه ، ولا يعرفنا ، له بيت يؤويه ، ورزق يكفيه ، وزوجة ترضيه ، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا ، وإن عرفناه جهدنا في إحراجه .

إذاً الرزق ما انتفعت به ، يا إخوان ، الابن الصالح رزق ، الزوجة الصالحة رزق ، أن تكون معافى في جسمك هذا رزق ، أقل مرض عضال تحتاج إلى ملايين ، ويجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق ، فأنت بسلامة جسمك ، معك رأس مال كبير ، كثير في أمراض الآن علاجها ليس أقل من ستة ملايين ، زرع كبد من ستة إلى ثمانية ملايين ، أرقام كبيرة جداً مقابل خلل في بعض الأجهزة ، فأنت في بحبوحة في الرزق ، إذا كنت معافى في جسمك ، أنت في بحبوحة إن كانت لك زوجة طاهرة ، تسرك إن نظرت إليها ، وتحفظك إن غبت عنها ، أن تكون حكيماً هذا رزق .

والله مرة كنا في مولد ، وإنسان مختل العقل ملأ الساحة سباباً للرب ، وسباباً للدين ، وكلاماً بذيئاً ، أفسد على الحاضرين هذا الاحتفال إفساداً كاملاً ، وهو بحجم كبير لا يواجه ، فوجدت أنه ما من نعمة أعظم من أن تكون عاقلاً ، أن تتكلم الكلام المناسب في الوقت المناسب .

أيها الإخوة ، فالرزق والكسب ، الرزق ما انتفعت به ، والباقي أرقام لم تنتفع بها ، لكنك محاسب عليها .

الآن من علامات إيمانك أنك ترضى عن الله فيما رزقك ، جعلك محدود الدخل ـ الحمد لله ـ جعلك بجسم ليس وسيماً كما ينبغي ، جعلك بقدرات ليست عالية ، بل متوسطة ، فمن علامة إيمانك أن ترضى عن الله ، والدليل :

( سورة البينة ) .

ينبغي أن ترضى عن الله ، وأن تعلم علم اليقين الذي قسمه لك هو أفضل شيء لك ، والحقيقة الإنسان يتوهم أن الرزق هو المال ، يقول الله عز وجل  :

( سورة طه ) .

قال بعضهم : فما بال الأغنياء والملوك ، كيف تكون معيشتهم ضنكا والمال بين أيديهم لا يعد ولا يحصى ؟ والآن نرى بأعيننا في فندق بالخليج أجرة الغرفة في الليلة الواحدة 12 أف دولار إلى 35 ألف دولار ، ويأتي الراكب من المطار بطائرة إلى الفندق ، هذا فندق من نوع السبع نجوم ، وأحياناً الإنسان يرى هذه النجوم ظهراً .

هناك بذخ كبير جداً ، فقال بعضهم : ما بال الأغنياء والملوك والأموال بين أيديهم لا تعد ولا تحصى ؟ فقال بعض المفسرين : المعيشة الضنك هي ضيق القلب ، سبحانك يا رب ! قد يلقي في قلب المؤمن السعادة والرضا ، وكأنه أسعد الناس ، وقد يلقي في قلب غير المؤمن الخوف والقلق والسوداوية .

إذاً : أن تكون مطمئناً هذا رزق ، أن تكون آمناً هذا رزق ، لذلك قال تعالى :

( سورة التكاثر ) .

قال علماء التفسير : النعيم نعمة الأمن .

( سورة الأنعام ) .

فالأمن نعمة ، ونعمة الفراغ ، الذي عنده فراغ ، يأتي لدرس علم ، يجلس مع زوجته وأولاده ، يلتقي مع إخوانه ، يقرأ القرآن ، يزور أخاً في الله ، هذه من نعمة الله العظمى ، والإنسان الذي ليس عنده وقت فراغ ليس من بني البشر ، لأنه ألغى وجوده  ، الإنسان يكسب رزقه ، وفي وقت فراغه يحقق ذاته ، يكسب رزقه في وقت عمله ، وفي وقت فراغه يحقق ذاته .

إذاً الفراغ نعمة ، وهو رزق ، قال والكفاية رزق ، هناك فقر الكسل ، وهناك فقر القدر ، وهناك فقر الإنفاق ، وهناك غنى البطر ، وهناك غنى الكفاية ، وحينما قال عليه الصلاة والسلام داعياً : (( اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً )) .

[ورد في الأثر]

دعاء النبي e ، عندك ما يكفيك ، وليس عندك ما يطغيك ، والمال قوة ، ومع المال انحراف أحياناً ، إذاً المعيشة الضنك هي ضيق القلب ، فنعمة الأمن رزق ، والصحة رزق والزوجة الصالحة رزق ، والذكر العطر رزق ، وكلها أرزاق ، والحكمة رزق ، والفهم رزق ، وأنت تتمتع بعلم فأنت ممن أنعم الله عليهم ، وفي نهاية المطاف :

( سورة النساء ) .

 

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi