English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس رمضان لعام 2005 م – 1426 هـ - فجر الأربعاء 9 رمضان : الفوائد لابن القيم الجوزية : إذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ست مشاهد ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أيها الإخوة الكرام ، مع فائدة جديدة من فوائد ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى ، يقول : " إذا جرى على العبد مقدور يكرهه ـ القضاء والقدر بعضه محبب إلى النفس ، وبعضه مكروه ، الإنسان قد يتزوج ، وقد ينجح في عمله ، وهذا من قضاء الله له ، هذا شيء مسعد ، لكن قد يأتيه مرض ، وقد يأتيه غم وهم ، فالمقدور الذي يكرهه الإنسان ـإذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ستة مشاهد ".

المؤمن الصادق المتعمق بالإيمان الذي يرفعه الله عز وجل بالعلم ، إذا جاءه مكروه من القضاء والقدر فله في هذا المقدور مكروه ستة مشاهد ، أحدها : مشهد التوحيد ، هذا الذي جرى بصرف النظر عمن أجراه ، هذا الذي جرى ، هذا الذي وقع ، هذا الذي حصل من عند الله ، لذلك قالوا : لكل واقع حكمة ، ولو كان الموقع مجرماً ، مادام الشيء وقع ففيه حكمة بالغة ، لأنه لا يليق لألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد ، لأنه إله العالم ، فكل شيء يقع في العالم أراده ، بمعنى سمح به ، لذلك أول مشهد من مكروه المقدور أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أوقعه ، أي إن الله هو الذي قدره ، و شاءه ، وخلقه ، وما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، لذلك هناك قاعدة مستنبطة من هذه الحكمة : كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق .

المشهد الثاني : مشهد العدل ، قد يكون الذي وقع في ظاهره ظلم شديد ، لكن في حقيقته محض عدل ، ذلك أن الله يعامل عباده في مجموع أعمالهم ، قد تكون في محلك التجاري وأنت منضبط أشد الانضباط ، وأنت مطبق لكل التعليمات ، ولكل الأنظمة ، ويأتي إنسان فيظلمك بضبط ظالم ، هذا الضبط ظالم ، لكن الله سبحانه وتعالى يعامل عبده بكل شؤون حياته ، قد يكون في سهرة قبل يوم لا ترضي الله ، فجاء هذا الظلم الظاهري تأديباً لهذه السهرة التي لا ترضي الله ، الحساب عند الله حساب جارٍ مِن إلى .

إذاً : المشهد الثاني : أن الذي وقع مشهد عدل ، و أنه ماض في حكمه ، عدل في قضائه ، التوحيد هو المشهد الأول ، والعدل هو المشهد الثاني .

المشهد الثالث : مشهد الرحمة ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

 

[سورة الأعراف : 156]

 وهذا الذي حدث شيء ، فرحمة الله عز وجل وسعت كل شيء ، مشهد الرحمة ، وأن رحمته في هذا المقدور غالبة لغضبه وانتقامه .

المشهد الرابع : مشهد الحكمة ، هذا الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً ، هذا الذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله ، ليس في الإمكان أبدع مما كان ، ويوم القيامة يكشف الله لعباده سر القضاء والقدر ، إذاً حكمته اقتضت ذلك ، ولم يقدر سدى ولا عبثاً ولا لعباً ، قال تعالى :

[ سورة المؤمنون : 15]

[ سورة القيامة ]

هذا الذي وقع وقع بأمر الله ، هذا هو التوحيد ، ووقع بعدل الله ، ووقع برحمة الله ، ووقع بحكمة الله .

المشهد الخامس : مشهد الحمد ، المؤمن قد يوقن أن الذي وقع رحمة محضة ، ولو لم يدرك الحكمة ، لكن يوم القيامة يكشف الله له عن الحكمة .

إذاً المشهد الخامس : مشهد الحمد لله ، علاقتك مع الله بكل إيجابيتها وسلبيتها ، بكل ألوانها تلخص بكلمة ، قال تعالى :

[ سورة يونس ]

وله سبحانه وتعالى الحمد التام على ذلك من جميع الوجوه .

المشهد السادس والأخير : كيفما فهمت هذا الذي وقع ؟ هذا الذي وقع لأنك عبد له ، ولست نداً له ، ماذا تفعل أنت في ملك الله ؟ لك أن تفهم الحكمة ، لك أن تتوقع حكمة ما ، لكن لو استغلق عليك الأمر أنت عبد الله ، وأنت منه ، فله أن يفعل بك ما يشاء ، لكن الله سبحانه وتعالى رحيم ، هو قدير ، لكنه رحيم ، بمعنى أن أي أب عنده طفل يحبه حباً جماً من حيث القدرة ، من حيث القدرة فقط ، ألا يستطيع أن يذبحه ؟ هل يمكن أن يقع هذا الذبح ؟ مستحيل ، لأن الله سبحانه وتعالى على صراط مستقيم ، وحيثما جاءت على مع لفظ الجلالة فالمعنى أن الله ألزم ذاته العلية بالرحمة ، لذلك شيء من القلق ضروري ، أما أن تتوهم لو أنك عبدته يمكن أن يكون المصير إلى النار فهذا شيء فيه وسوسة من الشيطان ، قال تعالى :

[ سورة النساء : 147]

[ سورة سبأ ]

 

[ سورة الزلزلة ]

إذاً أنت في النهاية عبد .

مرة أحد العلماء في محاضرة ألقاها قال : لو أن الله وضع فلانًا ، وسمى نفسه في النار ماذا يفعل ؟ هو عبد لله طبعاً ، هذا لون من ألوان الرضا ، الآن المعصية التي ربما سببت هذا القضاء المكروه ، المعصية من نتائجها قلة التوفيق ، حركة بلا نتائج قلة التوفيق ، قال تعالى :

[ سورة هود : 88]

وفساد الرأي ، قال تعالى :

[ سورة محمد ]

الإنسان إذا كان بعيداً عن الله يفسد رأيه ، يكون تدميره في تدبيره ، يفكر ، ويجمع ، ويطرح ، ويضرب ، ويقسم ، ثم يدمر نفسه ، قال تعالى :

[ سورة الأنفال : 36]

قلة التوفيق ، وفساد الرأي ، وخفاء الحق ، أن يكون رأيك صائباً ، هذا من توفيق الله ، وأن تكون نظرتك صائبة ، فهذا من توفيق الله ، وأن تملك الرؤية الصحيحة ، هذا من توفيق الله ، وأن تملك الرأي الصحيح ، هذا من توفيق الله ، لأن الله إذا أراد إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لب لبه ، وخفاء الحق ، الحق خاف عن العاصي ، يرى الباطل حقاً والحق باطلاً ، فمن أدعية النبي عليه الصلاة والسلام : اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً  وارزقنا اجتنابه ، وفساد القلب ، القلب فيه أمراض ، قال تعالى :

[ سورة الشعراء ]

وخمول الذكر ، من نتائج المعصية خمول الذكر ، الله عز وجل يرفع عبده المؤمن قال تعالى :

[ سورة الشرح ]

أن يعطيك الله مكانة ، أن يلقي محبتك في قلوب الخلق ، هذا من نتائج الطاعة ، أما الإنسان حينما يعصي الله يصبح خامد الذكر .

ومن نتائج المعصية إضاعة الوقت ، الوقت ما فيه بركة ، ما فيه إنجاز ، موضوعات تافهة جداً ، يضيع فيها الوقت ، قضايا سخيفة ، يستهلك الوقت ، خطأ طفيف يهدر به أيام عمل عشر ساعات ، ما في الوقت بركة ، في الوقت المحدود الإنجاز قليل جداً ، أما المؤمن فيبارك له في وقته ، ففي وقت قليل يقدم إنجازاً كبيراً .

ونفرة الخلق ، العاصي ينفر الخلق منه لأسباب لا نعلمها ، إذا أحب الله عبداً ألقى محبته في قلوب الخلق ، وإذا غضب على عبد ألقى كراهيته في قلوب الخلق ، بلا سبب الناس يكرهونه ، بلا سبب الناس ينفضون عنه ، لذلك ما أخلص عبد لله إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودة والرحمة .

والوحشة بين العبد وربه ، المعصية من نتائجها وحشة بين العبد وربه ، حجب ، الطريق غير سالك ، الخط مع الله مقطوع ، يقرأ القرآن لا يشعر بشيء ، يصلي لا يشعر بشيء ، يذكر لا يشعر بشيء ، هناك حجاب ، وأكبر عقاب يعاقب به الإنسان أن يحجب عن الله عز وجل ، قال تعالى :

[ سورة المطففين]

ومن إجابة الدعاء ، يدعو فلا يستجاب له ، هذه نتائج المعصية التي سببت مقدوراً مكروهاً من إجابة الدعاء ، قسوة القلب ، لا يرحم ، لا يرحم الضعيف ولا الفقير ، ولا المسكين ، وعلامة البعد عن الله القلب القاسي ، وعلامة القرب من الله القلب الرحيم ، ومحق البركة في الرزق والعمر ، لا بركة ، دخل كبير ، وإنفاق أكبر ، دخل كبير ، وإنفاق غير حكيم ، وحرمان العلم ، ولباس الذل ، الإنسان إذا ارتكب معصية حجبه الله عن العلم .

شكوت إلى وكيع سوء حفظي        فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأنبأني بأن العلم نــــور         و نور الله لا يهدى لـعاص

وضيق الصدر ، في قلب المعرض عن الله عز وجل ضيق لو وزع على أهل بلد لكفاهم ، والابتلاء بقرناء السوء ، إذا كنت مع الله التف حولك المؤمنون ، وإذا كان الإنسان مع الشيطان التف حوله الشياطين ، والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ، ويضيعون الوقت ، قرين السوء عبء عليك ، يأخذ منك ، ولا يعطيك ، يضيع وقتك ، يحببك في الدنيا ، يبغضك في الطاعة ، لئيم ، ليس وفياً ، يأخذ منك ، وعند الضيق يتخلى عنك ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : (( إن الله اختارني واختار لي أصحابي )) .

[ورد في الأثر]

أكبر نعمة ، وأكبر عطاء أن يكون الذين حولك على شاكلتك ، وأكبر عقاب أن يكون الذين حولك متناقضين معك ، وطول الهم والغم من قصر بالعمل ابتلاه الله بالهم ، هموم تركبه هموم تجعل الدنيا مسودة في عينيه ، وضنك المعيشة وفساد البال ، المعيشة الضنك المعيشة الشقية ، قال تعالى :

[ سورة طه : 124]

[ سورة محمد ]

صلاح البال من نعم الله الكبرى ، تتولد هذه كلها من المعصية والغفلة عن ذكر الله ، كما يتولد الزرع عن الماء والإحراق عن النار .

 أيها الإخوة ، كلمة أخيرة ، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح ، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر ، وسبحانك يا رب ! إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، قال تعالى :

[ سورة السجدة ]

[ سورة الجاثية ]

الله عز وجل يقول :

[ سورة الأحزاب ]

كل الخير والتوفيق ، والحكمة والفلاح ، والنجاح والتفوق ، والذكاء والعقل بطاعة الله ، لأنك لو أطعت الله أطعت الصانع والجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة .

 

 

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi