English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس رمضان لعام 2005 م – 1426 هـ - فجر الخميس 10 رمضان : الفوائد لابن القيم الجوزية : مصائب آلت إليها الأمة من الإعراض عن الله ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين

أيها الإخوة ، ورد في الأثر أنه لا بد للمؤمن من عدو يقاتله ، ومن منافق يبغضه ، ومن مؤمن يحسده ، ومن نفس ترديه ، ومن شيطان يغريه .

ابن القيم رحمه الله تعالى وسع هذا النص ، وأعطاه تفصيلات عديدة ، فقال : " كيف يَسلمُ من له زوجة لا ترحم ، وولد لا يعذر ، وجار لا يأمنه ، وصاحب لا ينصحه ، وشريك لا ينصفه ، وعدو لا ينام عن معاداته ، ونفس أمارة بالسوء ، ودنيا متزينة ، وهوىً مُرْدٍ ، وشهوة غالبة ، وغضب قاهر ، وشيطان مزين ، وضعف مستول عليه ، فإن تولاه الله ، وجذبه إليه انقهرت له هذه كلها ، وإن تخلى الله عنه ، ووكله إلى نفسه اجتمعت عليه ، فكان الهلاك " .

هذا الموضوع ينقلنا إلى ما هو أكبر منه ، الذي هو أكبر منه أن الله عز وجل  يقول :

( سورة إبراهيم ) .

إله عظيم يصف أن مكر الكفار يزيح الجبال عن أماكنها ، وهذا شيء مستحيل  ، لكن لبيان عظم مكرهم ، ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ   الْجِبَالُ ﴾ ، ثم في آية أخرى :

( سورة أل عمران الآية : 120 ) .

فلابد للمؤمن من عدو يقاتله ، ومن منافق يبغضه ، ومن مؤمن يحسده ، ومن شيطان يغويه ، ومن نفس ترديه ، فإذا اتجه إلى الله عز وجل أُبطلت هذه كلها .

وكيف يسلم من له زوجة لا ترحم ، الآية الكريمة :

( سورة التغابن الآية : 14 ) .

تضغط عليه ، وتضغط عليه ، وتجعل حياته جحيماً إلى أن يستجيب لها ، ويمد يده إلى المال الحرام كي يرضيها ، ثم يهلك وتهلك معه ، كيف يسلم من له زوجة لا         ترحم ؟

بالمقابل أيها الإخوة ، إنصافاً للحقيقة ، واللهِ عدد كبير من إخوتنا الكرام سبب هدايتهم زوجاتهم ، عدد كبير ، الزوجة جنة أو نار ، إما أن تعينك على طاعة الله وتحصنك ، وإما أن تكون سبب هلاك الإنسان .

كيف يسلم من له زوجة لا ترحم ، وولد لا يعذره ؟ الزواج كما ورد مجبنة مبخلة مشغلة ، أحيانا تكون الأسرة سبب سعادة الإنسان ، والزواج يضاعف سيره إلى الله ، وأحياناً يتزوج الإنسان فينتهي عند الله .

وولد لا يعذره ، وجار لا يأمنه ، الإنسان أحياناً يتلقى الأذى من جيرانه دون أن ينتفعوا إطلاقاً ، والله أعرف أخًا ابنه في سن الزواج ، وتاقت نفسه للزواج ، وعنده بيت في وجيبة داخلية ، بيته أرضي ، وإلى جانب هذا البيت دكان له ، أغلق الدكان ، وجعل هذه الدكان غرفة نوم ، وبنى لابنه في مترين بمتر حمامًا ومطبخًا ، الجار الذي في الطابق الأعلى اشتكى عليه ، وهُدم هذا الحمام ، مع أنه لم يحجب الشمس عن أحد ، داره أرضي ، فهذا الجار لا يأمنه ، والمشكلة الآن الجار يتفنن في إيذاء جاره ، يتفنن في إزعاجه ، وجار لا يأمنه .

وصاحب لا ينصحه ، يراه ضالاً فيزيده ضلالاً ، يراه تاركًا صلاة فلا يذكر له الصلاة إطلاقاً .

وشريك لا ينصفه ، صدقوا أيها الإخوة أن كل هذه المشكلات هي أعراض لمرض واحد ، هو الإعراض عن الله .

( سورة مريم ) .

يؤذي دون أن ينتفع ، يوقع الأذى بالآخرين ، ويتلذذ بذلك ، وشريك لا ينصفه ، وعدو لا ينام عن معاداته ، ونفس أمارة بالسوء ، يضعف أمامها ، ودنيا متزينة ، ودققوا في هذه الآية :

( سورة يونس الآية : 24 ) .

ذكرت لكم من قبل أن في الخليج فندقًا أجرة الليلة الواحدة من 12 ألف دولار إلى 35 ألف الليلة الواحدة .

( سورة يونس الآية : 24 ) .

هذا عصر تألّه الإنسان ، الإنسان القوي اليوم متألّه .

(( الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني منهما شيئاً أذقته عذابي ولا أبالي )) .

[ رواه أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة ابن ماجة عن ابن عباس ] .

وهوىً مردٍ ، وشهوة غالبة .

(( إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً ، وَهَوًى مُتّبَعاً ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلّ ذِي رَأْيٍ   بِرَأْيِهِ )) .

[أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه ابن ماجه ] .

 مادية مقيتة ، يبيع دينه وآخرته بعرض من الدنيا قليل اليوم (( إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً ، وَهَوًى مُتّبَعاً )) ، الجنس :

حضرت مؤتمرًا في دمشق ، وقال أحد الإعلاميين الكبار في المؤتمر : إن المسلمين استبدلوا كلمة اقرأ بـ : أرقص ، بدلا أن يقرؤوا الآن يرقصون ، (( وَهَوًى مُتّبَعاً ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ )) ، عندئذٍ :

(( الزم بيتك ، واملك عليك لسانك ، وخذ ما تعرف ، ودع ما تنكر ، وعليك بخاصة  نفسك )) .

[ أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عمر بن عمرو بن العاص ] .

يعني أقرباءك ، جيرانك ، زملائك الذين تثق بهم :

(( وعليك بخاصة نفسك ، ودع عنك أمر العامة )) .

وغضب قاهر ، وشيطان مزين ، وضعف مستولٍ عليه ، فإن تولاه الله ، وجذبه إليه انقهرت له هذه كلها ، وإن تخلَّ الله عنه ووكله إلى نفسه اجتمعت عليه حتى تهلكه .

أيها الإخوة ، من وفاء النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال : (( اشتقت لأحبابي ، قالوا : أو لسنا أحبابك ؟ قال : لا أنتم أصحابي ، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان ، القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر ، أجرهم كأجر سبعين ، قالوا : منا أم منهم ؟ قال : بل منكم ، لأنكم تجدون على الخير معواناً ، ولا يجدون )) .

[ورد في الأثر]

أينما تلفت المعصية في رابعة النهار ، وفي الطريق ، والتحدي لدين الله في كل مكان .

أيها الإخوة ، لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة : (( تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً ، كتاب الله وسنة نبيه )) .

[ رواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ] .

لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة ، والمحاكمة إليهما ، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهم ، الحياة معقدة ، هذا عصر العلم ، عصر الانفتاح ، عصر التقدم ، المرأة نصف المجتمع .

واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما ، وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان ، وأقوال الشيوخ ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم ، هذا الكلام قاله ابن القيم في عصره ، فكيف لو عاش معنا ، ورأى ما رأى ، هذا الكلام قيل في عصر ابن القيم ، لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة ، والمحاكمة إليهما ، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما ، وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان ، وأقوال الشيوخ ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم .

اتصلت بي أخت وسألتني ، عندهم ولد متبنًّى ، عمره 15 عاماً ، فلئلا يكون هناك حرج في سكناه مع زوجة الذي تبناه ، هل يجوز أن ترضعه في هذا السن كي يكون ابنها من الرضاعة ؟ هكذا جاء السؤال والله .

سؤال آخر : إن ابنتي عندها زجاجة خمر غالية جداً ، هل لها أن تهديها إلى غير مسلم ؟ وهي صاحبة دين ؟! فتاة صاحبة دين عندها زجاجة خمر غالية جداً ، هل لها أن تهديها إلى غير مسلم ؟!.

وأنا كنت أقول : قيم روحية ، ومشروبات روحية ، وروحية بروحية ، هذا عصر الاختلاط ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم ، وظلمة في قلوبهم ، وكدر في أفهامهم ، ومحق في عقولهم ، وعمتهم هذه الأمور ، وغلبت عليهم ، حتى ربا فيها الصغير ، وهرم عليها الكبير ، فلم يروها منكراً .

(( كيف بكم إن لم تأمروا بالمعروف ، ولم تنهوا عن المنكر ؟ قالوا : أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : وأشد منه سيكون ، قال : وما أشد منه ؟ قال : كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ، ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا : أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : وأشد منه سيكون ، قالوا : وما أشد منه ؟ ـ هنا المشكلة ـ قال : كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً ، والمنكر معروفاً ؟ )) .

[علل ابن أبي حاتم ]

إذا خدمك إنسان تشك فيه الآن ، ما مقصده ؟ إذا تقرب إنسان إلى الله لخدمتك تفكر تفكيرًا آخر ، تظن أنه يحبك ، لك مؤامرة ، أنه يوقعك في فخ ، (( كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ؟ .

قال :عندئذٍ قام المجتمع ، وقامت فيه البدع مقام السنن ، والنفس مقام العقل  ، والهوى مقام الرشد ، والضلال مقام الهدى ، والمنكر مقام المعروف ، والجهل مقام العلم  ، والرياء مقام الإخلاص ، والباطل مقام الحق ، والكذب مقام الصدق ، والمداهنة مقام النصيحة ، والظلم مقام العدل ، فصار هذا المجتمع مجتمعاً شارداً عن الله ، عندئذٍ بطن الأرض خير للمسلم من ظهرها .

والله أحياناً أقول : ما من أُمنية للمؤمن المستقيم إلا أن يموت على الإيمان ، وانتهى الأمر ، ليس هناك خبر سار للمسلمين ، عندئذٍ بطن الأرض خير من ظهرها ، وقمم الجبال خير من السهول ، ومخالطة الوحوش أسلم من مخالطة البشر ، أن تخالط الوحش في الغابة أسلم من أن تخالط البشر .

أيها الإخوة ، (( وإذا كانت أمراؤكم شراركم ، وأغنياؤكم بخلاءكم ، وأموركم إلى نسائكم  فبطن الأرض خير لكم من ظهرها )) .

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ] .

(( إذا كانت أمراؤكم خياركم ، وأغنياؤكم سمحاءكم ، وأموركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها  )) .

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ] .

لكن الأجر في هذه الأيام مضاعف ، لذلك :

( سورة الكهف الآية : 16 ) .

ما الكهف ؟ بيتك ومسجدك ، الآن سلامة الرجل من الفتن أن يلجأ إلى بيته ، وأن يلجأ إلى مسجده ، والحياة يا إخوان كالمسرحية ، فيها خشبة مسرح ، وفيها أماكن للمشاهدين ، فالإنسان المستقيم له مكان مع المشاهدين ، يرى ويسمع ، وعش رجباً ترى عجباً ، وإن لم يكن مستقيماً جُر إلى خشبة المسرح ، وأصبح قصة للآخرين ، وقد قال الله تعالى :

( سورة المؤمنون الآية : 44 ) .

 

      و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi