English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس رمضان لعام 2005 م – 1426 هـ - فجر الجمعة 11 رمضان : الفوائد لابن القيم الجوزية : فرغ خاطرك من الهم بما أمرت به ولا تشغله بما ضمن لك ....... ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

Text Box:   ما ضمنه الله لك و ما طلبه منك:

   أيها الإخوة الكرام ، من حِكم ابن القيم رحمه الله تعالى : " فرغ خاطرك من الهم بما أمرت به ولا تشغله بما ضمن لك " .

   يعني أن اهتمامك وتفكيرك وجهدك وسعيك لتكن هذه جميعاً بما أُمِرتَ به من معرفة الله ، وعبادته ، والعمل الصالح ، " ولا تشغله بما ضمن لك ، فإن الرزق والأجل قرينان مضمونان " ، فما دام الأجل باقياً كان الرزق آتياً .

Text Box:   مثال على ما ضمنه الله لك و ما طلبه منك :

   القضية خطيرة جداً ، معظم الناس مشغولون أشد الانشغال ، بل يقعون في المعاصي والآثام من أجل شيء ضمن لهم ، وينسون ، ويغفلون عن علة وجودهم في الدنيا ، وعن غاية وجودهم ، وقد ذكرت في لقاء سابق أن طالباً في مدرسة داخلية مكلف بشيء واحد ، هو أن يدرس ، له قاعة مطالعة ، فيها مكتبة عامرة ، فيها جو هادئ ، فيها تكييف ، فيها إضاءة جيدة ، وهناك وجبات غذائية من أعلى مستوى تقدم في الأوقات الدقيقة ، هو ترك مهمته الأساسية وهي الدراسة ، وتفقد المطبخ من حين لآخر ، وسأل عن جاهزية الطعام ، وعن نوع الطعام ، وعن مكونات الطعام ، ومتى سيقدم الطعام ، وما الكمية التي سيقدم بها الطعام ؟ هذا طالب أحمق ، انشغل بما ضمن له ، وترك ما كلف به .

Text Box:   ماكلفنا الله به:

فأنت في الدنيا مكلف بعبادة الله ، مكلف بمعرفته ، مكلف بطاعته ، مكلف بالعمل الصالح ، والدنيا ضمنت له ، لكن أنت تريد ، وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما تريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد .

Text Box:    مثال على ما ضمنه الله لك:

أيها الإخوة الكرام ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، فتأمل حال الجنين ، يأتيه غذاؤه وهو الدم من طريق واحدة هي السرة ، علاقته بالغذاء من طريق واحدة هي السرة ، فإذا خرج من بطن أمه ، وانقطعت تلك الطريق فتح له طريقان اثنان ، وأجرى الله له فيهما رزقاً أطيب وألذ من الأول ، لبناً خالصاً سائغاً ، قطعت السرة ، وجاء الثديان ، فإذا تمت مدة الرضاع ، وانقطعت الطريقان بالفطام فتح الله له طرقاً أربعة أكمل منها ، طعامان وشرابان ، فالطعامان من الحيوان ، والنبات والشرابان الماء واللبن ، وما يضاف إليهما من المنافع والملاذ ، فإذا مات ، وانقطعت عنه هذه الطرق الأربع فتح الله له سبحانه وتعالى إن كان سعيداً طرقاً ثمانية هي أبواب الجنة الثمانية ، من طريق واحد إلى طريقين ، إلى أربعة إلى ثمانية .

Text Box:   جزاء التسليم فيما أراد الله:

أيها الإخوة الكرام ، هناك حديث قدسي لا تستطيع إذا قرأته إلا أن يقشعر جلدك ،

(( وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ )) .

[البخاري]

أعد الله لك بعد الموت حياةً لا توصف ، قال تعالى :

[ سورة آل عمران : الآية 169]

بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، ] عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [ .

قال تعالى :

[ سورة يس : الآية 26]

لذلك المؤمن حينما يأتيه ملك الموت يأتيه بأحب الأشخاص إليه ، فإذا رأى مكانه في الجنة يقول : لم أر شراً قط ، ينسى كل ما سيق له من مصائب ،

Text Box:   جزاء عدم التسليم فيما أراد الله:

 وأما الكافر إذا رأى مكانه في النار يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا ، ويقول : لم أر خيراً قط ، قد يكون في دنياه غارقاً في الملذات والنعم ، لذلك في بعض الأحاديث الشريفة :

(( ألا يا رُبّ نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة ، ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ، ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكره )) .

[الجامع الصغير بسند ضعيف]

Text Box:    الدنيا طريق للأخرة:

والبطولة لمن يضحك آخراً ، يولد الإنسان وكل من حوله يضحك ، وهو يبكي وحده ، فإذا وافاه الأجل كل من حوله يبكي ، فإذا كان بطلاً يضحك وحده ، أحياناً إنسان تكون تنتظره سعادة لا توصف إذا أمضى حياته في طاعة الله ، وفي القرب من الله ، وفي خدمة الخلق ، وأنا أقول لكم أيها الإخوة الكرام ، وأعدت هذا القول مرات ومرات : إن لم تكن طرفاً في مؤامرة قذرة هدفها إفقار المسلمين ، أو إضلالهم ، أو إفسادهم أو إذلالهم أو إبادتهم فأنت من سعداء الدنيا والآخرة ، إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً ، وإذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون غنياً ، لأن خيارات القوي والغني في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى ، أما إذا كان طريق القوة سالكاً على حساب دينك وقيمك فالضعف وسام شرف لك ، وإذا كان طريق الغنى سالكاً على حساب مبادئك ودينك وقيمك فالفقر وسام شرف لك ، العبرة أن يأتي الموت وأنت عابد لله ، مطبق لأمره ، ثابت على مبادئك وقيمك .

Text Box:   حقيقة الدنيا:

أيها الإخوة الكرام ، الرب سبحانه وتعالى لا يمنع عبده المؤمن شيئاً من الدنيا إلا ويؤتيه أفضل منه ، وأنفع له ، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي ، فما من شيء يأخذه الله منك إلا يعوضك خير منه في دينك ودنياك ، لذلك ورد في بعض الأحاديث القدسية الصحيحة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ :

 (( يَا ابْنَ آدَمَ ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي ، قَالَ : يَا رَبِّ ، كَيْفَ أَعُودُكَ ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ، يَا ابْنَ آدَمَ ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي ، قَالَ : يَا رَبِّ ، وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ؟ يَا ابْنَ آدَمَ ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي ، قَالَ : يَا رَبِّ ، كَيْفَ أَسْقِيكَ ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ : اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي )) .

[مسلم]

أي أن الله حينما يأخذ من المؤمن بعض صحته يعطيه أضعافاً مضاعفة من القرب .

Text Box:   معنى العطاء و المنع:

ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك ، وإذا كشف لك الحكمة في المنع انقلب المنع عين العطاء ، وإذا كنت في العناية المشددة ، ويضيق عليك ، وتحاسب على كل كلمة ، وكل نظرة فاعلم أنك من المقربين ، وأنك في العناية المشددة ، وإذا كنت في أعلى درجات القوة والدنيا بين يديك ، ولم يكن الله راض عنك فهذا أكبر عقاب يناله الإنسان من الله ، قال تعالى :

[ سورة الأنعام : الآية 44]

لا يمنع عبده المؤمن شيئاً من الدنيا إلا ويؤتيه أفضل منه ، وأنفع له ،

 (( وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ )) .

[البخاري]

لذلك من حكمة الله عز وجل أنه قد يصيب الإنسان في خريف عمره متاعب كثيرة ، هذه المتاعب لها هدف تربوي ، أن ينزع من قلبه حب الدنيا ، وأن يتعلق بالآخرة ، الله عز وجل  يمنع عبده المؤمن الحظ الأدنى الخفيف ، ولا يرضى له إلا بالحظ الأعلى النفيس ، يمنعه الحظ الأدنى الخسيس ، ويعطيه الحظ الأعلى النفيس ، كطفل يلهو بالرمل ، يؤخذ منه الرمل ، ويعطى له اللؤلؤ ، وفرق كبير بين الرمل واللؤلؤ ، لكن العبد لجهله بمصالح نفسه ، وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه لا يعرف التفاوت بين ما منع منه وما ادخر له ، لذلك ورد في بعض الكتب أن إنساناً يحب أكلة نفيسة ، فإذا قال له الطبيب : هذه الأكلة ينبغي أن تمتنع عن تناولها ، يا نفس ، لو منعتِ من أكلة تحبينها من قِبل طبيب لا شك أنك تمتنعين عنها ، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله ؟ إذا منعك الله عز وجل من شيء ، وحرم عليك شيء ، وأنت لا تعبأ ، وتقترف هذا الشيء ، ويأتي طبيب يحمل شهادة عالية ، يقول لك : إياك والملح ، إياك والمواد الدسمة ، إياك وهذه الأكلة ، فإنها قاتلة ، تمتنع فجأة ، أيكون الطبيب أصدق عندكِ من الله ؟ إذاً ما أكفركِ ، أن تخشى إنساناً ، ولا تخشى خالقاً ، أنت تثق بتوجيه إنسان ، ولا تثق بتوجيه خالق الأكوان ، إذاً ما أكفرك ، أيكون وعد الطبيب أشد عندك من وعيد الله ؟ إذاً ما أجهلكِ ، فالذي يعصي الله يدمغ بالجهل وبالكفر .

Text Box:   جهل الإنسان:

والعبد لجهله بمصالح نفسه ، وجهله بكرم ربه ، وحكمته ولطفه لا يعرف التفاوت بين ما منع منه وما ادخر له ، أحياناً ملِك يطلب من معلم أن يعلم ابنه ، الملك في ذهنه أن يعطي هذا المعلم بيتًا كبيرًا ، ومركبة فارهة ، ملك كل شيء في ملكه ، هذا المعلم أُفُقه ضيق جداً ، طالب الابن بالأجرة ، قال : كم تريد على الدرس ؟ قال : ألف ليرة ، قال : هذه ألف ، ملك سيعطيه بيتاً ومركبةً ، وهذا الإنسان طلب أجرة ، فلما يعمل الإنسان عملاً صالحاً ، ويطلب عليه أجراً يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ، فهذا العبد جهل ما أعد الله له ، وطمع في الدنيا ، بل هو مولع بحب العاجل ، وإن كان دنيئاً ، وبقلّة الرغبة في الآجل ، ولو كان علياً ، الآية الكريمة :

[ سورة الإنسان : الآية 27]

احتقاراً لهم :

[ سورة الإنسان : الآية 27]

ولو أنصف العبد ربه ، وأنى له بذلك لعلم أن فضله عليه فيما منعه منه في الدنيا ، لعلم أن فضل الله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها ونعيمها أعظم من فضله عليه فيما آتاه منها ، كلام دقيق ، فضل الله علينا فيما منعنا من الدنيا أكبر بكثير من فضل الله علينا فيما أعطينا ، قد تعطى الدنيا ، وتكون سبب الهلاك ، لذلك الله عز وجل  يعطي الدنيا لمن يحب ، ولمن لا يحب ، هل كان يحب فرعون ؟ آتاه الملك ، هل كان يحب قارون ؟ آتاه المال ، والملك آتاه أيضاً سيدنا سليمان ، وآتى المال سيدنا عثمان ، هذه الدنيا ليست مقياساً ، لا تكريماً ولا عقاباً ، وما منعه إلا ليعطيه ، ولا ابتلاه إلا ليعافيه ، وما امتحنه إلا ليصافيه ، ولا أماته إلا ليحييه ، ولا أخرجه من هذه الدار إلى دار أخرى إلا ليتأهب منها للقدوم عليه ، وليسلك الطريق الموصلة إليه :

[ سورة الفرقان : الآية 62]

 

أيها الإخوة الكرام ، من عرف نفسه اشتغل بإصلاحها عن عيوب الناس ، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ )) .

[الترمذي]

Text Box:   يجب علينا معرفة حقيقة الحياة:

هذه قضايا أيها الإخوة الكرام  خطيرة جداً في حياتنا ، يجب أن نعرفها ، لأننا إذا عرفناها جاءت حركتنا في الحياة صحيحة ، أحياناً تكشف لك الحقيقة فينعكس المقياس ، كراكب دراجة ، وأمام طريقين ، طريق نازل رائع معبد محفوف بالأشجار ، وطريق صاعد ترابي فيه أكمات عقبات ، وفيه صخور ، كل معطيات الواقع تدعوك إلى الطريق النازل ، المنطق والذكاء ، والوضع والبيئة ، والواقع والمعطيات كلها مع الطريق النازل ، لوحة صغيرة يشار فيها إلى أن هذا الطريق النازلة تنتهي بحفرة مالها من قرار ، فيها وحوش كاسرة ، وجائعة ، وأن الطريق الصاعد تنتهي بقصر منيف ، فيه ما لذ وطاب ، هذه اللوحة الصغيرة ألا تعكس القرار ؟ تعكسه مئة في المئة ، فالإنسان حينما يعرف الحقيقة يسلك الطريق الذي يراه الناس غير سليم ، لذلك قالوا : إن لم تتهم بالجنون من المجانين فلست مؤمناً ، والمجنون من عصى الله .

 

و الحمد لله رب العالمين

Text Box:  

Copyright © 2007 Nabulsi