English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس رمضان لعام 2005 م – 1426 هـ - فجر الأربعاء 16 رمضان : الفوائد لابن القيم الجوزية : مصالح النفوس في مكروهاتها ومضارها وأسباب هلكتها في محبوبتها ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

Text Box:  

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أيها الإخوة ، مع فائدة جديدة من فوائد ابن القيم رحمه الله تعالى .

يقول :

" مصالح النفوس في مكروهاتها ، ومضارها وأسباب هلكتها في محبوباتها "

Text Box:  حاجات الجسد وحاجات النفس:

 

 

 


 

الحب هو الميل ، فلحكمة أرادها الله جعل حاجات الجسد محببة ، وجعل منهجه العظيم متوافقًا مع فطرة النفس ، فهناك حاجات للجسد ، وهناك فطرة للنفس ، ولحكمة بالغةٍ بالغة أراد الله أن تكون حاجات الجسد إلى حد ما متناقضة مع حاجات النفس ،

Text Box:  الفرق بين حاجات الجسد وحاجات النفس ثمن الجنة:

 

 

 


 

 وهذا التناقض بين حاجات الجسد وحاجات النفس هو ثمن الجنة ، كيف ؟

طبْعُك يأمرك أن تنام ، والجسم يحب النوم المديد ، والنفس مكلفة أن تعبد الله ، ومكلفة أن تستيقظ ، وقد ينهض الإنسان من فراشه بصعوبة ، والجسم يروق له أن يملأ عينيه من محاسن النساء ، والنفس حينما توافق هذا الجسم تحجب عن الله ، لذلك حينما تغض البصر عن محاسن النساء ترتاح النفس ، وترقى إلى الله ، فإطلاق البصر وغض البصر متناقضان ، أحدهما تابع للجسد ، الثاني تابع للنفس.

النفس أُمِرت أن تنفق المال ، وطبْع الإنسان يقتضي أن يأخذ المال ، هذا تناقض آخر .

الإنسان يرغب في الخوض في فضائح الناس ، والتكليف يأمره أن يكف لسانه عن مشكلات الناس .


Text Box:  الميل الحسي و الميل العقلي:

 

يبدو من هذه المقدمة أن هناك ميلاً حسياً ، وأن هناك ميلاً عقلياً ، هذا الشيء توضح لي مرةً ، أن طبيبًا جراح قلب قدم له طعام نفيس جداً ، لكن دهونه كثيرة ، فأبى ، ثم قال : أنا أحب هذا الطعام حباً جمًّا ، ولكن عملي في جراحة القلب ، فكم أجد من شرايين قد سُدت من قِبل هذا الطعام ، فلذلك يكره هذا الطعام كراهية عقلية .

 

Text Box:  ثمن الجنة هو إتباع الميل العقلي:

 

الآن نحن كمسلمين المعاصي محببة ، شئنا أم أبينا ، لكن الذي ذاق طعم القرب من الله يؤثر طاعة الله على حاجات الجسد فيرقى ، هذا ثمن الجنة ، لذلك الإنسان البعيد عن الله يحب بحواسه ، ويكره بحواسه ، ينساق مع هوى نفسه ، ولكن المؤمن يحب بعقله ، ويكره بعقله ، ويستجيب لنداء فطرته فيرقى ، فالقضية في النهاية أن هناك حاجات للجسم ، وهناك حاجات للنفس ، الجسم فانٍ ، والنفس خالدة إلى أبد الآبدين ، كلما كان التعامل مع ميلك العقلي كنت أرقى ، وعندما يكون التعامل مع ميلك الحسي اقترب الإنسان من مستوى البهيمة  ، البهيمة تتحرك بحواسها فقط ، بينما الإنسان يتحرك بقيمه ، ويتحرك أيضاً بمبادئه ، لذلك مصالح النفوس في مكروهاتها .

 

Text Box:  ثمن النجاح في الدنيا هو إتباع الميل العقلي:

 

دعك من الآخرة ، تعال إلى الدنيا ، هذا الذي ارتقى في سلم اجتماعي ، ونال شهادة كبيرة جداً عالية ونادرة ، وله دخلٌ فلكي ، هل وصل إلى هذا الشيء مع راحة الجسم ؟ لا  ، بل بذل جهدًا كبيرًا جداً ، كم استيقظ في منتصف الليل ليقرأ ، كم ألغى لقاءات ونزهاتٍ كثيرة جداً ليدرس ، فهذه الثمرة اليانعة التي قطفها في الأربعين ثمنها دُفِع في العشرينات ، وهذا الذي مال إلى النوم ، وإلى تأجيل الإنجاز ، وإلى الراحة ، والاسترخاء ، دفع الثمن باهظاً في عقود حياته القادمة ، بلا عمل ، بلا دخل ، بلا وظيفة ، بلا شهادة ، بلا زواج .

أيها الإخوة الكرام ، بطولتك أن تحب بعقلك ، وأن تكره بعقلك ، الآن أحياناً يأكل الإنسان أكلا مناسبًا ، يتمتع بصحة ، يتمتع بلياقة بدنية عالية جداً ، يتمتع بشكل مقبول ، يتمتع بأناقة في اللباس ، هذا مقابل ترك الطعام الطيب ، فإذا انساق مع هوى نفسه ، وأكل ما يشتهي عانى من متاعب في قلبه ، وفي ضغطه ، وفي شرايينه ، فهذه القضية واضحة جداً ، فإما أن تحب بعقله ، وإما أن تحب بحسك ، وكلما تدنى مستوى الإنسان ، واقترب من مستوى البهيمية يحب بحواسه ، ويكره بحواسه ، وكلما ارتقى الإنسان إلى مستوى إنسانيته التي أرادها الله له يحب بعقله ، ويكره بعقله .

بالمناسبة أيها الإخوة ، الواقعية في الموضوع ضرورية جداً ، مرة ثانية : المعاصي محببة ، من ذاق طعم القرب من الله ضحى بهذه اللذائذ الطارئة الآنية المحدودة من أجل قرب من الله مستمر ، لذلك قيل : ألا يا رُبَّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا عارية جائعة يوم القيامة ، وبالعكس ، ألا يا رُبّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ، ألا يا رُبّ مهين لنفسه ، وهو لها مكرم ، ألا يا رُبَّ مكرم لنفسه وهو لها مهين .

أعظم ما في الإنسان عقله ، وعقله هو الذي كلِّف أن يختار بين البدائل ، أنت مخير ، وممد بقوة من الله عز وجل ، وعندك بدائل ، فحينما يهديك إلى الشيء الذي يرضي الله تكون أعقل العقلاء ، وحينما يهديك عقلك إلى الشيء الممتع الحسي تكون أجهل الجهلاء ، الدليل :

( سورة يوسف ) .

جهل ما عند الله من سعادة أبدية ، وآثر لذة طارئة ، وفي بعض الأقوال : ألا يا رُبّ شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً .

أناس كثيرون تزلّ أقدامهم إذا سافروا ، يصابون بمرض الإيدز ، هذا المرض يجر لأحدهم فضيحة في أسرته ، وعند زوجته ، وعند أولاده ، ويجلب القلق ، واليأس ، والهم ، إلى أن يموت ، واللقاء الذي زلت به قدمه ساعة ، ألا يا ربّ شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً .

أنا أعرف رجلا سافر الإنسان وفي هذه السفرة زلت قدمه ، من أجل أن يخفي مرضه الناتج عن هذا الخطأ عن زوجته وأولاده بذل جهداً فلكياً ، ثم كشف أمره ، وسقط من عين الله ، وعين أولاده ، ومن عين زوجته ، ألا يا ربّ شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً .

فاجهد أيها المسلم أن تتعامل في الحب والكراهية تعاملا عقليًّا ، واجهد أن تتوافق حركتك مع فطرتك .

Text Box:  الطبع و الفطرة و الصبغة:

Text Box:  الطبع:

عندنا طبع متعلق بالجسد ، وعندنا فطرة ، وعندنا صبغة

Text Box:  الفطرة:

الفطرة بين الطبع وبين الصبغة ، الفطرة ليس معناها أنك خير ، ولكنك تحب الخير ، الفطرة ليس معناها أنك منصف ، ولكن تحب الإنصاف ، الفطرة ميل النفس إلى الكمال ، وقد لا تكون كاملة ، إلا أنها تميل إلى الكمال ، الدليل : لو أن عصابة سرقت بيتاً كيف يقتسمون هذه السرقة ، بالعدل ، يقول له : اعدل ، أنت كل عملك ما فيه عدل ، يقول له : اعدل ، لأن الإنسان ولو كان منحرفًا ، ولو كان مجرمًا يميل إلى الكمال ، هذا الميل الذي فطره الله عليه هو الذي يعذبه إذا أخطأ ، لو أن الإنسان لم يفطر هذه الفطرة لم يعذب أبداً .

مثلاً أقرب من ذلك : أنت مفطور على حب الروائح الطيبة ، وتكره كراهية لا حدود لها الروائح الخبيثة ، بينما الخنزير يتلذذ بأكل الجيف ، وكأنها أنفس طعام ، معنى ذلك أن ثمة حقيقة خطيرة ، أنت مبرمج على الكمال ، مولّف ومفطور ومجبول عليه ، فإذا أخطأت نفسك وحدها تعذبك ، وهذه هي الكآبة ، وأكبر مرض نفسي الآن في العالم هو الكآبة ، لأنك شئت أم أبيت ، علمت أم جهلت أنت مبرمج وفق منهج الله ، فإذا خالفته وأنت تجهل منهج الله ، لكن نفسك مجبولة عليه تصاب بالكآبة ، التي هي عقاب ذاتي للإنسان .

إذاً الفطرة ليس معناها أنك كامل ، لكنك تحب الكمال ،

Text Box:  الصبغة:

 أما حينما تنعقد الصلة مع الله عز وجل تدخل في الصبغة ، فتصطبغ بالكمال لإلهي .

( سورة البقرة الآية : 138 ) .

فبين الطبع والفطرة والصبغة ، للصبغة صفات أصيلة ثابتة عميقة لا يمكن أن تزول ، فالكريم كريم ، لكن الذي نراه في العالم أن الذكي أحياناً ببراعة فائقة يمثّل ، ويبدو لك أنه أخلاقيّ ، مادامت مصالحه متوافقة مع هذا السلوك الذكي فهو أخلاقي ، أما إذا هددت مصالحه فلا بد من أن ينقلب إلى وحش كاسر ، وهذا نراه رأي العين ، واضحاً جلياً عقب أحداث أيلول ، هذه الحضارة ، وهذا الرقي ، وحقوق الإنسان والديمقراطية ، والعدالة ، وتكافؤ الفرص ، والعولمة ، هذه القيم الرائعة التي طرحت من قِبل الغرب تنكر لها أيّما تنكر ، وسقط كحضارة ، وبقي كقوة غاشمة .

عندنا استثناء ، يمكن للذكي أن يسلك سلوك الأخلاقي ما دامت مصالحه متوافقة مع هذا السلوك ، أما إذا هددت مصالحه انقلب إلى وحش كاسر .

الطبع يقتضي النوم ، ويقتضي الفردية ، وأن تستمتع بالحياة وحدك ، ولا تعبأ بأحد   ، ويقتضي النظر إلى النساء ، ويقتضي أن تخوض في فضائح الناس ، ويقتضي أن تنام ، أما التكليف فمعاكس للطبع :

( سورة النازعات )

Text Box:  ثمن الجنة هو التناقض بين الطبع والتكليف:

ثمن الجنة هو التناقض بين الطبع والتكليف ، التكليف ذو كلفة ، متعب ، هناك ممنوعات ، ومحرمات ، ومنهيات ، ومكروهات ، لكن الصبغة هي قمة الكمال البشري  ، حينما تتصل بالله عز وجل تصطبغ النفس بكمال الله ، هذا الكمال غير الكمال الناتج عن سلوك ذكي ، هذا الكمال أصيل لا يتبدل ، لا بتحقيق مصالحك ، ولا بتعطل مصالحك ، ولا بإقبال الدنيا ، ولا بإدبارها ، ولا بالغنى ، ولا بالفقر ، ولا بالشباب ، ولا بالكهولة ، لذلك قالوا : ـ دققوا في هذه الكلمة ـ من أبرز علامات الإخلاص ألا تتأثر لا بمديح الناس ، ولا بذمهم عملك هُو هو ، وما دام العمل يتأثر ، ويتبدل ، ويتغير عقب الذنب والنكران فأنت لست مخلصاً ، ومادام العمل لا يتأثر إطلاقاً لا بمديح الناس ولا بذمهم ، ولا بإقبال الدنيا ولا بإدبارها ، فهذه من علامات الإخلاص .

العمل لا يزيد أمام الناس ، ولا ينقص وحدك في خلوتك ، هذه علامة ثانية من علامات الإخلاص ، المخلص عمله هو هوَ ، لا يزيد في جلوته ، ولا ينقص في خلوته ، والمؤمن الذي اتصل بالله عز وجل عمله هُو هو ، لا يزيد بالمدح ، ولا ينقص بالذم ، فمن عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به .

أيها الإخوة ، قضية أن تفكر قبل أن تتحرك قضية مهمة جداً ، لأن ساعة الندم لمن عصى الله آتية ، وآتية لا محالة .

( سورة ق ) .

الحقائق التي جاء بها الأنبياء تكسف لكل إنسان يلاقي ربه ، مسلمًا كان أو غير مسلم ، وثنيًا أو ملحدًا ، عابد صنم أو بوذيًّا ، سيخيًّا أو هندوسيًّا ، أي إنسان حينما يأتيه الموت يرى الحقائق ، ولكن بعد فوات الأوان ، وعلى قمة هذه القصص فرعون ، حينما أدركه الغرق قال :

( سورة يونس ) .

 Text Box:  امتحن نفسك بماذا تُحب:

إذاً امتحن نفسك ، هل تحب بعقلك ، أم تحب بحواسك ؟ إن أحببت بحواسك فهذا مستوى متدَنٍ جداً يقترب من البهيمية ، أما إن أحببت بعقلك فإذاً تحب الطاعات ، تحب إقامة الصلوات ، تحب إيتاء الزكاة ، تحب الصيام ، تحب غض البصر ، تحب ضبط اللسان ، تحب فعل الخير ، تحب العطاء ، أما إذا عطلت عقلك تحب الراحة ، تحب أن تأكل وحدك ، أن تستمتع بالحياة وحدك ، وهذا دليل البعد عن الله .

Text Box:  جنة الدنيا القرب من الله:

أيها الإخوة الكرام ، تعليق صغير : من ظفر بهذه المعرفة سكن في الدنيا قبل الآخرة ، في جنة لا يشبه نعيمها إلا نعيم جنة الآخرة ، فإنه لا يزال راضياً عن ربه ، والرضا جنة الدنيا ، أن ترضى عن الله هي جنة الدنيا ، دائماً الكافر ساخط على الله ، دائماً يشكو ، بينما المؤمن تعظم عند النعمة مهما دقت .

فلذلك أيها الإخوة ، جنة الدنيا في القرب من الله ، والقرب من الله في الرضا عن الله ، والرضا عن الله يتأتى من أنك تحب بعقلك ، وتكره بعقلك .

 

و الحمد لله رب العالمين

Text Box:  

 

 

 

 

Copyright © 2007 Nabulsi