English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس رمضان لعام 2005 م – 1426 هـ - فجر الخميس 17 رمضان : الفوائد لابن القيم الجوزية : " ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مفطرون... " ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أيها الإخوة الكرام ، أورد ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الفوائد بعضاً من حكم ابن مسعود رضي الله عنه .

حياة المؤمن

Text Box:  

الحكمة الأولى : " ينبغي لحامل القرآن أن يُعرَف بليله إذا الناس نائمون ، وبنهاره إذا الناس مفطرون ، وبحزنه إذا الناس يفرحون ، وببكائه إذا الناس يضحكون ، وبصمته إذا الناس يخوضون ، وبخشوعه إذا الناس يغتالون ، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكياً حكيماً ، حليماً سكيناً ، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافياً ولا غافلاً ، ولا صياحاً ولا حديداً " .

Text Box:  تميز المؤمن ليس فقط بعبادته

تلك الحكمة المتعددة منطلق لحقيقة كبيرة في حياة المؤمن ، فما لم يكن المؤمن متميزاً على من حوله في استقامته ، في حديثه ، في علاقاته ، في أمانته ، في صدقه ، في عفته ، في وفائه ، في رحمته ، في إنصافه ، فلن يكون مؤمناً كما أراده الله عز وجل ، ولن يستطيع المجتمع أن ينمو في ظل مؤمن لا يميزه عمن حوله إلا عباداته ، هذه لا تكفي ، الناس لا يشدون إليك بعباداتك ، يشدون إليك بمعاملاتك ، لا يشد الناس إلى الدين إن رأوا إنساناً يصلي ، ولكنهم يشدون إلى الدين إن رأوا إنساناً وفياً صادقاً ، عفيفاً مستقيماً ، وقافاً عند كتاب الله ، كيف يقول الله عز وجل :

[ سورة النصر : الآية 2]

وأي إنسان له مظهر ديني ، أو يؤدي عبادات ، ويكذب ، ويحتال ، ولا ينجز الوعد ، ولا يتقن عمله ، ولا يكون منضبطاً في مواعيده ، هذا يجعل الناس يخرجون من دين الله أفواجاً .

المشكلة أيها الإخوة الكرام ، أن أوسع شريحة في المجتمع لا تعرف الإسلام من مرجعياته ، ولكنها تعرف الإسلام من سلوك المسلمين فقط ، معظم العالم اليوم حينما يرى المسلم مقصراً متخلفاً فقيراً ، لا يتقن عمله ، يقدم تصريحاً كاذباً ليحتال ، مثل هذا المسلم يحمل الناس على أن يخرجوا من دين الله أفواجاً ، مسلم آخر يشد الناس بصدقه ، بأمانته ، بعفته ، بورعه ، بإتقانه لعمله ، هذا الذي شد الناس إلى الدين .

Text Box:  المؤمن وهو صامت أكبر داعية إلى الله فكيف إذا تكلم ؟

جعلت من هذه الحكمة منطلقاً ، الفرق بين المؤمن وغير المؤمن ليس فرق عبادات شعائرية تؤدى ، ولكنها فرق معاملات صارخة كاملة تظهر ، لذلك قالوا كلمة رائعة : المؤمن وهو صامت أكبر داعية إلى الله ، وهو صامت ، فكيف إذا تكلم ؟ لا يمكن أن يغش الناس ، لا يمكن أن يكذب ، لا يمكن أن يقسو ، لا يمكن أن يحتال ، لا يمكن أن يتجاوز حده ، لا يمكن أن يستعلي ، لا يمكن أن يتكبر .

فلذلك أيها الإخوة الكرام ، وأنت صامت يمكن أن تكون أكبر داعية إلى الله ، لأن صدقك دعوة ، ولأن أمانتك دعوة ، ولأن عفتك دعوة ، ولأن إنصافك دعوة ، ولأن رحمتك دعوة ، ولأن إنجاز وعدك دعوة ، ولأن وفاءً بعهدك دعوة ، فإن أردتم لدوائر الإسلام أن تتنامى فطبقوا منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخلاقي ، لأن الله عز وجل منحه القرآن الكريم  ، ومنحه الوحي ، ومنحه المعجزات ، ومنحه طلاقة اللسان ، ومنحه كل الخصائص التي تعين على الدعوة ، قال تعالى :

[ سورة الأعلى : الآية 6]

أما حينما أثنى الله عليه أثنى عليه بخلقه ، قال تعالى :

[ سورة القلم : الآية 4]

فعلُ الأنبياء بالمجتمعات فعلٌ لا يصدق ، وقوة تأثيرهم تفوق حد الخيال ، هم بشر ، وتجري عليهم كل خصائص البشر ، لكن الذين حولهم رأوا العفة ، رأوا السمو ، رأوا الرفعة ، رأوا التواضع ، رأوا الزهد ، فلذلك إن أردنا لدوائر الدين أن تتنامى ، ولدوائر الباطل أن تضيق فلنكن على منهج النبي الأخلاقي .

Text Box:   كيف يكون المؤمن فتنة للكافر ؟

أيها الإخوة الكرام ، ما من آية تحضرني في هذا الموضوع الدقيق والخطير كقوله تعالى :

[ سورة الممتحنة : الآية 5]

كيف يكون المؤمن فتنة للكافر ؟ المؤمن إذا قصر في أداء واجباته ، أو إذا احتال ، أو إذا أدى تصريحاً كاذباً ، أو إذا أخلف وعده ، أو إذا لم يفِ بعهده ، أو إذا قسا في معاملاته ، الكافر يعتد بكفره ، ويرى أن كفره هو الصواب ، من الذي أقنع الكافر بكفره ؟ المؤمن حينما رفع شعار الإسلام ، وسلك سلوك المنحرفين ، لذلك إن أردت لمبدأ أن تحطمه ، أن تنهيه فارفع أفكاره ، وأعلنها ، وتحرك بخلاف هذه الأفكار ، وما من مذهب تعلن مبادئه ، وتخالف هذه المبادئ في السلوك إلا ويسقط ، ما الذي صرف الناس عن الغرب بعد الحادي عشر من أيلول ؟ أن كل القيم التي جاء بها الغرب ، ونشرها في العالم في سلوكه اليومي في بلاد وصل إليها ، كان هذا السلوك مناقضاً لكل قيمه التي طرحها فسقط ، وما من شيء يخالف أتباعه مبادئه إلا يسقط هذا المبدأ .

Text Box:  كيف يقوى الإسلام؟

 الآن الإسلام لا يقوى بإلقاء الخطب ، ولا بإلقاء الدروس ، ولا بتأليف الكتب ، ولا بعقد المؤتمرات ، الإسلام لا يقوى الآن أن يرى الناس مسلماً متحركاً ، أن يروا صدقاً أمامهم ، أن يروا ورعاً أمامهم ، أن يروا عفة أمامهم ، أن يروا وفاء عهد أمامهم ، هذا الذي يقوي الإسلام ، فلذلك : " ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون ، وبنهاره إذا الناس مفطرون ، وبحزنه إذا الناس يفرحون ، وببكائه إذا الناس يضحكون ، وبصمته إذا الناس يخوضون ، وبخشوعه إذا الناس يغتالون ، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكياً حكيماً ، حليماً سكيناً ، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافياً ، ولا غافلاً ، ولا صياحاً " .

أيها الإخوة الكرام ، هذه حكمة ، وأنت قد لا تملك طلاقة لسان ، ولا تملك علماً غزيراً تلفت به النظر ، ألا تملك خُلقاً قويماً ؟ هذا الخلق القويم وحده يدخل الناس في دين الله أفواجا ، وأنا ـ والله ـ أعلم أن أناساً كثيرين تابوا إلى الله ، ورجعوا إليه بسبب موقف يلفت النظر من مؤمن ، فقد يكون المؤمن داعية وهو صامت ، فكيف إذا كان داعية وهو ناطق ؟ وبين أن يكون المسلم الذي تربى في بلد إسلامي منفراً وهو صامت ، فكيف يكون منفراً وهو يتهجم على الدين ؟

Text Box:  المسلم متحرك ؟

نحن الآن أيها الإخوة الكرام في أمسّ الحاجة إلى مسلم متحرك ، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام من أدق أوصافه أنه قرآن يمشي ، فالمسلم مسلم يمشي ، هذه واحدة .

Text Box:   عدم تعظيم المرشدين مع عدم تطبيق منهجهم :

الشيء الثاني : يوجد حكمة ذكّرتني بقول عالم جليل من كبار العلماء ، إنه عبد الله بن المبارك ، دخل إلى مسجده ، فرأى أناساً كثيرين ، وقد التفوا حوله ، فقال هذا الدعاء ، و الدعاء منهج ، قال : " يا رب ، لا تحجبني عنك بهم ، ولا تحجبهم عنك بي " ، كيف ؟ الإنسان أحياناً يقوى بمن حوله على حساب قربه من ربه ، والإنسان أحياناً يهتم اهتماماً بالغاً لانتزاع رضا إنسان ، وينسى طاعة الرحمن ، فقد يكون التابع مفتوناً ، وقد يكون المتبوع مفتوناً ، فلذلك ابن مسعود خرج ذات يوم فاتبعه أناس ، فقال لهم : " ألكم حاجة ؟ قالوا : لا ، و لكن أردنا أن نمشي معك ، فقال : ارجعوا ، فإنه ذلة للتابع ، وفتنة للمتبوع " ، ارجعوا .

قد يكون لك مرشد ، لك داعية ، لك شيخ ، لك مرجع ، أنا أرى أن تطبيق منهج الله عز وجل هو الشيء الوحيد الذي يرضيه ، أما تعظيمه من دون اتباع منهجه فهذا لا يرضيه ، و لا يرضي الله عز وجل .

فالإنسان يكون بأعلى درجات الوفاء لشيخه إذا طبق منهجه ، يكون بأعلى درجات عدم الوفاء إذا بالغ بتعظيم شيخه ، وبالغ بمخالفة منهجه ، والمديح لا يكلف شيئاً ، لكن الذي ينهض بهذا الدين التطبيق ، فأنت تكون وفياً لمن كان سبب هدايتك ، تكون بأعلى درجات الوفاء إذا طبقت هذا المنهج ، وانتفعت به ، وانتفعت به أسرتك ، وتكون بأعلى درجات عدم الوفاء حينما تمدح ولا تطبق .

Text Box:   الغنى:

يوجد نقطة ثالثة ، يا ترى هل ينبغي أن أكون غنياً ، أو أن أكون قوياً ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ... )) .

[ مسلم ، ابن ماجه ، أحمد ]

فلي كلمة ، وهي أنه إذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله فينبغي أن تكون غنياً ، لماذا ؟ لأن الفرص المتاحة للغني في العمل الصالح كثيرة جداً ، ما دمت في الدنيا من أجل العمل الصالح فالفرص المتاحة للغني ليرقى بعمله الصالح فرص لا تعد ولا تحصى.

والله أنا أغبط الأغنياء ، لأنه بإمكانهم أن يصلوا إلى أعلى درجات الجنة بمالهم ، يقيم ميتماً ، يزوج شباباً ، يؤسس بيوتاً لسكنى الشباب المؤمن ، يرعى الأيتام ، يرعى الأرامل ، يؤسس معهداً شرعياً ، يعمل مستشفى ، يعمل مستوصف ، يوزع حاجات ثمينة جداً على الفقراء ، فالغني بإمكانه أن يصل إلى أعلى مراتب الجنة بماله فقط ، مادامت الجنة بالعمل الصالح :

[ سورة النحل : الآية 32]

لذلك الغني أمامه فرص للعمل الصالح لا تعد ولا تحصى ،

الشرط الشرعي للوصول للغنى:

 ولكن بشرط أن يصل إلى الغنى وفق منهج الله بالطرق المشروعة ، أما إذا كان طريق الغنى على حساب دينه وقيمه فالفقر وسام شرف له .

Text Box:   القوة :
 

إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله عز وجل فيجب أن يكون قوياً ، لأن القوي بجرة قلم يحق حقاً ، ويبطل باطلاً ، بجرة قلم يقر معروفاً ، ويزيل منكراً ، بجرة قلم يقرب مخلصاً ، ويبعد منافقاً ، بتوقيع ، فإذا كان التوقيع يلغى به منكر ، وتوقيع يُحق به حق إذاً ينبغي أن تكون قوياً ،

الشرط الشرعي للوصول القوة:

ولكن بشرط أن يكون طريق القوة سالكاً وفق منهج الله ، أما إذا كان طريق القوة على حساب دينك وقيمك فالضعف وسام شرف لك .

 

من تطاول تعظماً حطه الله

Text Box:  

أيها الإخوة الكرام ، ومن هذه الحكم : " من تطاول تعظماً حطه الله " .

الله عز وجل عنده عذاب مهين ، وعنده عذاب أليم ، وعنده عذاب عظيم ، فلذلك : " من تطاول تعظماً حطه الله ، ومن تواضع تخشعاً رفعه الله ، وإن للملك لمة وللشيطان لمة " .

أنا أرى بحسب النصوص أن كل إنسان معه ملك ، ومعه شيطان ، المَلَك يدنو منه فيأمره بالخير ، ويعده بالخير ، والشيطان يدنو منه فيأمره بالشر ، ويعده بالشر ، وأنت مخير ، فإما أن تستجيب للشيطان ، وإما أن تستجيب للملَك ، فلا يستطيع الملك أن يجبرك ، ولا الشيطان أن يجبرك ، لكن الملك يلهمك ، والشيطان يوسوس لك ، وأنت مخير ، فإما أن تستجيب للشيطان ، وإما أن تستجيب للملك ، فلذلك : " من تطاول تعظماً حطه الله ، ومن تواضع تخشعاً رفعه الله ، وإن للملك لمة ، وللشيطان لمة ، فلمة الملك إيعاد بالخير ، وتصديق بالحق ، فإذا رأيتم ذلك فاحمدوا الله ، ولمة الشيطان إيعاد بالشر ، و تكذيب بالحق ، فإذا رأيتم ذلك فتعوذوا بالله عز وجل من الشيطان الرجيم " .

 

الحِكم

Text Box:  

أيها الإخوة الكرام ، قالوا في تعريف الحكم : إنها تجارب بشرية مكثفة جداً في كلمات قد تكون خبرة أجيال مضغوطة في كلمات ، فموضوع الحكم موضوع دقيق جداً ، ولعل هناك كتباً ألفت في الحكم ، الحكم والأمثال ، الحكم تجارب صادقة عميقة حية ، تقدم لك في كلمات معدودة ، أحياناً تقرأ قصة في ألف صفحة ، هناك قصص مغزاها خمس كلمات ، لذلك الإنسان كلما ارتقى في سلم المعرفة لا يحتاج إلى تمييع الفكرة بألف صفحة ، يأخذها مضغوطة بكلمات ، والحكمة ضالة المؤمن ، أينما وجدها التقطها ، بل إن الله عز وجل يقول :

[ سورة البقرة : الآية 269]

تجارب بشرية مضغوطة في كلمات ، لكن حكم الرحمن وكلام الرحمن هذه من عند خالق الأكوان ، هذه مطلقة في صحتها ، مطلقة في نفعها ، لذلك لو اعتمدنا الحكم التي في القرآن الكريم  ، و تتبعناها لكنا من أفضل المتعلمين لأثمن ما في هذا الدين من حكم .

 

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi