English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الموضوع : تراويح الاثنين 02 / رمضان / 1427 ـ  : صلاح الأمة في علو الهمة : الإخلاص [ 2 ] – لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد  الأمين .

Text Box: الإخلاص بشكلٍ عمليّ :

 

أيها الإخوة الكرام : مع درس جديد من دروس صلاح الأمة في علو الهمة  ، والحديث عن الإخلاص ثانية ، ولكن بشكل عملي ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة هود الآية : 120 ) .

1 – أثر القصة في الجانب العملي :

 

إنّ قلب سيد الخلق ، وحبيب الحق يزداد ثبوتاً على الإيمان بسماع قصة نبي ، لماذا القصة لها تأثير شديد ؟ .

( سورة يوسف الآية : 111 ) .

لأن القصة حقيقة مع البرهان عليها ، الحقيقة نظرية مجردة مع البرهان عليها  ، لذلك أحد أشد الأساليب التربوية تأثيراً القصة ، وأحد أشد الوسائل الهدامة في المجتمع تأثيراً القصة ، فإما أن ترقى بالإنسان ، وإما أن تسمو به ، وإما أن تجعله في أسفل السافلين .

2 – أقوال العلماء في أهمية قصص الصالحين وآثارها :

 

لذلك يقول الإمام أبو حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ : " الحكايات عن العلماء ، وعن محاسنهم أحب إلي من كثير من الفقه ، لأنها آداب القوم وأخلاقهم " .

أيها الإخوة ، قضية أن يأتي إنسان معاصر لك يتحمل الضغوط نفسها ، والإغراءات نفسها ، والصوارف نفسها ، والعقبات نفسها ، والظروف الصعبة نفسها ، ثم ينتصر على نفسه ، هذه القصة أبلغ من أي موضوع نظري ، لذلك الدعاة إلى الله ، والمعلمون ، والمرشدون يعتمدون القصة الواقعية ، لأنها تؤكد الحقائق ، والإنسان بالقصة يزداد إيماناً .

قال بعض العلماء وهو مالك بن دينار : " الحكايات تحف الجنة ، وهي خير وسيلة لإشعال العزائم ، وإثارة الروح والوثابة ، وقدح المواهب ، وإبكاء الهمم ، وتقويم الأخلاق ، والتسامي إلى معالي الأمور ، والترفع عن سفاسفها ، هي قراءة سير النبغاء الصلحاء ، والتملي من اجتلاء مناقب الصالحين والربانيين ، والاقتراب من العلماء النبهاء العاملين المجددين  ، فذلك خير مهماز لرفع الهمم ، وشد العزائم ، وسمو المقاصد ، وإنارة القلوب ، واحتلال ذرى المجد الرفيع ، واغتنام الباقيات الصالحات ، وإخلاص النيات " .

لذلك يمكن ـ أيها الأب ـ أن تقدم لأولادك قصة تسمو بهم ، ويمكن أيها المعلم أن تتحدث لطلابك بقصة تسمو بهم .

مرة جاءني اتصال من بلاد بعيدة جداً ، وقال لي المتصل : أنا تبت بسبب شريط من دروسك ، أقسم بالله أنه سمعه خمسين مرة ، وكان له عمل من أقذر الأعمال ، وعلى أثر هذا الشريط الذي فيه قصة تاب إلى الله توبة نصوحا ، فلما سافرت إلى تلك البلاد التقيت به   ، وقد عدل سلوكه 180 درجة .

أحياناً قصة مؤثرة جداً أبلغ من مُحاضر ، والله عز وجل قال :

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ ﴾ .

القصة فيها إنسان له ظروف ، أمامه عقبات ، لأن رسول الله بشر ، وتجري عليه كل خصائص البشر ، وانتصر على نفسه ، كان سيد البشر .

 

Text Box: نماذج عملية للإخلاص :

 

 

النموذج الأول : كتمان الإنفاق :

أيها الإخوة ، بعض النماذج التي يمكن أن تنفعنا ، النبي عليه الصلاة والسلام علمنا كيف الإخلاص ، في كتمان الإنفاق قال :

(( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : رجل ـ من هذه السبعة ـ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه )) .

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد ] .

إخفاء الصدقة دليل الإخلاص ، لأن الذي أنفقت من أجله يعلم ، دون أن تُعلم أحداً .

 

1 – النموذج الثاني : داب العلماء والصالحين في إخفاء الإنفاق :

 

ـ كان بعض العلماء يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به ، ويقول : إن صدقة السر تطفئ غضب الرب ، من أجل أن تتأكد من إخلاصك ، يمكن أن تصلي ركعتين قبل صلاة الفجر دون أن تذكرها لأحد ، لو أنك ذكرتها الأمر اختلف ، دون أن تذكرها لأحد .

ـ وكان بعض العلماء يُبَخّل ، يعني يُتهم بالبخل ، فلما مات وجدوا أنه يُعيل مئة أهل بيت ، كلّ دخْله موزع على مئة أسرة دون أن يعلم أحد .

ـ وبعض الأشخاص الصالحين حينما مات وجدوا بظهره آثاراً مما كان يحمل بالليل من الأغذية إلى المساكين.

أيها الإخوة ، السلف الصالح كانوا حريصين حرصاً لا حدود له على إخلاص نياتهم إلى الله عز وجل .

ـ كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم ، فلما مات علي بن الحسين فَقَدوا ما كانوا يؤتون به في الليل ، أناس كثيرون تأتيهم النفقات في الليل ، يطرق الباب ، ويوضع المال ، هم لا يعلمون ، فلما مات أحد الصالحين انقطعت هذه الأموال فعلموا أنها منه .

ـ ابن المبارك رحمه الله ، مرة التقى بشاب ، ثم زار البلدة مرة ثانية ، فعلم أنه عليه دَين ، فأرسل مَن دفع عنه الدين ، وسار عائداً إلى بلدته ، تبعه الشاب ، قال : لا أعلم عنك شيئاً ، مَن أنت ؟ لم يذكر له أنه هو الذي فكّ دينه .

قد نجد أشخاصا أرجو أن يكونوا قِلّة ، إذا عملَ عملا صالحا لا يبقي إنسانًا ما يحكي له ، البارحة عملنا هكذا ، فلان لحم كتفه من خيرنا ، فلان لو ما أعطيناه ما صار رجلا ، هذا المنّ في الصدقة .

Text Box: ملحوظة مهمة : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ

 

هناك ملحوظة :

مرة كنت في حفل تبرع للأيتام ، كان إعلان عن المبلغ ، هذا الإعلان مقبول شرعاً ، وأحيانا فيه حاجة ، والإعلان كبير جداً ، في سنة من السنوات اقتُرِح أن يعطى الأغنياء أوراقا يكتبون المبالغ ، المبلغ هبط للعشر ، أحيانا فلان دفع مئة ، الثاني شريكه ، وأنا مئة ، أما إن أعطيته ورقة يكتب خمسة آلاف .

( سورة البقرة الآية : 271 ) .

إنّ الصدقة إذا توجهت إلى جهة خيرية فالأولى أن تعلن .

( سورة المطففين ) .

أما إذا توجهت إلى إنسان فالأولى أن تكتم ، الحكمة تقتضي أن تعلن في موقف ، وأن تكتم في موقف ، حتى حينما يقرأ إنسان القرآن من شدة إخلاصه هو يقرأ القرآن دخل شخص فغطى المصحف بثوبه ، وهناك شخص يتمنى أن يراه الناس يقرأ القرآن .

 

Text Box: التورع بال×لاص أولى من إظهار الأعمال :

 

دخل أحدهم مسجدا يريد الذهاب إلى الحج ، ومعه مبلغ من الليرات الذهبية   ، يتوسم في مصلين إنسانا صالحا أن يجعله عنده أمانة ، فنظر إلى واحد رأى في صلاته خشوعا ، يغمض عينيه ، ويعصر جبينه ، فتوسم فيه خيراً ، فبعد أن انتهى من صلاته قال له : أنا معي مبلغ من المال ، أعجبتني والله صلاتك ، سأضعه عندك أمانه ، إلى أن أعود من الحج ، قال له : أيضاً صائم سيدي ، قال له : والله ما أعجبني صيامك .

دون أن يشعر الإنسان يحب إن كان في عبادة أن يُرى ، إن كان في إنفاق أن يُرى ، إن كان في صلاة أن يُرى ، لا مانع ، لكن الأكمل إذا كانت العبادة خالصة لله عز وجل الأولى أن تكتمها ، وأفضل أنواع الزهد إخفاء الزهد .

ويروى عن الإمام أحمد بن حنبل أنه يقول تلميذه أبو بكر : " كنت مع أبي عبد الله نحواً من أربعة أشهر ، وكان لا يدع قيام الليل ، وقراءات النهار ، فما علمت بختمة ختمها " ، فقد كانت عبادته قيام الليل ، تلاوة القرآن دون أن يعلم به أحد ، الأولى أن تحرص على إخلاصك ، هذه عبادة لله فاجعلها بينك وبين الله .

يقول الإمام أحمد : " أشتهي ما لا يكون " ، أي أشتهي مكاناً لا يكون فيه أحد من الناس حتى أبتعد عن ما يسمى بالرياء .

 

Text Box: تنبيه بليغ : ترْكُ العمل خوف الرياء شركٌ :

 

لكن هناك  ملاحظة مهمة جداً ، وهي أنك إذا تركت العمل الصالح خوفاً من النفاق وقعت في الشرك ، العمل الصالح لا يترك ، لا مؤاثرة في الخير ، والخير كله في المؤاثرة ، كيف ؟

أنا أتيح لي عمل صالح ، هناك يأتي الشيطان ، ويقول : أنت إذا فعلته أمام الناس أردت بها العمل أن تعلو عندهم ، لا ، هذا كلام شيطاني ، لو أخذ به كل واحد منا لألغيت الأعمال الصالحة ، إذا أتيح لك عمل صالح فلا تتردد أبداً ، افعله ولو كنت في ملأ من الناس ، لعلك تشجعهم .

مرة إنسان فقير جداً عنده ثمانية أولاد ، ودخله أربعة آلاف ، ولا يكفيه الدخلُ يومين ، هو مستخدم في مدرسة ، ورث أرضا ، قيمتها أربعة ملايين ، فهناك محسن كبير في أحد أحياء دمشق أراد أن تكون هذه الأرض مسجداً ، فسعرها مناسب ، ووجهتها مناسبة ، فلما جاء المحسن ليطلع على الأرض ميدانياً ، والتقى بصاحب الأرض كتب له سندا بنصف مبلغ الأرض ، قال له : متى الثاني ؟ القسم الثاني ؟ قال له : عند التنازل ، قال له : أي تنازل ؟! قال له : تذهب إلى الأوقاف كي تتنازل عن الأرض ، لأنها سوف تكون مسجداً ، قال له : مسجد ؟!‍ أمسك بهذا السند ، ومزقه ، وقال : والله استحي من الله أن أبيع أرضاً تغدو مسجداً ، وأنا أولى منك أن أقدمها لله عز وجل ، يقول هذا المحسن الكبير : والله ما صغرت في حياتي أمام إنسان كما صغرت أمام هذا الفقير الذي لا يملك من حطام الدنيا إلا هذه الأرض ، أحياناً العمل الصالح دون أن تقصد إذا ظهر يكون له تأثير كبير جداً .

أخ يعمل في دائرة قريبة من جامع الطاووسية ، طلب من رئيسه بالدائرة إجازة ستة أيام ، رئيسه عصبي المزاج ، قال له : لا أوافق ، قال له : هذه استهلكتها ، أنا أصلي كل يوم ربع ساعة ، جمعتها فكانت كلها ستة أيام ، حتى أبرّئ ذمتي ، يقسم بالله هذا الأخ يقول : أنا أموت ولا أصدق أن يدخل هذا الإنسان المسجد ، رآه في الأسبوع القادم في هذا المسجد ، ما هذه الأمانة ؟

Text Box: استقيموا يُستَقَم بكم :

 

لذلك النبي قال :

(( استقيموا يستقم بكم )) .

[ الطبراني في الكبير عن سمرة ]

أحياناً استقامتك دعوة ، أمانتك دعوة ، عفتك دعوة ، صدقك دعوة ، المؤمن شاء أم أبى داعية ، لأنه ملتزم ، وقاف عند كتاب الله ، ببعض الدوائر يكون الموظف نزيها جداً ، نزاهة تربِك مَن حوله ، نزاهته حجة على من حوله .

مرة حدثني مدير سجن قال لي : يأتي قاض ، وليس عنده مركبة ، يأتي بالمركبات العامة إلى مكان بعيد عن دمشق ، ليلتقي بالمساجين كي يفهم منهم ملابسات القضية ، حتى يكون حكمه دقيقا ، قال لي : والله حينما يأتي نكبره إكباراً لا حدود له ، ليس مكلفا بالمجيء ، خوفاً من أن يقع في خطأ في الحكم يأتي .

أحياناً دون أن تشعر استقامتك ، صدقك ، أمانتك ، نزاهتك ، عفتك دعوة .

لا أكتمكم ، الآن الصين في أعلى درجات رواجها التجاري ، لو جاء إنسان من بلادنا ليأخذ وكالة ماذا يفعلون معه ؟ هذا أحدث ما سمعت ، في فندقه يرسلون له فتاة ، فإن فتح الباب لا يعطونه الوكالة ، وإن رفضها يأخذ الوكالة ، عنده مبادئ ، عنده قيم ، يخاف  هؤلاء الذين لا يعرفون الله ، وجودوا أن الإنسان الملتزم بدين مستحيل أن يقع في خيانة ، إذاً :

(( استقيموا يستقم بكم )) .

أنا لا أريد أن نلغي العمل والعياذ بالله لخوفنا ، هذا فهم ما أريده إطلاقاً ، لكن يمكن للعمل إن ظهر دون أن تشعر ، ودون أن تريد ، ودون أن تحرص عليه يمكن لهذا العمل إذا ظهر أن يكون قدوة للآخرين ، وأنا أؤكد لكم أن معظم الذين يؤمنون بوقت متأخر بسبب إنسان لفت نظرهم .

كنا مرة في الحج فرأينا إنسانا شكله شكل أوربي ، سمعت عن قصته أنه كان عنده طالب سوري ، وعنده فتاة جميلة جداً ، اشتهى أن يضبط هذا المستأجر الطالب السوري ينظر إلى ابنته ، أبداً ، فكان غض بصره سبب إسلام صاحب البيت ، أقول لكم :

(( استقيموا يستقم بكم )) .

كلما زادت استقامتك زادت دعوتكم دون أن تشعر ، لذلك نحن الآن نسمي الدعوة الصامتة ، أنت دون أن تتكلم بأي كلمة ، دون أن نطق ببنت شفا استقامتك ، أمانتك ، عفتك إتقان عملك وسام شرف لك ، وهذا قد يدعو الناس إلى سلوك منهجك في الحياة .

 

Text Box: لا مانع مِن ظهور العمل الصالح من غير قصد :

 

أحياناً يقول الحسن البصري : " كان الرجل يجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها   ، فإذا خشي أن تسبقه قام .

هناك أشخاص يتمنى بعضهم أن يبكي أمام الناس بكاء خشوع ، أحواله عالية جداً ، السلف الصالح كان يحاول ألاّ يظهر بكاءه أمام الناس من شدة ورعه .

مرة رجل بكى ، وعلا صوته فقال الحسن : " إن الشيطان ليبكي هذا الرجل " ، أخذه الحال ، وهو آكل للمال الحرام .

هناك حالات إظهار الورع ، وإظهار التقوى والصلاح ، نحن إذا ظهر عملنا فلا مانع ، لكن أن يكون مقصوداً فهناك خلل في الإيمان ، فلا تقصد أن يظهر هذا العمل ، فإذا ظهر فلعل الله سبحانه وتعالى شاء له أن يظهر ليكون عبرة ، ويكون موعظة .

بعض حالات السلف الصالح في عباداتهم ، في صلاتهم ، في صيامهم ، في بكائهم في خشوعهم ، في تلاوة قرآنهم ، يحاولون ألا يظهروا هذا أمام الناس حفاظاً على    إخلاصهم .

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi