English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الموضوع : تراويح 03 رمضان : ثمرات العلم  – 26/09/2006 - لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس صلاح الأمة في علو الهمة ، والحديث عن العلم ، وفي هذا الدرس حديث عن ثمرات طلب العلم .

 

Text Box: قيمة العلم :

 

العلم أيها الإخوة قوة هائلة ، وهو أعلى الرتب ، يعطيك العلم طاقة لا تقدر بحدود الزمان والمكان ، يكسبك العلم علواً ومنزلة ، ويمهد الطريق أمامك بالرفعة في الدنيا والآخرة :

[ سورة المجادلة : 11]

Text Box: صور رائعة مت مواقف علماء المسلمين مع الأمراء !!!

 

 

1 – عطاء بن أبي رباح :

دخل سليمان بن عبد الملك الحرم ، ومعه الوزراء والأمراء والحاشية ، وقادة الجيش ، وكان حاسر الرأس ، حافي القدمين ، ليس عليه إلا إزاره ورداؤه ، شأنه كشأن أي حاج محرم من المسلمين ، ومِن خلفه ولداه ، وهما غلامان كطلعة البدر بهاء ، وكأكمام الورد نضارة و طيباً ، وما إن انتهى خليفة المسلمين ، وأعظم ملوك الأرض من الطواف من البيت العتيق حتى مال على رجل من خاصته ، وقال : مَن عالم مكة ؟ فقال : عطاء بن أبي رباح ، قال : أروني عطاء هذا ، فالتقى به فوجده شيخاً حبشياً أسود البشرة ، مفلفل الشعر ، أفطس الأنف ، إذا جلس بدا كالغراب الأسود ، كأنه رأسه زبيبة ، مشلولاً نصفه ، لا يملك من الدنيا درهماً و لا ديناراً ، فقال سليمان : أأنت عطاء بن أبي رباح الذي طوق ذكرك الدنيا ؟ قال : هكذا يقولون ، قال : فبمَ حصلت هذا العلم وهذا الشرف ؟ قال : باستغنائي عن دنيا الناس ، وحاجتهم إلى علمي ـ أنا مستغن عنهم ، وهم محتاجون إلى علمي ، فإذا كان الذي يطلب العلم محتاجاً إلى ما عند الناس ، والناس مستغنون عن علمه ، ما حاله ؟ فقال : باستغنائي عن دنيا الناس ، وحاجتهم إلى علمي الذي انقطعت له ثلاثين عاماً ، قال سليمان : لا يفتي في المناسك إلا عطاء .

وحدث بعد اللقاء الأول أن اختلف سليمان وأبناؤه في مسألة من مسائل الحج ، فقال : خذوني إلى عطاء بن أبي رباح ، فأخذوه إلى عطاء ، وهو في الحرم ، والناس متحلقون حوله ، فأراد سليمان أن يجتاز الصفوف ـ خليفة المسلمين ـ ويتقدم إليه ، وهو الخليفة ، فقال عطاء : يا أمير المؤمنين ، خذ مكانك ، أي ابقَ في مكانك ، ولا تتقدم الناس ، فإن الناس سبقوك إلى هذا المكان ، فلما أتى دوره سأله المسألة فأجابه ، فقال سليمان لأبنائه : يا أبنائي ، عليكم بتقوى الله ، والتفقه في الدين " .

قالوا : العالم شيخ ، ولو كان حدثاً ، والجاهل حدث ، ولو كان شيخاً ، قال : " يا أبنائي عليكم بتقوى الله ، والتفقه في الدين ، فوالله ما ذللت في حياتي إلا لهذا العبد " .

خليفة المسلمين أكبر ملوك الدنيا يقول : " والله ما ذللت في حياتي إلا لهذا العبد .

2 – أبو حنيفة النعمان :

التقى أبو جعفر المنصور بأبي حنيفة ، فقال : " يا أبا حنيفة ، لو تغشيتنا ، فقال أبو حنيفة : ولمَ أتغشاكم ، وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه ؟ وهل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء ؟ " .

يقول سليمان بن عبد الملك : " فوالله ما ذللت في حياتي إلا لهذا العبد " ، لأن الله يرفع من يشاء بطاعته ، وإن كان عبداً حبشياً لا مال ، ولا نسب ، ويذل من يشاء بمعصيته ، وإن كان ذا نسب وشرف .

ثم قال سليمان لأحد ولديه : يا بني ، هذا الذي رأيته يا بني ، ورأيت ذلنا بين يديه هو وارث عبد الله بن عباس الصحابي الجليل الذي أوتي فهماً في القرآن الكريم ، وكان موسوعة في كل العلوم ، ثم أردف يقول : يا بني ، تعلم العلم ، فبالعلم يشرف الوضيع ، وينبه الخامل ، ويعلو الأرقاء إلى مراتب الملوك ، لأن رتبة العلم أعلى الرتب ، تعلموا العلم ، فإن كنتم سادة فقتم ، وإن كنتم وسطاً سدتم ـ أصبحتم سادة ـ وإن كنتم سوقة عشتم " .

3 – الحسن البصري :

 

مع والي يزيد :

مرة كان الحسن البصري عند والي البصرة فجاءه توجيه من يزيد ، يبدو أنّ هذا التوجيه لو نفذه والي البصرة لأغضب الله ، ولو لم ينفذه أغضب يزيد ، ونحاه عن منصبه ، كان عنده الحسن البصري ، قال له : ماذا أفعل ؟ أجابه إجابة يجب أن تكون شعاراً لكل واحد منا ، قال له : " إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله " .

أيها الإخوة الكرام ، حتى في هذا العصر صُنّاع القرار من يأمرهم ؟ العلماء في كل اختصاص ، العلماء في العالم هم يملون على صنّاع القرار قراراتهم ، فلذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل .

مع الحجاج بن يوسف :

الحسن البصري قام بتأدية أمانة العلم ، وهي التبيين في عهد الحجاج ، ويبدو أن أناساً نقلوا للحجاج ما قاله الحسن البصري ، فغضب الحجاج ، وأرعد ، وأزبد ، وقال : يا جبناء ، يخاطب مَن حوله ، والله لأروينكم مِن دمه ، ثم أمر بقتله ، وجاء بالسياف ، ومدّ النطع ، وطلب الحسن ليقطع رأسه في مجلسه ، من هاب الله هابه كل شيء ، ومن لم يهب الله أهابه الله من كل شيء ، فاستدعى الحجاج الحسن ، وجاء الجنود بالحسن البصري ، فلما دخل إلى مجلس الحجاج الحسن البصري ، ورأى السياف واقفاً ، والنطع قد مد أيقن بالموت ، حرك شفتيه ، ولم يفهم أحد بماذا حرك شفتيه ، فإذا بالحجاج يستقبله ، ويقول له : أهلاً بأبي سعيد ، أنت سيد العلماء ، ومازال يقربه ، ويقربه حتى أجلسه على سريره ، واستفتاه في موضوع ، وضيفه ، وعطره ، وودعه ، صعق السياف ، والحاجب ، فلما خرج تبعه الحاجب ، قال : يا أبا سعيد ، لقد جيء بك لغير ما فُعل بك ، فماذا قلت لربك ؟ قال له : قلت : يا ملاذي عند كربتي ، يا مؤنسي في وحشتي ، اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم .

4 – مع الشيخ بدر الدين الحسني محدِّث الشام :

والله يروي التاريخ أنه كان رجل في الشام من ألصق الناس بالشيخ بدر الدين الحسني ، وقد أراد السلطان العثماني أن يدعو هذا الشيخ الجليل شيخ الشام كلها إلى استنبول لحفل ، أرسل له رئيس الوزارة الصدر الأعظم على بارجة من استنبول إلى بيروت ، ومن بيروت جاء بالسيارة إلى دمشق ، ودخل على الشيخ ، وقدم له دعوة السلطان لحضور الاحتفال ، فمن شدة هيبة الشيخ قال له : أنا ما أرغب ، قال : لا أرغب ، انتهى الأمر ، لا يوجد أحد يراجعك ، فعاد إلى استنبول طبعاً بعد أسابيع ، وصل إلى إنطاكية صدر أعظم رئيس وزارة حاكمة ثلث العالم أن شيخًا في الشام لا يستجيب لدعوة السلطان ، خاف على منصبه ، فعاد ثانية ليأخذه بالقوة ، عاد خلال أسبوع آخر ، ووصل إلى بيروت ، وانتقل إلى الشام ، ودخل على الشيخ ، كان يصلي ، فلما سلم من صلاته قال له : أنت جئت مرة ثانية ، قال له : نسيت أقبل يدك سيدي ، هذا العلم ، هذا الورع ، هذه التقوى ، هذا حب الله عز وجل ، هذا الإيمان بالآخرة ، بما نلت هذا المقام ؟ قال : باستغنائي عن دنيا الناس ، وحاجتهم إلى علمي .

 Text Box: الحياة كلها قرار واحد حاسم :
 

 

1 ـ مع قرار الصحابي الجليل عقبة بن عامر :

إخواننا الكرام ، عقبة بن عامر الجهني أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وأنا في الفلوات ، يقول عقبة : أرعى غنيمات لي ، الآن فلان عنده دكان صغير ، فلان عنده بقالية ، فلان عنده تجارة متواضعة ، فلان عنده بيوت للإيجار ، بهذا المعنى أرعى غنيمات لي ، فما إن تناهى إليّ خبر قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تركتها ، ومضيت إليه لا ألوي على شيء ، فلما لقيته قلت له : يا رسول ، الله أتبايعني ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : فمن أنت ؟  قال : أنا عقبة بن عامر الجهني ، قال : يا عقبة ، أيهما أحب إليك أن تبايعني بيعة أعرابية أم بيعة هجرة ؟ أي تبقى في مكانك في البادية ترعى الغنيمات ، وتبايعني ، أو أن تهاجر ، وأن تأتي إلي لتكون معي ، قال : بل بيعة هجرة ، وكنا اثني عشر رجلاً ممن أسلموا نقيم بعيداً عن المدينة لنرعى أغنامنا في بواديها ، فقال بعضنا لبعض : لا خير فينا ، والله إذا نحن لم نقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد يوم كي نتفقه في الدين ، ويسمعنا مما يُنزل عليه من وحي السماء ، فليمض كل يوم واحد منا إلى يثرب ، وليترك غنمه لنا فنرعاها له ، فقلت : اذهبوا أنتم دائماً إلى رسول الله واحداً بعد الآخر ، وليترك لي الذاهب غنمه ، أي كان حريصاً على غنماته ، قال لهم : اذهبوا أنتم جميعاً ، وأنا أبقى عند الغنيمات ، لأني كنت شديد الإشفاق على غنيماتي من أن أتركها لأحد ، ثم طفق أصحابي يغدو الواحد منهم بعد الآخر على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويترك لي غنمه أرعاها له ، فإذا جاء أخذت منه ما سمعت ، وتلقيت عنه ما فقه ، لكنني ما لبثت أن رجعت إلى نفسي ، وقلت لها : ويحك يا نفس ، من أجل غنيمات لا تسمن ، ولا تغني تُفوتي عليك صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والأخذ عنه مشافهة من غير واسطة ، ثم تخليت عن غنيماتي ، ومضيت لأصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

هذه هي المقدمة .

أيها الإخوة ،  لم يكن يخطر على بال عقبة بن عامر الجهني ، لم يكن يخطر على باله حين اتخذ هذا القرار كان حريصاً على غنيماته ، وغنيماته ملء حياته ، فآثر أن يبقى مع غنيماته ، وأن يرسل أصحابه إلى النبي الكريم ، للأمانة يستمع منهم يومياً إلى ما قاله النبي ، لكن وجد أنه من أجل غنيمات يضيع صحبة رسول الله ؟!!

قال : لم يخطر على بال عقبة حين اتخذ هذا القرار قرار صحبة رسول الله ، وترك غنيماته ، لم يكن يخطر له على بال حينما اتخذ هذا القرار الحاسم والحازم أنه سيغدو بعد عقد من الزمن ، أي عشر سنوات عالماً من أكابر علماء الصحابة ، وقارئاً من شيوخ قرائها ، وقائداً من قواد الفتح المرموقين ، عالم وقارئ وقائد ، ووالٍ من ولاة الإسلام المعدودين .

عقبة بن عامر الجهني ما كان يخطر على باله حينما ترك غنيماته أنه سيغدو عالماً من أكابر علماء الصحابة ، و قارئاً من شيوخ قرائها ، و قائداً من قواد الفتح المرموقين ووالياً من ولاة الإسلام المعدودين ، ولم يكن يخطر له على بال أيضاً ، وهو يتخلى عن غنيماته ، ويمضي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه سيكون طليعة الجيش الذي يفتح أم الدنيا وقتها دمشق ، هو الذي فتح دمشق ، ويتخذ لنفسه داراً بين رياضها النضرة عند باب توما ، ولم يكن يخطر له على بال أنه سيكون أحد القادة الذين سيفتحون مصر أيضاً ، وأنه سيكون والياً عليها ، ويتخذ لنفسه داراً في سفح جبلها المقطم ، وبعدها اشترك هذا الصحابي الجليل في قيادة حملة بحرية لفتح جزيرة رودس في البحر المتوسط .

2 ـ مع قرار سيد غطفان نعيم بن مسعود :

لما جاء نعيم بن مسعود سيد غطفان لمحاربة النبي العدنان في معركة الخندق فكر ، أجرى حواراً ذاتياً في لحظة واحدة انقلب من عدو للحق إلى أكبر عون لرسول الله ، ماذا قال ؟ قال : يا نعيم ، لماذا جئت إلى هنا ؟ من أجل أن تقاتل هذا الرجل الصالح ؟ ماذا فعل ؟ سفك دماً ، انتهك عرضاً ، نهب مالاً ؟ لماذا تحاربه ؟ أين عقلك يا نعيم ؟ أيليق بك أن تحاربه أين عقلك ؟ فقام ، وهو رئيس المعسكر ، واتجه إلى معسكر النبي ، ودخل على النبي عليه الصلاة والسلام ، لما نظر إليه قال : نعيم ؟ قال : نعيم ، قال : ما الذي جاء بك إلينا ؟ قال : جئت مسلماً ، وأعلن إسلامه ، قال له : مرني ؟ قال له : أنت واحد ؟ قال له : مرني ؟ قال له : خذل عنا ، وتسعة أعشار سبب نجاح معركة الخندق بسبب نعيم بن مسعود ، لم يكن يعرفه اليهود أنه أسلم ، ولا القرشيون ، فشقّ صفوفهم ، وأوغر صدر كل طرف على الطرف الآخر ، وهذه حيلة ذكية جداً سخرها للحق .

لماذا أنت متمسك بالدنيا ، متمسك بمحل صغير ، بشيء بسيط ، اطلب العلم ، العلم يرفعك إلى أعلى عليين ، العلم يرفع مقامك عند الله :

[ سورة الشرح ]

 

  Text Box: رتبة العلم أعلى الرتب :

 

مرة التقيت بإنسان يعمل في اللحم ، قصاب ، قال لي : أنا وأبو الحسن الكردي رفاق في عمل واحد ، قلت له : أين الثرى من الثريا ، هذا شيخ القراء ، أو من كبار قراء دمشق ، فالعلم يرفع الإنسان إلى أعلى عليين ، لذلك رتبة العلم أعلى الرتب ، اطلب العلم .

سأقول لكم كلمة : أنا لا أصدق ولا للحظة واحدة أن تطلب العلم بإخلاص ثم لا يستخدمك الله في الدعوة إليه ، ثم لا توفق في التأثير في الناس ، اطلب العلم ، وعندئذ يتولى الله أن يهبك قوة التأثير ، قال تعالى :

[ سورة النور : 36]

 

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi