English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
 

الموضوع : فجر الجمعة 06 / رمضان / 1427 - صلاح الأمة في علو الهمة ، من علامات علو الهمة العناية بالصلاة  – لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد  الأمين .

 

Text Box: خلاصة النشاط التجاري : الربح :

 

أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس صلاح الأمة في علو الهمة ، والموضوع اليوم تطبيق عملي لموضوع الصلاة ، فكما تعلمون كيف أن التجارة لها نشاطات لا تعد ولا نحصى ، بدءاً من شراء الأرض ، وبناء المحل أو المعمل ، والمستودعات والمكاتب ، وتعيين الموظفين ، واستقدام المندوبين ، وعقد الصفقات ، وبيع البضاعة ، وجمع ثمنها ، والدعاية ، والإعلان ، والمحاسبة ، عشرات ، بل مئات ، بل ألوف النشاطات تجمعها كلمة التجارة ، لكنه يمكن أن تضغط كلها في كلمة واحدة ، "هي الربح " ، فإن لم تربح فلست بتاجر .

الآن تصور إنسانا يحمل أعلى شهادة في إدارة الأعمال ، وفي التسويق من أرقى بلد في العالم ، وخسارته مستمرة ، وإنسان أمي لا يقرأ ، ولا يكتب أرباحه طائلة ، من هو التاجر ؟ العبرة أن تحقق الهدف ، هذا تمهيد .

 

Text Box: خلاصة النشاط الديني : الصلاة :

 

الدين كم نشاطا فيه ؟ حضور دروس علم ، قراءة كتب ، دعوة ، إلقاء محاضرات ، إلقاء خطب ، تأسيس جمعيات ، إنشاء ميتم ، إنشاء مستشفى ، إنشاء مستوصف ، نشر كتب قديمة ، تحقيق ، أكثر من مليون نشاط يجمعها الدين ، ومع ذلك يمكن أن يضغط الدين كله بكلمة واحدة ، هي الصلاة ، لأنها الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال ، وأول ما يحاسب الإنسان من عمله عن صلاته ، فإذا صحت صح عمله .

 

Text Box: من علامات علو الهمة العناية بالصلاة  :

 

فلذلك أيها الإخوة ، من علامات علو الهمة العناية بالصلاة ، وذكرت أن الإنسان بإمكانه أن يقوم إلى الصلاة ، وأن يتوضأ ، وأن يقف ، وأن يقرأ ، وأن يركع ، وأن يسجد  لكنه لن يستطيع أن يتصل بالله إلا إذا استقام على أمره ، كل بني آدم خطّاء ، أما الإنسان المقيم على مخالفة ، وهو يعلم أنها مخالفة ، ويصلي ؟! هذا مستحيل ! ذلك من أجل أن تنعقد الصلاة لا بد من التوبة النصوح ، لا بد من استقامة على أمر الله حتى تنعقد الصلاة .

 

Text Box: ضوابط لتفادي الغلو في العبادات :

 

الآن لئلا نقع في التطرف ، أو في الغلو أضع بين أيديكم مجموعة قواعد تضبط المؤمن من أن يغالي في عباداته ، ومن أن يقصر في عباداته .

الضابط الأول : ألا يحصل للمؤمن ملل يفقده لذة العبادة :

ألا يحصل للمؤمن ملل يفقده لذة العبادة ، من مبالغته في العبادة يفقده لذة العبادة ، بدليل قول النبي الكريم :

(( ليصل أحدكم نشاطه )) .

[ متفق عليه ] .

ما دمت نشيطاً صلِّ ، أما إذا تعبت ، وأصبحت الصلاة عبأ عليك ، ولا تستطيع متابعتها ، وقد ألزمت نفسك ما لا يلزم فالأولى أن تكف عن متابعة الصلاة النافلة .

إذاً : أنت تصلي طبعاً الفرائض ، والسنن الراتبة لا علاقة لها بالموضوع إطلاقاً  ، الحديث عن النوافل ، عن أن علو الهمة يحتاج إلى إتقانٍ للعبادات ، أول شيء ألا يحصل ملل يفقد المؤمن لذة العبادة بدليل :

(( ليصل أحدكم نشاطه )) .

بعضهم يؤثر التشدد في أن من تاب ، وقد فاته أعوام مديدة من الصلاة يلزمونه أن يصلي كل الصلوات التي فاتته ، وقد يكون هذا فوق طاقته ، وقد يكره الناس بالتوبة ، أنت حينما تتوب إلى الله توبة نصوحًا فلا شيء عليك .

(( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه )) .

[ متفق عليه ] . 

(( من حج لله ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه )) .

[ متفق عليه عن أبي هريرة ] .

والتوبة النصوح تهدم ما كان قبلها .

(( فمن تاب إلى الله توبة نصوحا أنسى الله حافظيه وجوارحه ، وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه )) .

[ أخرجه أبو العباس بن تركان الهمذاني عن أبي الجون ] .

إذاً : ينبغي أن تصلي الفرائض والسنن والنوافل ، من دون أن تحملك النوافل على أن تكره الصلاة ، أو أن تملها ، أو أن تسأمها ، هذا أول شرط : أن يكثر بحسب طاقته ، والدليل :

(( عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ )) .

[ رواه شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَائِشَةَ ] .

لا تكلف نفسك ما تطيق ، هناك أقوال صدقوا ليس لها أصل ، أن أحد العلماء صلى الفجر بوضوء العشاء أربعين عاما ، صدقوا هذا ليس له أصل ، ولا يحتمله أحد من بني البشر ، وحينما تضع حالات قديمة فوق طاقات البشر تُيئّس الناس من التزام أمر الله عز وجل ، كن واقعياً ، فسنة النبي متكاملة ، متوازنة ، يمكن أن تحقق بها أعلى الدرجات ، أما أن تترنم بقصص لا أصل لها من أجل أن ترى نفسك لا شيء أمام هؤلاء هذا شيء فيه مبالغات .

( سورة المائدة الآية : 77 ) .

وهذه تنسحب علينا أيضاً .

الضابط الثاني : ألاّ يفوت ما هو أهم :

ألا يفوت ما هو أهم ، أحياناً من أجل قيام الليل تفوتنا صلاة الفجر في وقتها ، وقيام الليل سنة ، صلى ، وتعب ، ونام ، واستيقظ بعد الشمس ، لا ، لا يجوز ، الفرض أولى ، ألا تفوت ما هو أهم من هذه النافلة ، يقول سيدنا عمر :

<< لأن أشهد الصبح في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليلاً  >> .

هناك فرائض وسنن ، ألا يضيع حقاً شرعياً ، الزوجة حينما تمضي الليل كله في صلاة قيام الليل ، وتهمل أولادها صبحاً ، وتهمل زوجها ، وتهمل حاجة زوجها إليها هي أدت نافلة ، لكن على حساب واجب تركته ، والإنسان ينبغي أن يعبد الله فيما أقامه .

الضابط الثالث : ألا تبطل نافلة العبادات رخصة شرعية :

 

ألا تبطل نافلة العبادات رخصة شرعية ، كما ظن الرهط الذين تقالّوا عملَ النبي في بيته ، وقول أحدهم : أنا لا أتزوج النساء ، هذه رهبانية ، والإسلام ليس فيه رهبانية ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء ؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني )) .

[ متفق عليه عن عائشة ]

الضابط الرابع : ألاّ يوجب على نفسه ما ليس بواجب :

ألا يوجب على نفسه ما ليس بواجب ، ابن مظعون كان في النهار صواماً ، وفي الليل قواماً ، فضيع حق زوجته .

وأنا أقول لكم : هناك عبادات تبنى على إيذاء الآخرين ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يصلي إماماً بأصحابه كان أخف الناس صلاةً في تمام ، والذي صلى وقرأ الواقعة عاتبه النبي ، وقال : يا معاذ :

(( أفتَّانٌ أنْت )) .

[ متفق عليه ] .

كان إذا صلى كان أخفّ الناس صلاة ، لكن دققوا فيما سأقول : أما لما صلى وحده اقتدى به أحد الصحابة دون أن يعلم النبي ، قرأ البقرة قال : لعله يركع ، قرأ آل عمران    قال : لعله يركع ، قرأ النساء ، وصف دقيق جداً لصلاة النبي وحده ، شيء عجيب ، كان غارقاً في محبة الله ، أمضى معظم الليل في صلاة ، فإذا أردت أن تصلي وحدك صلِ ما شئت ، أما إذا أردت أن تأم الناس ينبغي أن تصلي بشكل لا يؤذيهم ، وأحيانا هناك عدوان في الدعاء ، الإطالة في الدعاء عدوان ، لذلك إن صليت إماماً فينبغي ألا تفتن الناس ، الذي قرأ الواقعة قال له :

(( أفتان أنت يا معاذ )) .

أحد الصحابة انسحب من الصلاة ، والعتاب كان للإمام لا للمؤتم ، فلذلك إن صليت إماماً فكن أخف الناس صلاةً ، أما إذا صليت وحدك فقلِّد النبي صلِ ما شئت .

الضابط الخامس : أن يأتي بالعبادة بتمامها :

أن يأتي بالعبادة بتمامها ، بدليل :

(( لا يَفْقَهُ مَنْ قَرأ القُرآنَ فِي أقَلّ مِنْ ثَلاثٍ )) .

[ رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ] .

قصص من نسج الخيال والمبالغة :

كثير من القصص أنه كان يختم في ليلة واحدة ، 600 صفحة ، نحن ساعة وربع تقريباً نقرأ جزءا ، وهناك ثلاثون جزءا ، ثلاثون في ساعة افرض ثلاثين بساعة ثلاثين ساعة  ، كيف يختم القرآن بليلة ؟ ماذا قرأ ، مستحيل ! إذا كانت القراءة لا تؤدي إلى فهم المعنى   وإلى عقل المعنى ، وإلى التفاعل مع المعنى ، فهذه ليست قراءة .

مرة حدثني أخ ، قال لي : هناك نوع من الحج يقوم به بعض الحجاج ، قال لي : يصلي العصر في جدة ، ويركب مركبته إلى مكة ، الطريق فارغ ، والكعبة ليس فيها أحد    ، كل الحجاج في عرفات ، يصلي العصر في جدة يوم عرفة ، وينقل إلى مكة ، والطريق فارغ ، يدخل إلى بيت الله الحرام ، هناك أشخاص معدودون ، يطوف في خمس دقائق حول الكعبة تماماً ، ويسعى ، ويتوجه إلى عرفات ، يجلس في أول عرفات ، تغيب الشمس يرجع تواً أول واحد ماشيا ، وقد جاء آخر واحد ، ورجع أول واحد ، يرمي الجمرات ، ويتحلل ، ويوكّل في الرمي أشخاصا ، حجته كلها أربع ساعات ، فأنا علقت على هذه الحجة : أن إنسانا دُعي إلى طعام نفيس ، جاء إلى بيت الداعي ، وكتب : لقد حضرت ، وانسحب ، ما أكل شيئًا ، أثبت وجوده فقط .

فلذلك أنت حينما تبالغ قد تضيع شيئًا آخر .

الضابط السادس : المداومة على العبادات :

أن تداوم على هذه العبادات ، لأن :

(( أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قلّ )) .

[ أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة ] .

حضرت درس جمعة فداوم عليه ، درس الفجر داوم عليه ، عملت عملا صالحا تابعه ، لأن في الدوام تراكما ، ومع التراكم تكون الثمار الطيبة .

لكن إنساناً أحياناً يتوجه توجها رائعا جداً لفترة محدودة ، ثم يختفي ، هذا خطأ كبير ، حاول أن تتدرج ببطء وثبات ، وكل عبادة ارتحت لها تابعها ، وداوم عليها .

الضابط السابع : ألا يجتهد بحيث يورث الملل لغيره :

ألا يجتهد بحيث يورث الملل لغيره ، المتكلم لا يشعر بالتعب ، ولا بالجوع ، ولا بالعطش ، ولا بالحر ، ولا بالقر ، أما المستمع يكون الوقت ثقيلا جداً عليه ، يجب أن تراعي حاجة الناس .

فلذلك اجلس إلى الطعام وأنت تشتهيه ، وقم عنه وأنت تشتهيه ، وكذلك في التدريس ، وفي الصلوات ، إن كنت تؤمّ الناس فاجعل الصلاة محببة للناس .

الضابط الثامن : ألا تعتقد أن هذا المؤمن أنه أفضل عملاً من النبي :

 

ألا تعتقد أن هذا المؤمن أنه أفضل عملاً مما كان النبي عليه الصلاة والسلام    .

النقطة الدقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما هاجر من مكة إلى المدينة هاجر خفية وتسللاً ، وفي جنح الظلام ، واتجه مساحلاً ، وقبع في غار ثور ثلاثة أيام ، سيدنا عمر هاجر نهاراً جهاراً فمَن الأشجع ؟ النبي مشرّع ، سيدنا عمر ليس مشرّعاً ، لو هاجر سيدنا رسول الله كما هاجر عمر لعدّ اقتحام الأخطار واجباً ، ولعد أخذ الحيطة حراماً ، لهلكت أمته من بعده ، فالنبي لما صلى صلوات معتدلة ، ولم يثقل على أصحابه لأنه مشرّع ، فإذا صليت صلاة أطول فإياك أن تتوهم أنك سبقت رسول الله ، لأنه مشرّع قدم لك الحد الأدنى ، لكن أنت أحياناً قد تصلي أكثر مما صلى النبي الكريم ، إياك أن تتوهم أنك أفضل عمل مما فعله النبي عليه الصلاة والسلام .

 

Text Box: أربع نُقََطٍ يجب مراعاتها في علاقات المسلم :

 

دائماً الإسلام وسطي ، والإسلام معتدل ، كنت أقول لكم دائماً : أنه لا بد من أن تراعي أربع نقاط في حياتك :

النقطة الأولى : علاقتك بالله .

 

النقطة الثانية : علاقتك بأهلك وأولادك .

 

النقطة الثالثة : علاقتك بعملك .

 

النقطة الرابعة : علاقتك بصحتك .

فما لم تعتنِ بهذه الكتل الأربع فأيّ خلل في واحدة منها ينسحب على بقية مناحي حياتك ، فهذا أيضاً أيها الإخوة من الوسطية والاعتدال .

(( الصلاة عماد الدين )) .

[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ] .

Text Box: الخلاصة الوافية للصلاة :

 

وغرة الطاعات ، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات ، والصلاة هي الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال ، وأول ما يحاسب عنه المرء يوم القيامة صلاته ، وإذا صلت إماماً فكن خفيف الظل ، لا تثقل على من وراءك ، أما إذا صليت وحدك فقلد النبي عليه الصلاة والسلام ، صلِ ما شئت ، لكن الكلمة الفيصلة ، الكلمة الدقيقة في هذا المقام : أعظم شيء في الصلاة أن تعدّ لها ، أن تعدّ لها الاستقامة ، فإن استقمت كان الطريق إلى الله سالكاً ، وبينك بين الله كما يقال خط ساخن ، أما إذا لم تستقم عندك هاتف غالٍ ، لكن ليس فيه خط ، مهما يكن الهاتف غالي الثمن بلا خط ، بلا حرارة ، فلا قيمة له أبداً .

فلذلك اعتنِ بالخط الساخن بين وبين الله ، وهذا الخط الساخن يبقى ساخناً ما دمت مستقيماً ، فإن خرقت الاستقامة ، انقطع الخط وبقي الجهاز لا يغني ، ويسمن من جوع .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi