English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الموضوع : فجر 13 رمضان : الآيات الكونية في خلق الإنسان   – 06/10/2006 - لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس صلاح الأمة في علو الهمة ، الحديث اليوم عن حالَي الخوف والرجاء .

 

Text Box: بين الإسلام والإيمان :

 

أولاً : الإسلام أن تنصاع جوارحك لأمر الله ، لكن الإيمان أن تتجه إلى الله ، أن تتجه إلى الله بقلبك ، طابع الإسلام مادي ، أقمت أمر الله فيما أمر ، وانتهيت عما عنه نهى وزجر ، أنت مسلم ، الآن اتجهت إلى الله ، أقبلت عليه ، أحببته ، رجوت ما عنده ، خفت من عذابه ، أحوال القلب متعلقة بالإيمان ، فلذلك سيدنا عمر يقول : << تعاهد قلبك >> ، المؤمن عليه أن يتفحص قلبه ، هل في القلب خوف ؟ هل في القلب رجاء ؟ هل في القلب إنكار لشيء معين ؟ لذلك ورد في الأثر القدسي أن أحد أنبياء الله قال : ( يا رب ، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال : أحب عبادي إلي تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحد بسوء ، أحبني ، وأحب من أحبني ، وحببني إلى خلقي ، قال : يا رب ، إنك تعلم أني أحبك ، وأحب من يحبك ، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي ) .

يتضح من هذا الأثر القدسي أنه لابد من أن يكون في قلب المؤمن تعظيم لله ومحبة له وخوف منه ، لذلك هؤلاء الذين استحقوا النار بوصف واحد منهم قال تعالى :

[ سورة الحاقة ]

لعله آمن بالله ، لكن ما آمن به عظيماً ، كيف أن قوله تعالى :

[ سورة الأحزاب]

الأمر هنا ينصب على الذكر الكثير ، فقط لا على الذكر ، لأن المنافق يذكر الله ، قال تعالى :

[ سورة النساء]

فالآية هنا :

[ سورة النساء]

يقاس على هذه الآية :

[ سورة الحاقة ]

 

Text Box: مِن علوّ الهمة تعظيمُ الله :

 

Text Box: كيف تؤمن بالله العظيم ؟
 

 

إذاً : العبرة لا أن تقر بوجود إله ، لا أن تقر بوجود خالق ، لا أن تقر بوجود رب العزة ، أن تؤمن بأن الإله عظيم ، من أين تأتي هذه الحالة ؟ أن يكون الله عظيماً أن ترى معصيته كبيرة ، أن ترى الذنب الذي اقترفته وكأنه جبل جاثم على صدرك ، كيف تأتي هذه الحالة ؟

1 – التفكر في خلق السماوات والأرض :

هذه الحالة تأتي من التفكر في خلق السماوات والأرض ، الدليل :

[ سورة الزمر : 67]

حينما تتأمل في عظمة الكون ، وفي عظمة خلقه تعرف من هو الله ، لذلك حينما تعلم أن في برج العقرب نجماً صغيراً يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما ، بينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر ، والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة ، وهذا النجم الصغير يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما .

أيها الإخوة الكرام ، لمجرد أن تتفكر في خلق السماوات والأرض يمتلئ قلبك تعظيماً لله ، قال تعالى :

[ سورة الحاقة ]

النقطة الدقيقة أن هذا القلب يجب أن ينطوي على تعظيم لله ، وطريق التعظيم لله التفكر في آياته ، لذلك التفكر من أرقى العبادات ، قال تعالى :

[ سورة الأعراف ]

لذلك الآية الكريمة :

[ سورة القدر ]

أن تعبد الله من دون تعظيم ثمانين عاماً لا تساوي ليلة واحدة فيها تعظيم لله ، لذلك :

[ سورة الحج]

حينما تعظم أمره ، وتعظم نهيه ، وتعظم مقامه ، وحينما تخشى مقام الله عز وجل  فتكف نفسك عن الهوى ، قال تعالى :

[ سورة النازعات]

أيها الإخوة ، ليس كل مصل يصلي ، إنما  أتقبل الصلاة ممن تواضع  لعظمتي .

النقطة الأولى في علو الهمة أن تشعر بتعظيم الله ، والشعور بتعظيم الله يتأتى من خلال التفكر بآياته الكونية ، بل إنك إذا تفكرت بالله وبآياته تقف أمام عظمة الله عز وجل .

أحياناً تزور منشأة كبيرة جداً ، مرة زرنا السد في الفرات ، ونزلنا إلى سبعين متراً تحت الأرض ، ورأينا العنفات ، لا تملك إلا أن تعظم الذين خططوا ، والذين نفذوا هذه المنشأة ، أنت أمام كون ، أمام نجم يبعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية ، أنت أمام حقيقة ، أن نجماً يبعد عنا أربع سنوات ضوئية ، هذا الرقم كبير ، وإن أردنا ـ افتراضاً ـ أن نصل إليه بمركبة أرضية نحتاج إلى أن نصل إلى هذا الكوكب الذي هو أقرب نجم ملتهب إلى الأرض  خمسين مليون عام ، تقود سيارة خمسين مليون عام كي تصل بها إلى أقرب نجم ملتهب ، هذا النجم الذي بعده عنا عشرين مليار سنة ضوئية ، كيف ؟ حينما تفكر بالكون تقف أمام عظمة الله عز وجل ، فلذلك احرص أن يمتلئ القلب تعظيماً لله ، هذه حالة .

1 – التفكر في المخلوقات :

 

البـعـوضـة :

لو تركنا هذه الآيات العظيمة الدالة على عظمة الله ، وانتقلنا إلى أصغر مخلوق ، هل يعقل أن يكون في رأس البعوضة مئة عين ، وفي فمها ثمانية وأربعون سناً ، وفي صدرها ثلاثة قلوب ، قلب مركزي ، وقلب لكل جناح ، وتملك  جهاز رادار حساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المئوية ، وتملك جهاز تحليل ، وجهاز تخدير ، وجهاز تمييع ، وتملك في أرجلها محاجم ومخالب ، معقول ؟ انتقلنا من مجرات إلى بعوضة ، هذا الكون كتاب الله مفتوح أمام أيديكم ، هذا الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي ، قال : ذكِّرهم بآلائي ، إذاً : بقدر تفكرك في خلق السماوات والأرض بقدر خشيتك من الله الدليل :

[ سورة فاطر : 28]

إنما أي العلماء وحدهم ، ولا أحد سواهم ، هذا معنى إنما ، وابحثوا عن أداة إنما ماذا تعني ؟ تعني القصر والحصر ، العلماء وحدهم ، ولا أحد سواهم يخشى الله ، قال تعالى :

[ سورة فاطر : 28]

ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي ، النعم من دون أن تشعر مع مخلوق أسدى لك معروفاً تذوب منه خجلاً ، الذي منحك نعمة الإيجاد ، قال تعالى :

[ سورة الإنسان]

الإنـسان :

منحك نعمة الإيجاد ، وأتقن صنعتك ، رأس فيه ثلاثمئة ألف شعرة ، كل شعرة لها وريد وشريان ، وعصب وعضلة وغدة دهنية وغدة صبغية ، في شبكية العين مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط ، العصب البصري تسعمئة ألف عصب الذي يدرس ، ويتعلم ، ويقرأ ما في خلق الإنسان من دقة يجد شيئا يكاد يفوق حد الخيال ، العصب الشمي عشرون مليون عصب ، وكل عصب ينتهي بسبعة أهداب ، والهدب مغمس بمادة تتفاعل مع الرائحة ، تشكل زر كرة صغيرة موشور ، أسطوانة ، مكعب ، رمز كل رائحة شكل ، تشحن للدماغ ، في الدماغ ذاكرة شمية ، أكثر من عشرة آلاف رائحة ، هذا الرمز يجب أن يمشي على عشرة آلاف رمز ، أينما توافقا تقول : وضعتم في الأكل كمون ، عملية معقدة جداً .

يا أيها الإخوة الكرام ، لا بد من أن ترى نعمة الله عليك ، العين في المحجر ، والدماغ في الجمجمة ، والقلب في القفص الصدري ، والرحم في عظم الحوض ، ومعامل كريات الدم الحمراء في نقي العظام ، والنخاع الشوكي في العمود الفقري ، ما هذا الإحكام ؟ لو دخلنا في موضع خلق الإنسان لا ننتهي ، أنت يمكن أن تجلس ساعات طويلة ، خمس ساعات ، سبع ساعات ، وأنت بكامل نشاطك ، وبكامل أناقتك ، وبكامل نظافتك ، لأن في المثانة كل عشرين ثانية تنزل نقطة من إحدى الكليتين ، تتجمع ، لو ما لم يكن لديك مثانة تحتاج إلى فوط دائماً ، تصور قيمة الإنسان لو لم تكن له مثانة ، أنت تفكر في خلق الإنسان ، تفكر لو أن في الشعر أعصاب حس ، تحتاج إلى عملية جراحية حينما تحلق شعرك ، وعملية تخدير كامل ، لو كان في كل شعرة عصب حس ففي الإمكان أن يغدو الإنسان كالوحش ، أو يحتاج إلى عملية اسمها عملية الحلاقة بتخدير كامل ، الشيء الذي ينبغي أن تقصه باستمرار لا عصب حس فيه ، الحديث لا ينتهي ، لكن لا بد أن يكون في قلبك تعظيم أولاً ، ومحبة ثانياً ، المحبة ، قال تعالى :

[ سورة الروم : 21]

 

منحك الذرية ، أولاد يملؤون البيت فرحة ، منحك الهواء الماء ، ماء عذب تشربه ، من جعله عذباً فراتاً بعد أن كان ملحاً أجاجاً ؟ من خزن الماء في الجبال ؟ كيفما تحركت ، أنت تمشي على قدمين لطيفتين بفضل وجود جهاز التوازن ، لولا هذا الجهاز تحتاج إلى قاعدة استناد بسبعين سنتمترا ، وانظر إلى المجسمات للأشخاص في محلات بيع الأقمشة هذا ، المجسم للإنسان أو للمرأة قاعدته سبعون سنتمتراً حتى يقف ، لكن الله عز وجل  لطفاً بك جعل لك قدماً لطيفة تستقر بها واقفاً بفضل جهاز التوازن .

والله أيها الإخوة الكرام ، لو تفكرنا في كل أحوالنا ، بدقائق خلق أجسامنا لأحببت الله عز وجل ، قال تعالى :

[ سورة النمل : 88]

 

الطعام ، الشراب ، الأزهار ، مرة أهدي إلي كتاب عن الأزهار في ثمانية عشر جزءاً ، وكل جزء تقريباً حجمه كبير جداً ، كل صفحة زهرة ، وخصائصها ، وصفاتها ، وطباعها ، هذا لماذا ؟ هذا ليس للطعام ، هذا لإمتاع العين والأنف فقط ، قال تعالى :

[ سورة الإسراء]

Text Box: محبة الله وتعظيمُه :

 

لا بد من أن تعظمه من خلال التفكر في آياته الكونية ، ولا بد من أن تحبه  ، أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه .

الإسلام من دون حب جسد بلا روح :

صدقوا أيها الإخوة الكرام ، الإسلام من دون حب جسد من دون روح ، الأب يكون مصدر سعادة الأسرة ، يدخل إلى البيت ، فإذا في البيت عيد ، الصغار يقدمون عليه ، يتعلقون به يحملهم ، يقبلهم ، لمجرد أن يموت يخاف أقرب الناس إليه الدخول إلى غرفته ، يخافون ، وبعد دفنه بأشهر تصبح الغرفة مخيفة ، ما الذي حدث ؟ كيف أن هذه الروح تعطي الأنس ، تعطي المحبة ، الإسلام من دون حب جسد من دون روح ، فارغ متصحر ممل ، الحب محرك ، شخص ركب القطار من الدرجة الأولى ، يدهش بأناقة المقاعد ، ولطاولة التي تكون أمام الركاب ، ببعض المناظر ، لكن بعد حين يمل ، استهلكه ، النافذة مغلقة ، أما لو فتح النافذة ، ورأى المناظر المتجددة لا يمل ، فإذا تعلق الإنسان بالدنيا فلدنيا مملة ، انظر إلى كبار الأغنياء ، أو إلى كبار الأقوياء ، ملوا حياتهم ، سئموا هذا البيت الكبير ، سئموا هذه المركبات الفارهة ، سئموا أنفس أنواع الطعام ، الحياة من دون اتصال بالله مملة .

أيها الإخوة الكرام ، يحضرني هذا المثل ، بيت فيه عدد من الأجهزة الكهربائية ، مكيفات ، ثريات ، مراوح ، ثلاجة ، غسالة ، أي جهاز كهربائي من أعلى مستوى تصوره في البيت ، لكن من غير كهرباء ، أعباء ، كتل حديد لا معنى لها إطلاقاً ، لكن إذا سرت الكهرباء في البيت كان لكل جهاز معنى ، الثلاجة تبرد ، والمكيف يبرد ، و الميكروويف يسخن ، والمروحة تدور ، والمسجلة تصدح بالقرآن الكريم ، كل شيء صار فيه حياة ، والاتصال بالله يشبه سريان الكهرباء في كل هذه الأجهزة ، المؤمن زواجه له معنى ، زواجه مسعد ، وأولاده مسعدون ، وحرفته يسعد بها ، كل حركاته وسكناته مسعدة ، لأن فيها اتصالا بالله ، لذلك ذكرهم بآلائي من أجل أن يعظموني ، وذكرهم بنعمائي من أجل أن يحبوني ، وذكرهم ببلائي .

Text Box: احذروا انتقام الله :

 

مرة التقيت مع إنسان له عمل بإمكانه أن يوقع الأذى بأعداد لا تنتهي من الناس ، قلت له : الله عز وجل عنده ورم خبيث بالدماغ ، بالجهاز الهضمي ، بالكليتين ، بالعظام ، بالعقد الليمفاوية ، وعنده تشمع كبد ، وعنده فشل كلوي ، وما من مرض عضال ينهد له الإنسان إلا ذكرته له ، وهؤلاء العباد جميعاً عباده ، وإذا كنت بطلاً فيجب أن تهيئ لله جواباً عن كل عمل تعمله ، يجب أن تخاف .

تجاوز إنسان حده مع إنسان صالح يوم في اليوم الثاني ارتكب حادثا قطع عاموده الفقري ، عمره اثنتان وثلاثون سنة ، وهو طريح الفراش إلى أن يموت ، الله عز وجل  كبير ، الله عز وجل ، عنده مصائب تجعل الحليم حيران .

مرة خطيب مسجد في بلد عربي ، هكذا سمعت ، يقول في خطبته : اللهم من أراد بهذا المسجد سوءاً ، من أراد إطفاء النور في هذا المسجد أصبه بسرطان في دمه ، وعمىً في عينيه ، وشلل في يديه ، حتى يتمنى الموت فلا يجده ، الله عز وجل عنده مصائب تنهد لها الجبال نراها بالعين .

 

Text Box: قد يكون الموت رحمة للإنسان :

 

والله أيها الإخوة الكرام ، بعض المصائب يصبح الموت أكبر نعمة على الإطلاق .

قال لي أخ : لي والدة نقيدها من رجليها ويديها إلى مكان نومها ، قلت له : لماذا ؟ قال : لأنها إذا كانت يداها طليقتين تأكل غائطها ، وتخلع كل ثيابها ، ولها على الحالة اثنتي عشرة سنة ، أليس الموت رحمة ؟ الله عز وجل عنده مصائب تهد لها الجبال .

ذكرهم بآلائي ، و نعمائي ، و بلائي ، لذلك من تمام علو الهمة أن تذكر دائماً عظمة الله ، وأن تذكر نعمه ، وأن تذكر ما عنده من مصائب ، ذكرهم بآلائي من أجل أن يعظموني ، وذكرهم بنعمائي من أجل أن يحبوني ، وذكرهم ببلائي كي يخافوني .

أيها الإخوة الكرام ، أنا لا أرى أغبى ممن لا يخاف الله ، هذا الذي لم يمت بعد ، والذي هدم سبعين ألف بيت ، والذي تجبر في الأرض إلى الآن لم يمت ، أنت في قبضة الله ، أقل مرض ينهي حياة الإنسان ، وليت الحياة تنتهي ، أحياناً يعذب سنوات طويلة ، لذلك رأس الحكمة مخافة الله ، ولن نجد أغبى ممن لا يخاف الله ، أو ممن لا يدخل الله في حساباته .

أيها الإخوة الكرام ، ذكرهم بآلائي من أجل أن يعظموني ، وذكرهم بنعمائي من أجل أن يحبوني ، وذكرهم ببلائي كي يخافوني ، وهذا حال القلب ، هذا هو الإيمان ، أن تحب الله ، أن تخشاه ، أن تعظمه .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi