English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

أحاديث فجر رمضان : مقاصد الشريعة ـ الزكاة : فجر 11 رمضان  ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس مقاصد الشريعة الإسلامية ، بدأنا بالنطق بالشهادة ، ثم بالصلاة ، ثم بالصيام ، وها نحن ننتقل إلى الزكاة .

 

Text Box: مقدمات حول الزكاة :

 

1 – قوانين الكون ثابتة مطّردة :

 

أيها الإخوة ، الله جل جلاله واجب الوجود ، وما سواه ممكن الوجود ، ممكن الوجود أي : ممكن أن يوجد ، وممكن ألا يوجد ، ممكن أن يوجد على ما هو عليه ، وممكن أن يوجد على غير ما هو عليه ، فالله سبحانه وتعالى ثبّت مليارات القوانين ، قوانين دقيقة إلى درجة مذهلة وثابتة ، ففي هذه الكواكب العملاقة يمكن أن تقول : الشمس تشرق في عام ألفين وسبعين ، في ثلاثة عشر من شهر شباط في الساعة الخامسة ودقيقتين ، دورة هذه الأفلاك بدقة متناهية ، خصائص المواد ، خصائص المعادن ، خصائص البذور ، قوانين السقوط ، قوانين الكثافة ، مليون قانون كله ثابت ، هذا الثبات يوحي بالاستقرار ، على أنك تتعامل مع الأشياء تعاملا مريحا ، معك قوانين ثابتة في أي مكان ، في أي زمان ، قوانين مطردة وشاملة ، فشاءت حكمة الله أن تثبت هذه القوانين كي تستقر الحياة .

البناء مؤلَف من مئة طابق ، أساسه إسمنت وحديد ، لو أن الحديد يغيّر من صفاته ينهار البناء ، فالحديد يبقى حديدا إلى يوم القيامة ، والذهب ذهب ، والمعادن معادن ، والبذور بذور ، والخصائص خصائص ، والقوانين قوانين .

فالشيء الأول في هذا الموضوع أن الله ثبت مليار قضية ، مليار قانون .

 

2 – حركةُ الرزقِ والصحةِ :

 

لكن الله حرك الرزق والصحة ، فهناك فقر ، وهناك غنى أحياناً ، عندك في البيت طاولة في غرفة الضيوف ، فإذا جاءك ضيف ، وقدمت له ضيافة ، توضع هذه الضيافة على هذه الطاولة ، لكن الطاولة لو وقفت عليها فإنها تحتمل وزنك ، لو كانت أوسع لو وقف عليها أربعة أشخاص ، وهي مصممة لاستخدام مئتي غرام ، أربعمئة غرام ، معها احتياط كبير جداً ، لذلك هذه الطاولة لا تفنى بسبب أن معها احتياطا عاليا جداً ، كان من الممكن أن يكون لكل جهاز بجسمنا احتياط مئة ضعف فلا نمرض ، وكان من الممكن أن يتمتع الإنسان بالصحة وبالشباب حتى سن التسعين ، وحتى الموت ، كما كان الإنسان في السابعة عشر من العمر ، في القلب مئتا ضعف ، وفي الكليتين مئتا ضعف ، بكل جهاز في الجسم فيه احتياط كبير جداً ، إذاً : ليس هناك مرض ، لكن الإنسان جعله بالتعبير المعاصر سريع العطب ، وأحيانا خثرة في الدماغ تنهي حياته ، تنهي حركته ، تنهي رؤيته ، تنهي ذاكرته ، فالإنسان مصمم ليكون سريع العطب ، إذاً : المرض بتقدير الله عز وجل ، وأحد وسائل التأديب ، وكذلك الرزق .

أحياناً تأتي الأمطار الغزيرة فتحل مشكلات الناس ، أحياناً يكون هناك شح في المياه ، فيأتي الجفاف فيسبِّب نزوحا ، إذاً : الرزق والصحة ليسا ثابتين .

 

3 – بين التقدير الربّاني والتقنين البشري :

 

لذلك ننطلق في الزكاة من أن الله سبحانه وتعالى جعل الغنى ، وجعل الفقر ، فهو الرزاق ، يرزق بعير حساب ، أو يقنن ، لكن تقنين الله عز وجل لا يمكن أن يفسر بتقنين عجز ، بل هو تقنين تأديب ، أما نحن فنقنن الماء ، لأن الكمية أقل من الاستهلاك ، فنقنن الكهرباء ، لأن الكمية أقل من الاستهلاك ، فالتقنين الإلهي تقنين تأديب ، أما التقنين البشري فهو تقنين عجز .

إذاً : لحكمة بالغة هناك إنسان دخله محدود ، وإنسان دخله غير محدود ، لكن بعضهم قال : المجموع ثابت ، صاحب الدخل المحدود يقابل دخلَه المحدود طمأنينةٌ ، أو أنه معفى من هموم لا تحتمل ، والذي دخله غير محدود يقابله هموم لا تحتمل ، لعل الله عز وجل وزع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء ، فالوسامة حظ ، والزكاة حظ ، والمال حظ ، والصحة حظ ، هذه الحظوظ موزعة في الدنيا توزع ابتلاء ، قال تعالى :

 ( سورة الإسراء )

هناك إنسان كل صفقة بمئة مليون ليرة ، وإنسان آخر دخله لا يكفي خمسة أيام ، يعاني الجوع ومن الديون .

Text Box: بين فقر الكسل وفقر العجز وفقر الإنفاق :

بالمناسبة لا بد من توضيح الحقيقة التالية : هناك فقر الكسل ، وهذا الفقر مذموم ، الكسول المهمِل غير المتقن الإرجائي ، الذي يسوف ، الذي لا يحب عمله ، هذا فقير حتماً ، هذا فقر مذموم ، أنا أسميه فقر الكسل .

وهناك فقر القدر ، إنسان معه عاهة تمنعه من كسب المال ، صاحبه معذور ، فقر القدر صاحبه معذور ، وفقر الكسل صاحبه مذموم .

أؤكد لكم أن البلاد المتخلفة النامية تعاني فقر الكسل ، الوقت ليس له قيمة ، الإتقان ليس له قيمة ، فلا إتقان ، ولا إدارة وقت ، ولا تطوير عمل ، ولا تحسين ، ولا معاملة طيبة ، بل المعاملة سيئة ، وتقصير ، وإهمال ، وتسويف ، فصاحب هذا المشروع لا يربح ، بل يعاني الفقر ، وهذا فقر مذموم .

وعندنا فقر معذور صاحبه ، وفقر صاحبه محمود ، اسمه فقر الإنفاق ، يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال :الله ورسوله ، أنفق كل ماله ، فنحن إذا قلنا : فقر ، فهناك فقر صاحبه مذموم ، لكن إذا قلنا : فقر آخر ، فقر القدر صاحبه معذور .

4 – الحكمة الربانية في توزيع حظوظ الدنيا :

إذاً : اقتضت حكمة الله عز وجل أن يوزع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء .

للتقريب : مستورد كبير حجمه المالي مئات الملايين ، وبائع صحون في سوق شعبي يعمل عشر ساعات حتى يأتي بطعام يومه ، قال تعالى :

 ( سورة الإسراء)

التفضيلُ بينَ إنسان مساحة بيته ألف متر ، وإنسان آخر ساكن في غرفة واحدة ، بين رئيس أركان ومجند غر ، بين أستاذ جامعي ومعلم في قرية ، بين طبيب جراح وممرض ، هناك تفاوت في الحظوظ واسع جداً ، قال تعالى :

( سورة الإسراء)

بيت ثمنه مئة وثمانون مليون ليرة ، وخيمة شعر ودابة ، هذا متاعه كله ، هذه الخيمة وفراش ودابة ، قال تعالى :

 

( سورة الإسراء)

مراتب الدنيا لا معنى لها ، لأنها مؤقتة ، وقد تعني العكس ، لذلك المترفون المذكورون في القرآن الكريم كلهم كفار ، الله عز وجل ذكر الترف في ثماني آيات ، والمترف كافر ، المؤمن الغني له وضع خاص ، متواضع ، إنفاقه معتدل ، فلا بذخ ، ولا إسراف ، ولا إتراف ، ولا تبذير ، المؤمن سخي كريم ، هذا موضوع ثان ، المؤمن تحبه غنياً من تواضعه ، ومن كرمه ، ومن إنفاقه المعتدل ، وتحبه فقيراً من تعففه ، ومن صبره ، ومن عزة نفسه ، تحبه متعلماً من تألق فكره ، وتحبه غير متعلم من بساطته وطيبه ، فكلمة مؤمن لا تحتمل كلمة ثانية بعدها ، والحقيقة أنه لا يجوز أن تضيف على كلمة ( مؤمن ) ولا كلمة ، هذا موضوع ثانٍ ، قال تعالى :

 ( سورة الإسراء)

مراتب الدنيا لا تعني شيئاً ، قال تعالى :

 

 ( سورة الأنعام : 44)

لكن يا أيها الإخوة ، بطولتنا جميعاً أن يكون لنا في الآخرة مقعد صدق عند مليك مقتدر ، حظوظ الآخرة أبدية ، وتعني كل شيء ، وفي الدنيا لا تعني شيئاً :

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ ، لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ... )) .

[ الترمذي ]

أما في الآخرة فالمراتب العلية في الجنة تعني أن هذا الإنسان مؤمن ، والآن يقبض الثمن ، ثمن طاعته في الدنيا لله عز وجل ، هذه مقدمة .

 

Text Box: ليس في الإمكان أبدع مما كان :

 

إذاً : من تقدير الله عز وجل أن هناك غنيا وفقيراً ، وفي الأثر : " إن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر ، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه ، وإن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى ، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه " ، فلذلك ليس في الإمكان أبدع مما كان ، وحينما يكشف الله لك حكمة قضائه وقدره ينبغي أن تذوب محبة لله .

هنا نقطة دقيقة في الموضوع ، وهي أن الله سبحانه وتعالى علم ما كان ، وعلم ما يكون ، ويعلم ما سيكون ، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، إنسان له دخل محدود يلتزم المسجد ، يؤدي صلواته ، يحج ، يعتمر ، يدفع زكاته ، يحب الله عز وجل ورسوله ، يحب أهل العلم ، يحب العمل الصالح ، يا ترى هذا الإنسان لو أعطيناه ألف مليون كيف يكون ؟ لا أحد يعلم إلا الله ، علم ما كان ، وعلم ما يكون ، ويعلم ما سيكون ، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، لذلك ليس في الإمكان أبدع مما كان .

جاء أحدُهم في عصر متأخر فيه فسق فجور ، وانحراف ومعاصٍ وآثام ، فيكون هو متفوقا جداً باستقامته ، هذا الإنسان الذي هو متفوق في آخر الزمان مع العصاة والمنحرفين إنْ علم لو كان بين الصحابة لكان منافقاً ، فالإنسان يستسلم لله عز وجل حتى في الزمان ، فأنت مخير ، لكنك مسير في مجموعة قضايا ، هل استشارك أحد في كونك ذكرا أو أنثى ؟ هل أنت مخير في جنسك ؟

أحيانا يأتي الجنين بنتا ، وأحيانا يأتي ابنا ، هذا الصبي هل أحد سأله : ماذا تحب أن تكون حسب رغبتك ذكرًا أم أنثى ؟ فأنت مسير في جنسك ، مسير في والدك ووالدتك ، من اختار أباه أو أمه ؟

مرة شكا لي أحدهم من والدته كثيرا ، قلت له : طلقها ، قال : كيف أطلقها ؟ قلت له : هذه قدرك ، الأم والأب قدر ، فتعامل معهما كقدر .

مَن استشار الإنسانَ بقدراته العامة ؟ هناك إنسان متألق الذكاء ، وإنسان أقلّ ، وإنسان محدود جداً ، من استشارك في شكلك ؟ فلا شكلك بيدك ، ولا طولك بيدك ، ولا لونك بيدك ، ولا ذكاءك بيدك ، ولا طلاقتك بيدك ، فأنت مسير في أشياء ، فيجب أن تعلم علم اليقين أن هذا الذي سيرت به محض كمال ، ومحض خير لك ، وليس في الإمكان أبدع مما كان .

 

Text Box: آيةٌ أصلٌ في الزكاة :

 

 

الآن وصلنا إلى درس مقاصد الشريعة في الزكاة ، الآية الأصل في هذا الموضوع :

 ( سورة التوبة)

Text Box: 1 ـ الحكمةُ مِن ورودِ كلمة ( أموال ) جمعًا :

 

كلمة ( أموال ) جاءت جمعا ، فالزكاة واجبة في جميع الأموال ، عندك إنتاج زراعي فيه زكاة .

قال لي أحدهم : هل على العسل زكاة ؟ قلت : نعم ، قال : إذا ما دفعت ؟ قلت : قراد النحل جاهز ، هذه حشرة تصيب الخلايا فتدمرها ، وما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة ، العسل عليه زكاة ، والإنتاج الزراعي عليه زكاة ، وقطيع غنم في عليه زكاة ، قطيع بقر في عليه زكاة ، قطيع إبل في عليه زكاة ، معه مال في عليه زكاة ورقي في عليه زكاة ، ذهب عليه زكاة ، عنده بضاعة عروض تجارة عليها زكاة  .

 

 ( سورة التوبة)

ثروات باطنية كالبترول ، هذا البترول ملك المسلمين ، يجب أن يدفع عشرين بالمئة من قيمته لفقراء المسلمين ، هذا الحكم الشرعي ، أنت مسلم عندك حقل نفط ، وهناك بلاد تموت من الجوع ، وبلاد تموت من التخمة ، وهناك دخول فلكية من البترول لا يتصورها العقل ، وهناك دول فقيرة جداً ، البلاد النفطية عليها زكاة على مستوى دول للدول الفقيرة ، هذه ليست مساعدة ، بل حق .

 ( سورة التوبة)

Text Box: 2 ـ الحكمةُ مِن ورودِ ضمير ( هُم ) جمعًا :

من جميع أموالهم جاءت كلمة ( أموال ) جمعا ، وضمير ( هم ) ضمير جمع ، فما مِن مسلم معفى من الزكاة .

أحيانا يقول لك : تطوى الضريبة عن فلان ، وفي الإسلام ليس هناك طي للزكاة ، والإسلام ما فيه ضريبة ، بل فيه زكاة ، والضريبة جاءت من الضرب ، أما الزكاة فجاءت من التزكية ، لذلك كلمة ( أموالهم ) هي جمع ، وضمير الغائب جمع ، إذاً : لا يعفى منها أحد ، وتجب في جميع الأموال .

 ( سورة التوبة)

أيْ : تؤكد صدقهم .

أحيانا يكون عمل الإنسان كلاما في كلام ، أما الدفع في المال فغير ذلك ، لأنها أموال تحبها ، تحبها حباً جما ، تحبها أن تكون لك ، وأن تنفقها على نفسك ، فيأتي الشرع أنفقها أطعم الفقراء والمساكين .

 ( سورة التوبة)

Text Box: 3 ـ الحكمةُ مِن ورودِ كلمة ( صدقة ) في الآية :

 

الصدقة هنا معناها الزكاة ، لماذا جاءت كلمة صدقة مكان الزكاة ؟ من أجل أنها تؤكد صدقك في محبتك لله عز وجل لأنه :

 

 

 ( سورة آل عمران)

 ( سورة التوبة)

Text Box: مقاصد الشريعة الربانية الزكاة :

 

 

1 – الزكاة تطهير لنفس الغني من الشُح :

 

ما حكمتها ؟ قال : تطهرهم ، الغني معرض لمرض خطير ، كيف أن الجسم معرض لمرض السرطان ، وأخطر مرض قاتل مميت للغني هو مرضُ الشح ، قال تعالى :

 

 ( سورة الحشر)

2 – الزكاة تطهير لنفس الفقير من الحقد :

 

الفقير معرّض لمرض الحقد ، لأنه يرى قصور الأغنياء ومركباتهم ونساءهم كاسيات عاريات ، وحفلاتهم وبذخهم فيقول : عرس كلّف خمسة وثمانين مليونًا ، جيء بالورود من هولندا ، والثياب من فرنسا ، والعطور من بلد كذا ، الفقير شاهد هذا الغنى والترف والبذخ فحقد ، فالزكاة تطهر الفقير من الحقد والغني من الشح .

3 – الزكاة تطهير للمال من تعلُّق حقِّ الفقير به :

 

والزكاة تطهر المال من تعلق حق الفقير به .

إذا كان في المال حق الفقير ، ولم يدفع الغني ترى مصادرات ، وحريقا بمعمل بمئتي مليون في ساعات ، فإذا لم تدفع الزكاة يحترق المعمل ، لأنه ما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة ، فحصِّنوا أموالكم بالزكاة .

الفقير يطهر من الحقد ، فصار حارسا للغني ، والغني يطهَّر من الشح ، والمال يطهَّر من تعلق حق الغير به .

4 – الزكاة تطهير للمجتمع من التفاوت الطبقي :

والمجتمع يطهر من تفاوت طبقي لا يحتمل .

والله أحياناً تجد إنسانا ينقب في الحاوية ، تراه بعينك في بلاد فيها تفاوت طبقي كبير جداً .

حدثني أخ في بلد من بلاد المسلمين لا أسميه يقدم الإنسان لضيوفه قعودا ، يعني جملا فتيًّا ، لحمه طري جداً ، مع الأرز ، وهو طعام نفيس ، والمدعوون خمسة أشخاص يأكلون طعام مئتي رجلٍ ، والباقي إلى الحاوية ، لا يأكل أحد من بعدنا ، فهذا بذخ وترف تخرج فيه من جلدك ، وأنت ترى فقرا مدقعا ، وإنسانا يأكل من الحاوية ، فلذلك المجتمع الذي تؤدى فيه الزكاة لا تجد فيه تفاوتا طبقيا كبيرا ، هذا المعنى الأول تطهرهم .

5 – الزكاة تزكية لنفس الغني :

 

الآن : ] وَتُزَكِّيهِم [ .

تصور أنك وزعت زكاة مالك على من حولك ثلاثين شخصا فرضاً ، فأنت في قلب ثلاثين شخصا ، فكلما التقيت معهم رحبوا بك ، ودعَوا لك ، ولما تنعش الفقير بطعام وبشراب وبكساء يحل مشكلة بشراء بيت ، أو بتأمين عمل ، فالغني يعيش بين أحباء ، بين أشخاص محبين ، يثنون عليه ، فتنمو نفس الغني .

أحيانا يزوج الأب أولاده ، كل ولد في بيت ، يكون ميسورا ، فيزور أولاده ، فترى احتراما منقطع النظير ، لأن الله هيئ له عن طريق والده بيتا وزوجة وعملا فيعيش ميسور الحال ، ووالده سعى له بهذا الشيء .

حينما تحسن للآخرين تملك قلوبهم ، فتنمو نفسُك .

6 – الزكاة تزكية لنفس الفقير :

 

ونفس الفقير تنمو ، هو محروم ، لكن لما جاءته أموال الزكاة ، وانتعش بها شعر بمكانته في مجتمعه ، لأن أناسا اهتموا به ، اهتموا بفقره ، اهتموا بحاجته .

قد يكون الإنسان مريضا ، وعليه مبلغ لعملية لا يملكه ، فيأتي غني يقول له : تفضل ، فيدعو له : أعزك الله ، متعك الله بالصحة ، فالفقير نمت نفسه ، والغني نمت نفسه .

7 – الزكاة تزكية لنفس الغني :

 

والمال ينمو ، وفي الحديث :

(( أنفق بلال ، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا )) .

[ الطبراني في المعجم الكبير والأوسط بسند حسن عن أبي هريرة ]

عبدي :

(( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ )) .

[ ابن ماجه عن أبي هريرة ]

والله هناك قصص ي هذا المجال لا تعد ولا تحصى ، وفي هذا الجامع أحد إخوتنا الكرام له قريب أستاذ جامعة توفي بمرض عضال ، فقال هذا الأخ لأولاده : الديون علي إن شاء الله ، مع أنه توقع أنها عشرة آلاف إلى عشرين أو ثلاثين ألفَ ليرة يدفعها ، فلما سألهم بعد يومين قالوا : الديون ثلاثمئة وثمانون ألفا ، فدفعها ، حدثني في الصحن ، ودمعت عينه ، قال : عندي بضاعة كاسدة منذ عشر سنوات ، جاء من اشتراها ، ونصيبي من الربح ثلاثمئة وثمانون ألفا ، (( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ )) ، وكل إنسان محسن يعرف مئة قصة أو مئتي قصة في هذا الموضوع ، لذلك المال الذي أوديت زكاته يزكو ، والمال يحصَّن ، والمال يبارك فيه ، لذلك لا يجوز لك أن تصف إنسانا بالشح إذا أدى زكاة ماله أبداً .

 ( سورة التوبة)

8 – الزكاة تُذهِب شرَّ المال :

 

ومن أدى زكاة ماله أذهب الله عنه شرَّ ماله ، المال له شر ، أحياناً المال سبب الدمار ، والمال قد ينتهي بقتل ، قد ينتهي بتدمير أسرة ، قد ينتهي بطلاق ، ومن أدى زكاة ماله أذهب عنه شرَّ ماله .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi