English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

أحاديث رمضان : قوانين القرآن الكريم ـ درس التراويح ( 5 ) : التاريخ : 12 / رمضان / 2007 ـ الالتفاف والانفضاض ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

Text Box: مقدمة :

 

أيها الإخوة ، مع درس جديد من دروس سنن الله في خلقه ، وقانون اليوم قانون الالتفاف والانفضاض ، وما أهمية هذا القانون ؟ .

 

1 – الإنسان مخلوق للجنة :

 

الإنسان أيها الإخوة حينما يؤمن إيماناً يقينياً بحسب القرآن الكريم أنه مخلوق للجنة ، وأن في الجنة :

(( مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ )) .

[ متفق عليه عن أبي هريرة ] .  

وأن هذه الحياة الدنيا حياة دنيا ، زائلة ، لا قيمة لها ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ )) .

[ رواه الترمذي ] .

وأن هذه الدنيا ممر ، وليست مقرا ، وأنها دار تكليف لا دار تشريف ، وأنها دار عمل لا دار أمل ، وأن هذه الدنيا مزرعة الآخرة ، وأن هذه الدنيا فيها جنة هي جنة القرب .

حينما يؤمن الإنسان أنه مخلوق للجنة ، وأن أكبر فوز يفوزه هو إذا :

 

 

﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ﴾ .

( سورة آل عمران الآية : 185 ) .

وأن أكبر خسارة يتحملها إذا خسر الدار الآخرة .

 

 

 

 

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ .

( سورة الزمر الآية : 15 ) .

 

2 – لابد للإنسان من الإحسان إلى الخَلق :

 

إذا آمن أنه مخلوق للجنة ، وهو الآن في الدنيا ، ما هو أفضل عمل على  الإطلاق ؟ أن يعمل عملاً يؤهله لدخول الجنة ، هذا العمل متعلق مع البشر ، إذا كان صادقاً  أميناً ، مخلصاً ، عدلاً ، رحيماً ، وقافاً عند حدود الله ، هؤلاء البشر مهمتك الأولى أن تدلهم على الله ، فلابد من أن يلتفتوا حولك .

 

Text Box: قانون الالتفاف والانفضاض :

 

1 – أهمية قانون الالتفاف والانفضاض :

 

هنا جاءت أهمية هذا القانون ، الدعاة ، المربون ، أولياء الأمور ، أيّ إنسان له منصب قيادي ، أو عمل دعوي ، بدءاً من الأب ، وانتهاءً بأمير المؤمنين .

لذلك ما هو قانون أن يلتف الناس حولك ؟ وأن يحبوك ، وأن يصغوا إليك ، وأن يهتموا بكلامك ؟ وأن يطيعوا أمرك ، يجب أن يلتفوا حولك ، كيف يلتفون حولك ؟ الجواب في هذه الآية ، أما إذا انفضوا من حولك فهل تستطيع أن تقدم لهم خدمة ، أو أن تهديهم إلى سواء السبيل ، أو أن تأخذ بيدهم إلى الله ، أو أن يصدقوك .

لذلك الأب ، الأم ، المعلم ، المؤمن ، إي إنسان يحتاج لهذا القانون كي يتخذه سبباً للالتفاف الناس حولك .

2 – أعظمُ عملٍ هدايةُ الناس إلى الله  :

 

مثلاً النبي عليه الصلاة والسلام يقول : يا علي :

(( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ  )) .

[ متفق عليه عن سهل بن سعد] .

أعظم عمل على الإطلاق أن تأخذ بيد إنسان إلى الله ، والله شكور .

(( خير له مما طلعت عليه الشمس )) .

[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ] .

 (( خير لك من الدنيا وما فيها )) .

[ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ] .

إذاً : أنا أخاطب من آمن بالله الإيمان الذي حمله على طاعته ، ومن آمن باليوم الآخر الإيمان الذي متعه أن يؤذي مخلوقاً ، أنه مخلوق للجنة ، وأن ثمن الجنة يدفع في الدنيا ، وأن أعظم ثمن ، وأربح عمل أن تكون سبباً في هداية الخلق ، وأن الخلق لا يهتدوا بك إلا إذا التفوا حولك ، كيف يلتفون حولك ؟ هذا قانون الالتفاف ، ولماذا ينفضون عنك ، هذا قانون الانفضاض .

3 – البطولة أن تدخل الكلمة قلب السامع  :

 

فلذلك أيها الإخوة ، البطولة لا أن تقول كلمة الحق ، أن تدخل هذه الكلمة إلى قلب من يسمعك ، البطولة لا أن تلقي كلاماً ، أن تحدث تأثيراً ، البطولة لا أن تعرض عضلاتك علينا ، ولكن البطولة أن تأخذ بأيدينا إلى الله .

فلذلك أي إنسان بلغ درجة اليقين أنه مخلوق للجنة ، وأن ثمن الجنة يدفع في الدنيا ، وأن أعظم عمل في الدنيا أن تكون سبباً في هداية الآخرين ، إنه قانون الالتفاف ، وقانون الانفضاض .

أحياناً يشكي الزوج أن زوجته ليست معه ، وأن أولاده ليسوا معه ، أحياناً يشكو المعلم أن طلابه لا يلتفتون إليه ، أحياناً يشكو المربي أن من حوله ليسوا كما ينبغي أن يكونوا ، كل هذه المشكلات ، وتلك الإيجابيات مذكورة في قانون الالتفاف والانفضاض .

 

Text Box: أصلُ قانون الالتفاف والانفضاض في القرآن الكريم :

 

Text Box: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك

 

هذا القانون أيها الإخوة ، يقول الله عز وجل يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام :

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَة ﴾ .

( سورة آل عمران الآية : 159 ) .

الباء هنا باء السببية :

 

 

﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾ .

( سورة النساء الآية : 160 ) .

هذه باء السبب .

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ .

( سورة آل عمران الآية : 159 ) .

أي بسبب رحمة استقرت بقلبك يا محمد ﴿ لِنتَ لَهُمْ ﴾ ، من أين جاءته هذه الرحمة ؟ من اتصاله بالله .

 

Text Box: حقائق قانون الالتفاف والانفضاض :

 

 

1 – مكارم الأخلاق مخزونة عند الله :

 

الآن الحقيقة الأولى أن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى ، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً ، الأخلاق الأصيلة التي لا تتأثر لا بإقبال الدنيا ، ولا بإدبارها ، ولا بثناء الناس ولا بذمهم .

الأخلاق الأصيلة التي تقبل بها على الله ، التي تعد قربة إلى الله .

الأخلاق الأصيلة تتأتى إليك من اتصالك بالله ، ومستحيل أن تتصل بالرحيم وتكون قاسي القلب ، مستحيل أن تتصل بالعدل وتكون ظالماً ، مستحيل أن تتصل باللطيف ، وتكون فظاً غليظاً ، مستحيل .

لذلك علامة إيمان المؤمن ، وعلامة إحكام صلته بالله أن يشتق الكمال من الله  ، قال تعالى :

 

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ .

( سورة الأعراف الآية : 180 ) .

يعني اتصلوا به ، واشتقوا من كمال كمالاً ليكون هذا الكمال اتصالاً به   ودعوتكم له .

﴿ فَبِمَا ﴾ الباء باء السبب ، أي : بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد  ، بسبب اتصالك بنا ، اتصلت ، في القلب في رحمة ، ترحم أهلك ، ترحم أباك ، ترحم أمك  ، ترحم زوجتك ، ترحم أولادك ، ترحم المريض إن كنت طبيباً ، ترحم هذا الموكل إن كنت محامياً ، ترحم صاحب هذه الأرض إن كنت مهندساً .

(( إن كنتم ترجون رحمتي فارحموا خلقي )) .

[ رواه الديلمي عن أبي بكر ] .

أيها الإخوة الكرام ، ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ .

 

2 – الرحمة تنعكس لينًا :

 

القلب الرحيم ينعكس ليناً في المعاملة ، والمؤمن الرحيم لطيف مؤنس ، يألف ويؤلف ، تحب من حولك ، ترعى مصالحهم ، تهتم بمشاعرهم ، تحترمهم ، توقرهم ، لا تستعلي عليهم ، لا تتطاول عليهم .

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ .

هذا اللين انعكاس الرحمة ، بالقلب في رحمة ، بالسلوك في لين .

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ ، وَإِذَا اشْتَرَى ، وَإِذَا اقْتَضَى )) .

[ البخاري ] .

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ .

 

3 – القلب القاسي ينعكس معاملة قاسية :

 

بالمقابل ما سبب انفضاض الناس عنك ؟ تحمل شهادة عليا ، طليق اللسان ، المتكلم ، معك الحجة والتحليل ، ما معك أحد .

 

﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ﴾ .

( سورة آل عمران الآية : 159 ) .

أي : لو كنت منقطعاً عنا ، فإذا انقطع الإنسان عن الله عز وجل امتلأ قلبه قسوة ، وهذه القسوة تترجم غلظة وفظاظة .

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ﴾ .

 ( سورة آل عمران الآية : 159 ) .

هل تحب أن يلتف ابنك حولك ؟ كن ليناً معه ، كن رحيماً به ، كن منصفاً في عملك .

هل تحب أن تميل زوجتك إليك ، وتطيعك ، وتنفذ أمرك ، وما تخونك ، وما تفرط في مالك ، وتكون طوع إرادتك ؟ كن لطيفاً معها .

 

4 – الرحمة ضرورية في قلب الإنسان :

 

بسبب رحمة استقرت بقلبك يا محمد ، ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ .

أما إذا رأيت الناس قد نفروا عنك في قسوة ، في غلظة ، في فظاظة ، فإن القسوة في القلب تترجم إلى غلظة وإلى فظاظة .

عن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

(( خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَمَا قَالَ لِي : أُفٍّ ، وَلَا لِمَ صَنَعْتَ ؟ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ ؟ )) .

[ متفق عليه ]

كان النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليناً ، وكان يقول :

(( أكرموا النساء ، فوالله ما أكرمهن إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم  )) .

[ ابن عساكر عن علي بسند فيه مقال كبير ]

كان يسمي النساء المؤنسات الغاليات .

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :

(( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ ، فَمَا نُقَبِّلُهُمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ ؟ )) .

[ متفق عليه ]

يا إخواننا الكرام ، مقياس دقيق دقيق ، هل ترحم من حولك ؟ هل تشعر بدافع قوي إلى أن ترحم من حولك ؟ علامة إيمانك ورب الكعبة ، أما القلب القاسي :

﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ .

( سورة الزمر الآية : 22 ) .

كل يدعي وصلاً بليلى        وليلى لا تقر لهم بذاكا

هل في قلبك رحمة ؟ هل في قلبك رحمة لهرة ؟ هل في قلبك رحمة لنملة تصعد على المغسلة ، وفتحت الماء وأغرقتها ؟ ما شاء الله ، هناك إنسان يسمح لها أن تنقذ نفسها ، والله رحمتك لنملة لا يضيع عند الله أجرها ، ووالله إن المؤمن لا يستطيع أن يدوس نملة عن قصد .

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ .

المؤمن رحيم ، المؤمن قلبه رحيم ، المؤمن لطيف ، المؤمن لين ، المؤمن يحب من حوله .

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ .

لو كنت منقطعاً عنا لامتلأ قلبك قسوة ، ولانعكست القسوة غلظة وفظاظة ، عندئذٍ ينفض الناس عنك ، هذا الكلام يحتاجه الأب ، يحتاجه المعلم ، يحتاجه المربي ، يحتاجه الشيخ ، يحتاجه الداعية ، يحتاجه مدير المؤسسة ، حتى تتحرك الفعاليات في المؤسسة براحة ، وبنفس رضية ، وبرغبة بالخدمة .

كنت في بلد بعيد جداً ، وهو متفوق في صناعة السيارات ، زرت أحد المعامل ، وأنبأني كبير المهندسين أن هذا البلد هو الأول في العالم في صناعة السيارات ، ثم فوجئ أن على الطرقات كل عشر سيارات ثماني سيارات صنعت في اليابان ، فقد غزيت هذه البلاد المتفوقة في صناعة السيارات في عقر دارها ، كل عشر سيارات في أمريكا ثمانية من صنع اليابان ، يقول لي هذا المهندس : أرسلوا خبراء إلى تلك البلاد ، ليدرسوا أين التفوق ، فوجئوا أنهم ليسوا متفوقين كالبلد الذي جاؤوا منها إطلاقاً ، أين التفوق ؟ هكذا قال لي بالتعبير الأجنبي : سيسولوجي ، أي اجتماعي ، مدير المعمل يأكل مع العمال ، يطمئنهم  ، يرعى مصالحهم ، يهتم بهم ، المعمل لا يمكن أن يسرح عماله ، هذا عامل ثابت ، لا يسرح  ، هذا الود الشديد بين مدير المعمل والعمال جعل هؤلاء العمال يتقنون عملهم إتقاناً بالغاً ، وإتقان العمل انعكس رواجا لهذه السيارة ، وانعكس مبيعات عالية جداً ، بالحرف الواحد قال لي : سبب التفوق ليس تقنياً ، ولكنه اجتماعي .

أحيانا يستشير أب ابنه ، فيرفع معنوياته ، في الأعم الأغلب يصعب من تثق به أن يخونك ، فهناك أب يمنح الثقة لابنه ، وهناك أخ يمنح الثقة لأخيه ، وهناك معلم يمنح الثقة لطلابه ، ما دام هناك ثقة متبادلة ، ما دام هناك رحمة ، ما دام هناك لطف ، ما دام هناك لين ، ما الذي يمنع إذا كنت مدير مؤسسة كبيرا ، وعندك مستخدم حاجب ، أن تسأله : كيف الصحة يا بني ؟ هل أنت مرتاح ؟ هل أهلك بخير ؟ والله لا ينسى هذا شهرا ، من كلمة واحدة .

أنا أذكر مرة أخا من إخواننا اشترى بيتا ببعض المدن خارج دمشق ، قال       لي : كلما آتي بحاجة للبيت يفتح جارنا من تحت فيعنني فيها ، شيء جميل ، يأتي لي بإبريق شاي ، قال له : أنت من عرفك بي ؟ قال له : في الجامع ، قال له : هل تحب أن أقول لك قصتي مع هذا الجامع ؟ قال له : تفضل ، قال له : أنا لي ابن خال ، ألح علي في حضور الدروس بشكل غير معقول ، إلى أن أضجرني ، فمرة أردت أن أستجيب له لأرتاح منه ، جاء إلى الدرس ، هو فقير جداً ، ودخْله محدود جداً ، جاء مرة واحدة ليتخلص من ابن خالته ، وأحيانا كلمة تقرب إنسانا منك ، وتجد هناك إنسانا أخذ لنفسه الكهنوت ، والهيمنة ، والسيطرة   .

النبي كان يجلس مع الخادم ، يمشي في الطريق استوقفته امرأة ضعيفة ، فقيرة  فوقف معها طويلاً يكلمها في حاجتها ، معه عدي بن حاتم ، ملِك ، قال : والله ما هذا بأمر ملِك ، هذا نبي ، وليس ملِكا .

لما دخل عليه سيدنا عمر رآه ينام على حصير ، وقد أثر في خده الشريف ، فبكى عمر ، فقال له : يا عمر ماذا يبكيك ؟ قال له : رسول الله ينام على الحصير ، وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ؟!  قال يا عمر ـ دققوا ـ إنما هي نبوة ، وليست ملكاً .

تتواضع ، تلين مع الناس فيحبونك ، ويلتفون حولك ، ساعتئذٍ يصغون إليك ، ساعتئذٍ ينتبهون إلى كلامك ، ساعتئذٍ يستجيبون لك .

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ .

والله حدثني أخ ، كان في بلد نفطي ، والمدير قاسٍ جداً ، إذا كان قرع الجرس لا يستطيع المدرس أن يشرب كأس ماء ، فوراً إلى الدرس ، قال لي : صببت كأس شاي ، وهممت أن أشربه فقُرع الجرس ، أمامه خادم يسمونه فراشا هناك ، قال لي : أعطيته إياه ، هذا الفرّاش ثاني يوم قال له : أنا هنا لي سنتين ، ما أحد سلم علي ، لماذا قدمت لي هذا الكأس من الشاي ؟ ماذا يقول له ؟ أنا لا أستطيع أن أشربه ، لا ، قال له : أنت واحد منا ، فأحببت أن أضيفك ، قال له : شكراً ، أنا معي ماجستير ، الفرّاش ، قال لي : معقول ؟ ما صدّقه ، ما عنده عمل في بلده ، وما أتيح له إلا عمل فرّاش في بلدنا ، قال لي : والله ما صدقته ، دعيته إلى بيتي ، أتيت له بموسوعة باللغة الإنكليزية ، قال لي : قرأها كالبلبل ، هو غير مسلم ، قال لي : خلال سبع جلسات أسلم ، وأسلم معه اثنا عشر رجلا ، وصاروا يقيمون درسا أسبوعيا في البيت ، هذا كان ثمنه كأس شاي .

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ .

ألا تحب أن تهدي من حولك ، ألا تحب أن يكون الناس محبين لك ؟ لذلك :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ .

 اتصل بالله يمتلئ القلب رحمة ، الرحمة تنعكس لينا ، عندئذٍ يلتف الناس حولك ، ولو لم تكن متصلاً بالله لامتلأ القلب قسوة ، ومع هذه القسوة غلظة وفظاظة ، فينفض الناس من حولك .

أنت كأب يا ترى يكون العيد إذا دخلت إلى البيت ، أم أما إذا خرجت منه ؟ هناك أب يكون العيد بخروجه من البيت ، لأنه قاسٍ في البيت ، كلامه قاس ، فيه سبٌّ ، يقول لابنه : أنت غبي ، وأنت حمار ، وأنت لا تفهم ، وهناك أب يدخل إلى البيت فيكون العيد ، يسأل عن أحوال أبنائه ، كيف دروسك ؟ كيف مدرستك ؟ طمئني عنك ، ما سمعت اليوم في دروسك ؟ هذا درس لنا كلنا ، للأب ، وللأم ، وللمعلم ، وللداعية .

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ﴾ .

 

Text Box: قانون الالتفاف الانفضاض يحتاجه كل إنسان :

 

أيها الإخوة الكرام ، هذا الموضوع يحتاجه كل إنسان :

ألا تحب أن تعمل عملاً صالحاً ؟

ألا تحب أن يهتدي الناس بك ؟

ألا تحب أن تكون هادياً مهدياً ؟

ألا تحب أن تكون داعية إلى الله ؟

أنت بحاجة إلى اتصال بالله ، هذا الاتصال يجعل قلبك رحيماً ، هذه الرحمة تنعكس ليناً ، هذا اللين يجذب الناس إليك ، ويلتفون حولك .

 

Text Box: تعليق مهم :

 

هذا الخطاب للنبي ، فما بالكُ بمَن هو دونه :

 

تعليق الأخير : النبي ـ دققوا ، نبي ، ورسول ، وسيد الأنبياء والمرسلين ، وسيد الخلق ، وحبيب الحق ، وسيد ولد آدم ، ويوحى إليه ، ومعه القرآن ، ومعه المعجزات ، وكان جميل الصورة ، وكان فصيح اللسان ، وكان رحيماً ، قال له : أنت يا محمد مع كل هذه الخصائص :

﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك ﴾ .

يأتي الآن داعية ليس بنبي ، ولا رسول ، ولا يوحى إليه ، ولا معه قرآن ، ولا معه معجزة ، ولا فصيح اللسان ، وليس جميل الصورة ، ومع ذلك هو غليظ .

هذا الكلام دقيق :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ﴾ .

بالبر يستعبد الحر .

(( بعثت بمداراة الناس )) .

[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن جابر ] . لا تألا تحب أن يهتدي الناس بك ، ألا تحب أن تكون هادياً مهدياً ،

 

المداراة ، والحلم ، واللطف ، والذوق .

هناك رجلان سوريان في لندن ، لهم صديق بريطاني ، كلما اقترب منهم يتكلمون بالإنكليزي ، فلفت نظره ذلك ، ما حصل ؟ قالا له ، نبينا عليه الصلاة والسلام نهانا أن يتناجى اثنان دون ثالث ، فإن هذا يحزنه ، النبي حضاري ، وأسلم ، تأثرَ تأثرا بالغا ، كلما اقترب منهم يتكلمون بالإنكليزي ، إن كانوا وحدهم يتكلمون بالعربية ، ما فهم ما السر حتى فهم توجيه النبي .

(( إذَا كُنْتُمْ ثَلاثَة فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حتَّى تَخْتَلِطُوا بالنَّاسِ مِنْ أجْلِ أنَّ ذلكَ يُحْزنُهُ )) .

[ رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي اللّه عنه ] .

Text Box: خاتمة :

 

أيها الإخوة ، كأب ، كأم ، والله هناك آباء الله هم من الذكاء والحكمة واللطف ، إذ هو في الأسرة كقطعة من الجنة ، البيت جنة ، بطولتك إذا دخلت إلى البيت صار في البيت عيد ، والعياذ بالله الرجل الثاني إذا خرج من البيت صار العيد ، وإذا مرض هذا الأب ، وكان قاسيا ، وجاء الطبيب ، وقال لهم : حالة عَرضية ، كيف عرضية ؟! لا يريدونها عرضية ، يريدونها القاضية ، فبطولتك هذه الآية كأب ، كأم ، كمعلم ، كمربٍّ ، كمدير معمل ، كمدير مؤسسة ، كمدير مدرسة ، أي منصب قيادي ، بدءاً من الأب .

 

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi