English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

أحاديث فجر  14 رمضان : مقاصد الشريعة ـ أركان الإيمان "الإيمان باليوم الآخر1 " ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

أيها الإخوة الكرام ، لازلنا في سلسلة دروس عن مقاصد الشريعة الإسلامية ، وكنا في أركان الإسلام ، وانتقلنا إلى أركان الإيمان ، والحديث اليوم عن الإيمان باليوم الآخر .

Text Box: مقدمة عن اليوم الآخر :

 

1 – الدنيا عالَمُ المحسوسات ، والآخرة عالَمُ الأخبار :

 

الحقيقة الأولى : أن الدنيا محسوسة تراها بحواسك الخمس ، ترى القصر المنيف ، ترى المركبة الفارهة ، ترى المنطقة الجميلة ، ترى المرأة الجميلة ، الدنيا محسوسة ، تراها بحواسك الخمس ، إلا أن الآخرة خبر ، خبر ورد في القرآن الكريم ، لذلك بطولة المؤمن أنه آمن بالغيب ، آمن بالخبر ، وأعرض عن المحسوسات ، معظم البشر عاشوا المحسوسات ، واستمتعوا بها ، ولم يلتفتوا إلى الخبر ، أما هذا الذي التفت إلى الخبر ، وأعرض عن المحسوسات فهذا عنده عقل راجح ، لأنه تعامل مع الأشياء بعقله لا بحواسه .

للتقريب : قد تأكل طعاماً طيباً جداً ، لكنه طعام مدمر ، يؤذي القلب ، يؤذي الشرايين ، يسد معظم الشرايين ، فإذا تعامل الإنسان مع الطعام بحواسه يجب أن يأكل كل شيء ، وبلا قيد أو شرط ، أما إذا تعامل مع الطعام بعقله فيأكل الطعام الذي لا يؤذيه .

2 – التعامل العقلي مع الأشياء قد يجلب الضرر :

 

الحياة هكذا ، إذا تعامل الإنسان مع بالشيء مع عقله تحدث حالةٌ اسمها الحب العقلي ، والكراهية العقلية ، وحالة ثانية هي الحب الحسي ، والكراهية الحسية ، الطاعات أحياناً متعبة حسياً ، الاستيقاظ إلى صلاة الفجر شيء متعب لمن نام متأخراً ، لكن حينما يستيقظ يشعر براحة نفسية كبيرة جداً .

3 – الإنسان إمّا تابعٌ للخبر الصادق أو تابعٌ للهوى :

 

إذاً : أنت أمام خيار صعب ، إما أن يستجيب الإنسان للهوى ، وإما أن يستجيب للخبر الصادق ، فالمؤمن صدق بالخبر ، والشيء المحسوس إذا كان مناقضاً لما وعده الله به يعرض عنه .

إذاً : الدنيا محسوسة ، والآخرة خبر ، والمؤمن صدق الخبر ، ولم يعبأ بالمحسوسات ، لذلك استحق الجنة ، وثمن الجنة كقال تعالى :

 

 ( سورة النازعات )

لذلك الإيمان صبر ، الإيمان قوة إرادة ، الإيمان أن تتحرك وفق المساحة التي سمح الله بها .

4 – كلُّ شهوة في الإنسان لها قناة شرعية نظيفة :

 

لكن بالمناسبة ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، أية شهوة فيها حيز مسموح به فالمؤمن جعل حركته في هذه الشهوة في الحيز المسموح به ، قال تعالى :

 

 ( سورة هود)

الآية الثانية :

 

 ( سورة القصص)

معنى ذلك أن الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه .

 

Text Box: المحسوسات والمعقولات والإخباريات :

 

أيها الإخوة الكرام ،  الذي أتمنى أن يكون واضحاً ، في الإسلام ثلاثة دوائر كبرى ، دائرة المحسوسات ، ودائرة المعقولات ، ودائرة الإخباريات ، وأيّة قضية في حياتك لا بد من أن تنضم إلى إحدى هذه الدوائر .

1 – المحسوسات تُدرَك بالحواس الخمس أو ما كان في حُكمِها :

 

الأشياء المادية التي ظهرت عينها كهذه الطاولة ، وهذا الضوء ، وهذا المسجد ، وهذا الأثاث ، أداة اليقين بها الحواس الخمس ، أو استطالات الحواس الخمس ، ميكروسكوب استطالة ، والتليسكوب استطالة ، هذا جانب ليس عليه خلاف إطلاقاً .

2 – المعقولات تُدرَك بالعقل :

 

الجانب الثاني : الأشياء إذا غابت عينها وبقيت آثارها ، أداة اليقين بها العقل ، مهمة العقل أن تعطيه شيئاً مادياً محسوساً ، شيئاً يُرى ، شيئاً يُسمع ، شيئاً يُلمس ، فيحكم على صانعه ، صانعه غاب عنك .

أنت أمام غرفة نوم ، النجار لا تراه ، لكن ترى صنعته ، فمهمة عقلك أن تحكم على الصانع من الصنعة ، وعلى المسير من التسيير ، وعلى الحكيم من الحكمة ، مهمة العقل أن تعطيه شيئاً محسوساً ، وأن يستنبط منه شيئاً غائباً عنه ، فلذلك أية قضية غابت عينها ، وبقيت آثارها أداة اليقين بها العقل ، يا ترى هذا المسجد هل فيه الكهرباء ، الكهرباء لا ترى ، لكن ترى آثارها ، تألق المصباح ، تكبير الصوت ، عمل المكيف ، هذه آثار الكهرباء ، فالكهرباء غابت عينها ، وبقيت آثارها ، هذا شأن العقل ، لذلك الله عز وجل خالق السماوات والأرض لا تدركه الأبصار ، ولكن الكون كله يدل عليه ، ذاته العلية لا نراها ، لكن نرى آثارها ، نرى الكون ، نرى الأطيار ، نرى الأسماك ، نرى البحار ، نرى الجبال ، نرى النباتات ، نرى كل شيء ، فكل هذا الكون أثر من آثار الله عز وجل .

إذاً : يمكن أن تؤمن بالله بعقلك ، العقل أصل في الإيمان ، أداة الإيمان هي العقل بالله خُلِقتْ في الإنسان ، لتكون أداة للإيمان بالله .

 

Text Box: إعمالُ العقل في الكون طريق إلى الإيمان بالله :

 

أيها الإخوة الكرام ، هذه الدائرة الثانية .

الآن الكون هو الثابت الأول ، وهو يدلك على الله ، فإذا أعملت عقلك في الكون توصلت إلى أن هذا الكون لا بد له من إله عظيم ، إله حكيم ، إله قدير ، إله غني ، إله رحيم ، إله لطيف ، يمكن أن تؤمن بالله من خلال عقلك عن طريق الآثار التي تراها بعينيك ، وتسمعها بصوت أذنيك .

3 – الغيبيّاتُ لا تُدرك إلا بالخبر الصحيح عن الله ورسولِه :

 

لكن الشيء إذا غابت عينه ، وغابت عنك آثاره فلا الحواس الخمس يمكن أن تصل إليه ، ولا العقل يمكن أن يصل إليه ، وليس هناك إلا شيء واحد يصل إليه ، إنه الخبر الصادق ، لذلك أجمع العلماء على أن الإيمان باليوم الآخر يقين إخباري ، لأن الله أخبرك .

التسلسل أنك إذا فكرت في خلق السماوات والأرض آمنت بالله خالقاً ومربياً  ومسيراً ، آمنت بصفاته الحسنى وصفاته الفضلى .

إذا قرأت القرآن ، ورأيت وقوع الوعد والوعيد ، ورأيت إعجازه العلمي  توصلت بعقلك إلى أنه كلام الله ، لوجودِ أدلة قاطعة على أنه كلامه ، وأن هذا الذي جاء به هو رسوله ، إذاً : يمكن أن تؤمن بالله بعقلك ، وبكتابه بعقلك ، وبرسوله بعقلك ، وانتهى دور العقل ، وجاء دور النقل ، وأيّ شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به في النقل .

يمكن إذا دخلتَ جامعة أن تكتشف بعقلك الأذواق في بنائها ، والمرافق الأساسية في بنائها ، وأن تحكم على المهندس بالتفوق ، وكأن المهندس طالب جامعي يعرف كل مشكلات الطلاب في الغرف الجامعية ، في الحدائق ، في المدرجات ، في المخابر ، فأنت بعقلك يمكن أن تستنبط آلاف الحقائق من خلال البناء والحدائق ، والمدرجات والمخابر ، والمكتبات ، لكن لا يمكن أن تعرف بعقلك من هو عميد الجامعة ، ولا من هم رؤساء الأقسام ، ولا نظام القبول ، ولا نظم النجاح والرسوب ، إلا أن تقتني كتاباً عن الجامعة ، هذا هو النقل .

 

Text Box: الإيمان بالآخرة إيمان إخباري نقلي سمعي :

 

لذلك أيّ شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به ، الإيمان بالآخرة إيمان إخباري نقلي سمعي أسماء لمسمى واحد سمعي إخباري نقلي ، والإيمان بالله والإيمان برسوله وبقرآنه إيمان عقلي ، والإيمان بالأشياء إيمان حسي ، فعندك وإيمان حسي ، وإيمان عقلي ، وإيمان إخباري .

 

Text Box: رأي ابن قيم الجوزية في الإيمان باليوم الآخر بالعقل :

 

إن للإنصاف أن نقول : إن الإمام الجليل ابن قيم الجوزية انفرد من بين العلماء ، فقال : إن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي ، لأن هناك يومها سؤلا كبيرا ، وفي الدنيا غني وفقير ، قوي وضعيف ، وسيم ودميم ، عبقري ومحدود ، والحظوظ موزعة في الدنيا توزيعا متفاوتا ، فهل يعقل أن يستمتع الغني بالمال ، ويأكل ما لذ وطاب ، ويسكن أجمل البيوت ، ويركب أغلى المركبات ، ويسافر ، ويختار أجمل زوجة ، بينما الفقير محروم من لقمة الطعام ، وتنتهي الحياة ؟!

إنسان قاد حرباً فأفنى بها خمسين مليونا ، ومات ، وتنتهي الحياة ؟! العقل لا يقبل ذلك ، لا بد من تسوية الحسابات ، لا بد من يوم تسوى فيه الحسابات ، لا بد من يوم يدفع كل إنسان ثمن عمله ، قال تعالى :

 

 

 ( سورة القيامة)

 

 ( سورة الحجر)

 

 ( سورة إبراهيم)

 ( سورة غافر)

 

 ( سورة التوبة)

 

 ( سورة النساء)

النقير هو رأس النواة المؤنّف كالإبرة الدقيق :

 ( سورة الإسراء)

النقير هو خيط بين فلقتي النواة .

والفتيل هو غشاء رقيق يلفّ النواة ، قال تعالى :

 

( سورة الأنبياء)

لذلك العقل لا يصدق يكون إنسان غني كبير ، وإنسان فقير فقرا مدقعا ، وتنتهي الحياة هكذا !!! إنسان جاء فملَك الدنيا كلها بين يديه ، وإنسان لا يستطيع أن يسكن في غرفة ، بل ينام في الطريق ، وتنتهي الحياة ، ولا شيء بعد الحياة !!! هذا الذي أكده ابن القيم رحمه الله تعالى .

أيها الإخوة الكرام ، الإيمان بالآخرة إيمان إخباري عند معظم العلماء لأن الله أخبر عنه ، أما عند ابن القيم فالإيمانُ بالآخرة عقلي .

بعض العلماء جاء بمثل لطيف : لو أن أناسا حضروا مسرحية ، وفي أول الفصل وُجد إنسان مقتولا في المسرحية ، وأرخي الستار ، لا أحد يقوم ، ما انتهت المسرحية ، لا بد أن نرى النتائج ، مَن القاتل ؟ ماذا فُعل به ؟ فلذلك الإنسان لا يقبل حدثا عنيفا بلا نتائج ، بلا عقاب ، بلا ثواب .

 

Text Box: لابد من الجزاء الحسَن للمحسن والعقاب للمسيء :

 

أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا ، إلا اسم العدل فمحقق جزئياً ، فالله سبحانه وتعالى يكافئ بعض المحسنين تشجيعاً لبقية المحسنين ، ويعاقب بعض المسيئين ردعاً لبقية المسيئين ، ولكن الحساب النهائي والختامي يوم القيامة ، قال تعالى :

 

 ( سورة آل عمران)

لذلك ورد في بعض الآيات :

 

 ( سورة مريم)

وقال علماء التفسير : " ورود النار غير دخولها " ، ورودها شيء ، ودخولها شيء آخر ، دخولها عقاب ، أما ورودها فاطلاعٌ ، لا يتأثر وارد النار بوهجها .

مرة ذهبت إلى معرض للثعابين في طهران ، بيني وبين ثعبان طوله عشرين مترا تقريباً عشرة سنتمترات ، لكن بيننا بلّور من ثمانية مليمترات ، لذلك دققت في دقائق جسمه ، وفي رأسه ، وفي لسانه ، وفي سمه لوجود الحاجز ، لذلك قالوا : ورود النار لا يتأثر الوارد لها بوهجها ، لكن لترى عدل الله في الآخرة ، ترى هؤلاء الطغاة الذين تفننوا في إبادة البشر ، تفننوا بإذلالهم ، تفننوا بإفقارهم ، بنوا مجدهم على أنقاضهم ، ترى عدل الله التام ، لذلك :

 

 ( سورة طه)

أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل فمحقق جزئياً ، لذلك الدنيا ليست دار جزاء ، هي دار ابتلاء فقط ، والحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء .

 

Text Box: الإنسان في الدنيا ممتَحَنٌ :

 

1 – الإنسان ممتَحَنٌ بالنِّعم :

 

أنت في الدنيا ممتحن ، وعندك زمرتان من الامتحان : أول زمرة : النعم التي أعطاك الله إياها ، فأنت ممتحن بها ، أعطاك صحة ، مالا ، زوجة ، أولادا ، ممتحن بهذه .

2 – الإنسان ممتَحَنٌ بالمنع والحرمان :

 

أنت ممتحنٌ إذا لم يسمح الله لك بدخل غير محدود ، دخلك محدود ، حرمك الدخل المطلق ، حرمك الغنى ، حرمك الوسامة ، هناك إنسان وسيم جداً ، وإنسان أقلّ وسامة ، وإنسان غير وسيم ، فلذلك أنت ممتحن بما أعطاك ممتحن بما زوي عنك ، ومن أجمل الأدعية : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ :

(( اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ ، وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ )) .

[ الترمذي ]

يا رب هذا الذي كنت أحبه ، وقد أكرمتني به فاجعله عونا لي على طاعتك ، وما زويت عني ممّا أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب .

أنت تشكر الله مرتين : مرة على ما أعطاك ، ومرة على ما زوى عنك ، وأنت في كلا المرتين مثاب عند الله عز وجل .

 

Text Box: الحظوظ في الدنيا موزعة توزيع ابتلاء و في الآخرة توزيع جزاء :

 

أيها الإخوة الكرام ، الحظوظ في الدنيا موزعة ، هناك غني وفقير ، قوي وضعيف ، إنسان يستطيع أن يحجز حرية الآلاف ، وبلا سبب ، وإنسان لا يقدر على ابنه ، هناك قوي وضعيف ، غني وفقير ، هناك امرأة جميلة جداً ، وامرأة دميمة جداً ، الدميمة لها حق عند الله ، حق كبير ، لولا الآخرة لنشأ مليون سؤال لا جواب له ، هذه الدميمة ما ذنبها ؟ والله قد تكون أسعد امرأة في الآخرة ، صبرت ، واستقامت ، وحفظت نفسها .

أحيانا تأتي امرأة من عشرة آلاف كيلو متر تخدم في البيت من شدة الفقر ، تركت زوجها وأولادها من أجل مبلغ يسير تأخذه لتطعم زوجها وأولادها ، وهي مستقيمة ، وتصلي ، وتصوم ، ومحجبة ، هذه ما لها شيء عند الله عز وجل ؟!! قلامة ظفر هذه الخادمة افضل من آلاف النساء ، والخادمة التي عندك قد تكون أسعد من أي امرأة من علية القوم ، وفي الآخرة تسوّى الحسابات .

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ )) .

[ الترمذي عن أنس بن مالك ]

فالحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء ، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء ، قال تعالى :

 ( سورة الإسراء)

هل رئيس غرفة تجارة كبائع متجول ؟ كلاهما تاجر ، هل هذا كذاك ؟

هل أستاذ جامعي كأستاذ في قرية كمعلم ابتدائي ؟ هناك فرق في المكانة والدخل والأدوات .

هل  طبيب قلب جرّاح كممرض ؟ مستحيل .

هل رئيس أركان كجندي غر في خندق في الخطوط الأمامية في الشتاء ؟ هل هذا كذاك ؟

 

 ( سورة الإسراء)

 

حظوظ الدنيا لا معنى لها ، وقد تعني العكس ، قال تعالى :

 ( سورة الأنعام)

أما حظوظ الآخرة فأبدية ، ومراتب الآخرة أبدية ، وتعني كل شيء ، والبطولة أن يكون لك في الآخرة مقعد صدق عند مليك مقتدر ، وأكبر خسارة تصيب الإنسان أن يخسر الآخرة .

 

Text Box: الدنيا دار عمل ، والآخرة دار جزاء :

 

أيها الإخوة الكرام ، الدنيا دار ابتلاء ، وليست دار جزاء ، وهذه حقيقة مهمة ، وعندما تعقل هذه الحقيقة لا تتألم إطلاقاً ، قد يكون هذا المبتلى الفقير قلامة ظفره تساوي أكبر قوي في الأرض ، وهناك أقوياء في الأرض وأناس يحكمون القارات الخمس ، يهددون ، ويحاصرون ، ويتوعدون ، ويتهمون بالإرهاب من يريدون ، كلمتهم مسموعة ، وأمرهم نافذ ، وقد يأتي إنسان خادم مستقيم لو كشف الغطاء لظهر أن هذا الخادم أسعد أهل الأرض عند الله ، لذلك :

 

( سورة الواقعة)

الذي كان في القمة قد يصبح في الحضيض ، والذي كان في الحضيض قد يصبح في القمة ، هذا الإيمان بالآخرة .

أيها الإخوة الكرام ، الدنيا دار عمل ، والآخرة دار جزاء ، الدنيا دار تكليف ، والآخرة دار تشريف .

 

Text Box: التقييم الحقيقي للأعمال بمعايير الآخرة لا بمعايير الدنيا :

 

أنا أنصح إخوتي : لا تقيّم شيئاً في الدنيا إلا أن تضمّ له الآخرة ، مطعم متواضع جداً ، صاحبه مستقيم ، كل الأشياء تباع فيه شرعية ، مطعم من خمس نجوم تباع فيه الخمور ، والأماكن إضاءتها خافتة ، لأيّ واحد أحب أن يجلس جلسة طويلة مع فتاة لا تحل له ، يبقى ساعات يأكل ، وكل الظروف ميسرة له ، مطعم دخله في اليوم مليون ليرة ، ضمّ الآخرة إلى المطعمين تجد المطعم المتواضع الصغير الذي يبيع بضاعة وطعاما حلالا مئة بالمئة أفضل ألف مرة من ذلك المطعم ، حتى المناصب ، ضمّ المنصب إلى النتائج .

أحيانا أعمال أساسها ابتزاز أموال الناس ، أعمال أساسها إلقاء الرعب في قلوب الناس ، يجب أن تقيّم العمل والشيء والمادة مع إضافة الآخرة إليها ، هذه البطولة ، لذلك امرأة بارعة الجمال دعت سيدنا يوسف ، بالمقاييس الحسية إن لم يُقدِم فهو أحمق ، بمقاييس الآخرة :

 

 ( سورة يوسف)

أيها الإخوة الكرام ، حينما تؤمن بالآخرة لا بد من أن تنعكس مقاييسك مئة بالمئة ، إن لم تنعكس فالإيمان بالآخرة مشكوك فيه ، لأنه من يؤمن بالآخرة سعادته بالعطاء لا بالأخذ ، والذي آمن بالدنيا سعادته في الأخذ لا في العطاء .

أيها الإخوة الكرام ، لعل هذا الموضوع يحتاج إلى درس آخر ، وإن شاء الله نتابع هذا الدرس غداً .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi