English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

أحاديث فجر  15 رمضان : مقاصد الشريعة ـ   أركان الإيمان "الإيمان باليوم الآخر2 "  ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

أيها الإخوة الكرام ، لازلنا في المقاصد البعيدة لأركان الإيمان ، ونتابع اليوم موضوع اليوم الآخر .

 

Text Box: الإيمان باليوم الآخر :

 

1 – الإيمان باليوم الآخر يدفعك إلى بذل الجهد وخدمة الناس :

 

لقد بينت من قبل أنك إذا آمنت باليوم الآخر الإيمان الذي ينبغي فلا بد من أن تنعكس مقاييسك ، فهناك إنسان يفرح أيّما فرح بالأخذ ، وإن أيقنت باليوم الآخر تفرح أيّما فرح بالعطاء ، لكن المقياس انعكس اليوم ، وإن آمنت باليوم الآخر تفرح ببذل الجهد ، وإن لم تؤمن الإيمان الذي فإنك ترى نفسك ذكياً إذا استهلكت جهد الآخرين ، وقد كان عليه الصلاة والسلام مع أصحابه في سفر فأرادوا أن يعالجوا شاةً ، فقال أحدهم :

(( عليّ ذبحها ، وقال الثاني : عليها سلخها ، وقال الثالث : وعليّ طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليّ جمع الحطب ، سيد الخلق وحبيب الحق هو يخدم دائماً ، قال : وعليّ جمع الحطب ، قالوا : نكفيك ذلك ، فقال : أعلم أنكم تكفونني ذلك ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه )) .

[ ورد في الأثر ]

في بدر  الصحابة كان ثلاثمئة وأربعة عشر رجلا ، والرواحل قليلة ، فعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ :

(( كَانُوا يَوْمَ بَدْرٍ بَيْنَ كُلِّ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ بَعِيرٌ ، وَكَانَ زَمِيلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيٌّ وَأَبُو لُبَابَةَ ، قَالَ : وَكَانَ إِذَا كَانَتْ عُقْبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَا لَهُ : ارْكَبْ حَتَّى نَمْشِيَ عَنْكَ ، فَيَقُولُ : مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي ، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا )) .

[ أحمد ]

هو قائد الجيش ، وزعيم الأمة ، ورسول الله ، ونبي الأمة ، حبيب الحق ، مع ذلك سوّى نفسه مع أقل جندي ، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة ، ركب النبي عليه الصلاة والسلام ، وانتهت نوبته في الركوب ، وجاء دور أصحابه في الركوب ، فتوسلا إليه صاحباه أن يبقى راكباً ، فتعجب ،  قال :

(( مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي ، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا ))  .

 

2 – الإيمان باليوم الآخر يعكس مقاييس المؤمن :

 

إذا لم تنعكس مقاييسك مئة بالمئة يكون الإيمان الذي أنت عليه غير الذي ينبغي ، والناس تَبَعٌ للأقوياء أو الأنبياء ، فالأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا .

دخل عمر بن الخطاب على النبي الكريم ، وقد اضطجع على حصير أثّر في جنبه الشريف ، قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ :

(( دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ ، قَالَ : فَجَلَسْتُ فَإِذَا عَلَيْهِ إِزَارٌ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبهِ ، وَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ ، وَقَرَظٍ فِي نَاحِيَةٍ فِي الْغُرْفَةِ ، وَإِذَا إِهَابٌ مُعَلَّقٌ ، فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَمَالِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى ، وَذَلِكَ كِسْرَى وَقَيْصَرُ فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ ، وَأَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَصَفْوَتُهُ ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ ؟ قَالَ : يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمْ الدُّنْيَا ؟ قُلْتُ : بَلَى )) .

[ ابن ماجه ]

إذا لم تنعكس مقاييسك في كل شؤون الحياة مئة وثمانين درجة فإيمانك باليوم الآخر ليس كما ينبغي ، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، الأقوياء عاش الناس لهم ، والأنبياء عاشوا للناس ، بين أن تنطلق من العطاء أو أن تنطلق من الأخذ فرق كبير ، بدل أن تكون في خدمة من حولك أو أن تكون مهيمناً على من حولك تبتز أموالهم وتنتهك أعراضهم فرقٌ كبير أيضا .

 

3 – الإيمان واليوم يمنعك من إيذاء المخلوقات :

أيها الإخوة الكرام ، ما من ركنين من أركان الإيمان تلازما في القرآن الكريم  كالإيمان بالله واليوم الآخر ، لأن بالإيمان بالله يحملك على طاعته ، أما الإيمان باليوم الآخر فيمنعك أن تؤذي مخلوقاً بدءًا من نملة ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

(( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا ، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ )) .

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه ]

فما قولكم بما فوق الهرة ؟ ما قولكم بمن يدمر الشعوب ، ويلقي عليهم القنابل الذرية ؟ ثلاثمئة ألف إنسان في هيروشيما فقدوا حياتهم في ثلاث ثوان بقرار .

 

4 – الإيمان واليوم ثابت بالعقل أيضًا :

 

لذلك أيها الإخوة الكرام ، أغبى إنسان على وجه الأرض هو الذي يتوهم أن الإنسان يترك سدى بلا حساب ، ففي الدنيا قوي وضعيف ، غني وفقير ، القوي سحق الضعيف ، والغني استغل الفقير ، وصحيح تمتع بصحة ، ومريض عانى ما عانى ، وتنتهي الحياة ، ولا شيء بعد الموت ؟ هذا الذي قاله ابن القيم : " إن الإيمان باليوم الآخر ثابتٌ بدليل عقلي " ، لأن كمال الخلق يدل على كمال التصرف ، وخَلقُ معجز ، وهذا الإله العظيم الذي تظهر أسماءه الحسنى في خلقه أيعقل أن يظلم ؟ قال تعالى :

 ( سورة النساء)

 

 

 ( سورة الإسراء)

ولا تظلمون قطميرا ، قال تعالى :

 

( سورة الأنبياء)

 ( سورة غافر)

 

 ( سورة التوبة)

 

 ( سورة القيامة)

 

Text Box: لا تنتهي الحياة هكذا :

       

الأخ الأكبر يأخذ معظم التركة بحكم قوته وهيمنته ، ويبقي إخوته الصغار بلا شيء ، وتنتهي الحياة هكذا ؟

الشريكان ، شريك قوي ، كل شيء باسمه ، والثاني لا شيء باسمه ، يأخذ معظم الأرباح ، وهو مهيمن ، وتنتهي الحياة هكذا ؟

زوج يتفنن بإذلال زوجته وإهانتها وضربها وسب أهلها ثم تنتهي الحياة هكذا ؟

معلم لا يعلم الناس ، يمضي الوقت بلا فائدة ، ويأخذ راتبه ، وتمضي الحياة هكذا ؟

قال تعالى :

 ( سورة الحجر)

مرة ثانية : إن آمنت باليوم الآخر الإيمان الذي ينبغي إن لم تنعكس انعكاسا مقاييسك كاملا فلا يكون إيمانك كما ينبغي ، لذلك المؤمن بنى حياته على العطاء .

 

5 – أجر الآخرة أعظم فلا تطلب الأحر الدنيوي على العمل الصالح :

 

لكن للتقريب : لو أن ملِكًا كلف أستاذا أن يعلم ابنه ، الملك عطاءه أقلّ شيء بيتٌ وسيارة ، لكن هذا المعلم أفُقه محدود جداً ، مضت عشرة دروس ، قال للابن : أين الأجرة ؟ قال : كم تريد ؟ قال له : ألف ليرة للساعة لواحدة ، قال له : هذه عشرة آلاف ، والملِك كان يريد أن يعطيه بيتا وسيارة ، فأنت لما قبلت أن تأخذ أجرا على عملك الصالح معنى ذلك أن أفقك محدود جداً ، ولو احتسبت هذا عند الله لوجد الأجر العظيم، قال تعالى :

 ( سورة البقرة)

أيّ مخلوق ، هرة ، كلب ، إنسان تعرفه ، أو لا تعرفه ، من ملّتك ، أو ليس من ملتك ، من دينك ، أو ليس من دينك ، هذا عبدٌ لله عز وجل ، الإنسان بنيان الله ، وملعون من هدم بنيان الله ، هذا الدين دين إحسان لكل الخلق .

 

6 – لسانُ حالِ الناس تكذيبٌ باليوم الآخر :

 

أيها الإخوة الكرام ، لأن الإيمان باليوم الآخر له مشكلة كبيرة ، ليس في العالم الإسلامي كله إنسان يجرؤ أن يكذب باليوم الآخر بلسانه ، لكن الشيء المؤلم أن سلوك الناس اليومي ينبئ أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر ، الذي يغتصب محلا ، يغتصب شركة ، يتفنن بظلم زوجته ، يغش المسلمين ، يحضر مواد غذائية لا تصلح للاستعمال البشري فيبيعها ، هذا الذي يظن أن الله لا يحاسب ، وأنه وذكي ، هذا أغبى إنسان على وجه الأرض ، قال الله عز وجل  :

 ( سورة البروج)

لذلك رأس الحكمة مخافة الله .

 

7 – الإيمان باليوم الآخر أكبر رادع للإنسان :

 

أيها الإخوة الكرام ، بشكل صريح : ما من شيء يردع الإنسان كالإيمان باليوم الآخر ، وهناك كلام يقال أنا أعتقد أنه لا معنى له ، يقول لك أحدُهم : تربية بيتية ، ضمير مسلكي ، روادع أخلاقية ، والحقيقة سوى الخوف من الله لا يردع ، ويمكن للتربية البيتية أن تؤثّر على مستوى ألف أو ألفين إلى عشرة آلاف ، أما على مستوى عشرة ملايين فمستحيل .

إن معامل الأسمنت كلما طبخت طبخة تصب في مكعبات ، وهناك جهاز يمسك المكعب من أعلاه وأسفله ، وثمة كفة توضع فيها أثقال ، على أي وزن يكسر في وزن يكسر ، الإسمنت قوة صموده أمام الضغط عالية جداً ، والسنتمتر المكعب يتحمل خمسمئة وخمسين كيلوا فوقه ، أما على قوى الشد فعلى خمسة ونصف كيلو يقع ، وكل مؤمن عنده درجة ينهار بها حسب إيمانه ، وأحيانا يتعفف الإنسان عن شيء بسيط ، لكنه فينسى من أجله مبادئه وقيمه من أجل عن الشيء الكبير جداً ، لذلك قال تعالى :

 ( سورة المؤمنون)

الخوف من الله أكبر رادع ، هو الرادع الحقيقي :

(( ما من عثرة ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم ، وما يغفر الله أكثر )) .

[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ] .

ما مِن حل لصلاح الدنيا إلا بالإيمان باليوم الآخر .

أضرب مثلا آخر :

لو أن إنسانا سافر إلى بلد مجاور ، وفي هذا البلد المجاور حرية اقتصادية بالغة جداً ، وبضائع رخيصة جداً ، وممتازة جداً ، والبلد الأول الذي كان فيه تكتنفه صعوبات اقتصادية كبيرة ، هذا المواطن انتقل من بلد إلى بلد ، في أثناء المغادرة وجد تفتيشا لا يحتمل ، كل شيء يملكه المسافر العائد يفتش ، وعليه غرامات كبيرة جداً ، فلا يتساهلون في شيء ، عندما وصل إلى البلد الذي فيه رخاء اقتصادي كلما شاهد حاجة جيدة وسعرها معقول ورخيصة جداً قال : أريد أن أشتريها ، لكن لا يمكن أن تدخل إلى بلدي لأن عليها غرامة مالية ، كلما قرر أن يشتري حاجة يتذكر كيف كان يحاسب المواطن في الحدود ، هذا حال المؤمن ؛ كلما أراد أن يفعل شيئًا يتذكر حساب الله عز وجل ، لذلك هذا الذي يتصور العدل الإلهي مستمراً ودائماً هو المستقيم .

سألوا طالبا أحرز الدرجة الأولى في الثانوية : بمَ نلت هذا التفوق ؟ قال : لأن لحظة الامتحان لم تغادر مخيلتي لحظة ، والإيمان باليوم الآخر قبل أن تقول كلمة تسأل : يا ترى هذه الكلمة سأحاسب عليها ؟

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ )) .

 مسلم والترمذي ، واللفظ للترمذي ]

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ :

(( مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا ، قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ ، وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا ، كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً ، فَقَالَ : لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ )) .

[ الترمذي]

(( وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِم )) .

[ أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن معاذ ]

حينما تؤمن باليوم الآخر فإنك تفكِّر مَلِيًّا قبل أن تظلم مخلوقا قبل أن تدوس على نملة ، قبل أن تجيع هرة :

عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا ، فَلَمْ تُطْعِمْهَا ، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا )) .

 [ مُتَّفَقٌ عَلَيْه ] .

والله عز وجل قال عن ذاته العلية :

 

 ( سورة البروج)

لذلك مَن هو الأحمق ؟ الذي لا يخاف من الله .

مرة قال لي طالب أرعن : أنا لا أخاف من الله ، سبحان الله ! الله ألهمني جوابا ، قلت له : أنت بالذات معك حق ، قال : كيف معي حق ؟ قلت له : يا بني ، الفلاح عنده ابن صغير عمره أربع سنوات يأخذه معه إلى حقل القمح ، فيضعه بين القمح ، فيمر ثعبان فلا يخاف منه ، لأنه لا إدراك له فلا خوف عنده ، فمِن أين يأتي الخوف ؟ من الإدراك ، قلت له فلما يعرف الإنسان الله ، يعرف أن عنده ورما خبيثا ، وفشلا كلويا ، وتشمعَ الكبد ، وخثرة بالدماغ ، وشللا وعمى ، وأمراضا وبيلة ، حينئذ يخاف ، وكل هؤلاء العباد عباده ، والله كبير .

والله أيها الإخوة ، كلمة كبير لا أرتوي منها ، إياك أن تغلط مع مخلوق ، إياك أن تظلم مخلوقا ، إياك تظلم صانعا .

 

Text Box: ازدواجية المعايير عنصرية وظلمٌ :

 

قال لي أحدُهم : عندي صانع يتيم ترجاني كثيرا أن يخرج من العمل قبل الدوام بساعة ليلتحق بمدرسة ليلية ، ليأخذ شهادة الكفاءة ، فما سمحت له ، لأنه عندما يتعلم يهرب ، ثم قال : ووضعت لابني مليون ليرة من أجل دروس خاصة ليصبح طبيبا ، اتق الله فإنه سوف يحاسبك على هذا اليتيم إذا لم يتعلم ، وابنك تريده طبيبا ، هذا رجل عنصري ، وكل إنسان يرى لنفسه ما لا يرى للآخرين فهو عنصري .

إذا رأى الزوج أن مِن حقه أن يستهزئ بأهل زوجته ، وبأم زوجته ، وبكل شيء يمس بزوجته ، وإذا تكلمت الزوجة حرفا واحدا عن أمه وأبيه يسحقها ، هذا عنصري .

إذا لم يَقبل الأب أن تُعامَل ابنتُه كما يعامل زوجة ابنه في البيت فهو عنصري .

إذا كان عند صاحب المحل ابنٌ ، وعنده موظف في مشتركة مع ابنه ، فإنه يحمِّل  الشاب الموظَّف ما لا يطيق ، وإذا حمل ابنه شيئًا يخاف عليه ، هذا عنصري ، والعنصرية شيء خطير جداً ، وهي صفةٌ لإنسان أحمق يرى لنفسه ما ليس للآخرين ، هذا حتى في الزواج ، قال تعالى :

 

 ( سورة البقرة : من الآية 228)

ما لم تكن إنسانياً فالطريق إلى الله ليس سالكاً .

أيها الإخوة الكرام ، إذا آمنت باليوم الآخر يجب أن تنعكس مقاييسك مئة بالمئة ، ترى أن العطاء هو الفوز ، والنجاح أن تبني حياتك على العطاء ، وأحد أكبر خصائص حياة الإنسان أنه أعطى :

] فَأَمّا مَنْ أعْطَى وَاتَّقَى [

 

 والثاني بخِل :

] وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى [

[ سورة الليل ]

هناك إنسان يرى الذكاء والتفوق والنجاح في العطاء من جهده ، من وقته ، من علمه ، من ماله ، من كل شيء وهبه الله إياه ، وهناك إنسان يرى الذكاء والتفوق في الأخذ ، يقول لك : هذه بيعة غشيم ، رفعت السعر خمسة أضعاف وما شعر ، يظن نفسه ذكيا ، وهو أغبى الأغبياء ، لأنه الحساب أمامه ينتظره .

 

Text Box: ما نسبة الدنيا إلى الآخرة ؟

 

أيها الإخوة الكرام ، الآن ما نسبة الدنيا إلى الآخرة ؟ اطّلع على مدينة ساحلية ، واركب مركبا ، واسحب إبرة ، واغمسها في مياه البحر ، وأرجعها ، ووازِنْ بنسبة دقيقة كم نقص البحر من مياهه ، ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر .

تصور رقم ( واحد ) في الأرض ، و( أصفار ) إلى الشمس ، وكل ميليمتر صفر ، وبين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر ، وكل ميليمتر صفر ، هذا الرقم ضعه صورة لكسر ، وضع المخرج لا نهاية ، القيمة صفر ، أي رقم مهما يكن كبيراً إذا نسب إلى اللانهاية فهو صفر ، فلذلك الدنيا ليست بشيء ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ )) .

[ الترمذي ]

قال تعالى :

 

 

( سورة الأنعام)

بالمناسبة ، أيها الإخوة ، لا يليق بكرم الله أن يعطي عطاءً ينقطع بالموت ، هذا ليس عطاء ، قد يكون ثمنُ بيت مئة وثمانين مليونًا ثمنه هذا مثوى مؤقت ثمنه لأن بعده الموت ، وفي النهاية المصير الأولي إلى القبر ، إذاً : هذا البيت ليس عطاءً ، والثروة الكبيرة جداً المقدَّرة بتسعين مليارَ دولارٍ لا شيء ، لأنه الإنسان سيموت ، فليست الدنيا عطاءً ، لأنها تنتهي بالموت ، فلا تعدها عطاءً يليق بكرم الله ، عطاء الله عز وجل أبدي ، قال تعالى :

 ( سورة ق)

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ :

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ... )) .

[ متفق عليه ]

مرة ثانية : ما في ركنين من أركان الإيمان تلازما كركن الإيمان بالله واليوم الآخر ، لأن الإيمان بالله به تستقيم على أمره ، أما الإيمان باليوم الآخر فيمنعك أن تؤذي مخلوقاً ولو بكلمة .

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ )) .

 مسلم والترمذي ، واللفظ للترمذي ]

مرة قال أحدهم لشخص : لقد اغتبتني ! فقال له : ومَن أنت حتى أغتابك ؟ لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي ، لأنهما أولى بحسناتي منك .

المؤمن يؤمن يقيناً أنه إذا اغتاب إنساناً أخذ سيئاته ، وهذه مشكلة كبيرة .

 

Text Box: مِن النعم اتصّالُ نِعمِ الدنيا بِنِعم الآخرة :

 

أيها الإخوة أنا أسأل الله عز وجل لكم جميعاً أن يجعل نِعم الدنيا متصلةً بنعم الآخرة ، إنسان يعيش بصحة ، بمكانة اجتماعية ، بحبوحة ، عنده أولاد أبرار ، عنده بنات مؤمنات تقيات صالحات ، عنده أصهار جيدون ، ما عنده مشكلة في حياته ، وهذا شيء جميل ، لكن البطولة أن يموت وينقلب إلى نعيم عند الله عز وجل .

والله أنا إذا أحببت إنسانا حباً جماً دعوت له بهذا الدعاء ، أقول له : أسأل الله أن يجعل نعم الدنيا التي أنت فيها متصلة بنعم الآخرة ، قال تعالى :

 ( سورة يس)

Text Box: الخسارة الحقيقية خسارة الآخرة :

 

أيها الإخوة الكرام ، لذلك الخسارة الحقيقية أن تخسر الأبد ، والإنسان قد يخسر محلا تجاريا ، يخسر شركة ، يخسر بيتا بسبب تنظيم ، أعطوه عُشر قيمته ، هذه خسارة ، سيدنا الصديق نتعلم منه أنه ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط ، فالخسارة الحقيقية خسارة الأبد ، وأكبر دليل الآية الكريمة :

 

 ( سورة الأنفال)

العبرة لمن يضحك آخراً ، لأن مَن ضحك أولاً ضحك قليلاً ، وبكى كثيراً ، ومن ضحك آخراً ضحك ضحكاً طويلاً ، وانقلب إلى جنة الله عز وجل :

 

] فَالْيِوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ( 34 ) [ .

( سورة المطففين )

حينما يولد الطفل يكون كلُّ مَن حوله يضحك ، وهو يبكي وحده ، فإذا وافته المنية كان كلُّ مَن حوله يبكي إذا كان محسنا ، وإلا فإنهم يضحكون ، فإذا كان بطلاً فليضحك وحده ، لذلك قالوا : الموت تحفة المؤمن الموت ، وعرس المؤمن :

(( لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ : فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ )) .

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

Text Box: التكذيب العملي أخطرُ من التكذيب القولي :

 

أيها الإخوة الكرام ، أنا أتصور مقياس الإيمان ، فالمؤمن فضلاً عن إيمانه بالله خالق السماوات والأرض الإيمان الحقيقي في اليوم الآخر ، والتعامل الحقيقي مع اليوم الآخر ، لكن هناك تكذيب عملي .

مثلاً : زرت طبيبا ، وأعطاك وصفة ، فأعطيته الأتعاب ، وصافحته ، وأثنيت على علمه وشكرته ، ومشيت ، لكن ما لم تصدق أنه طبيب ماهر ، وما لم تشترِ الدواء ، وفي بالك أن ترى طبيبا آخر ، فإنّ كل كلمات الشكر ، والثناء والمودة ، ومصافحتك له لا تنفع ، لأن الدواء ما اشتريته ، فأنت كذبت بعلمه ، فالتكذيب العملي أبلغ من التكذيب القولي ، ولا أحد في العالم الإسلامي يقول لك : ليس هناك آخرة ، لكن عملياً كل إنسان يأكل مالا حراما يكذب بالآخرة ، كل إنسان يظلم إنسانا يكفر بالآخرة ، هذا التكذيب العملي أخطر ألف مرة من التكذيب القولي .

أنا لا أخشى من إنسان صريح وواقعي ، وأحبَّ أن يبني إيمانه على الأدلة ، فقال : أنا أريد أدلة قطعية على اليوم الآخر ، لا مانع ، أنا أحترمه كثير ، لكن مَن هو المنافق ؟ الذي يقول : الله يسترنا ، الله يرحمنا ، وفي سلوكه اليومي ، وأعماله كلها سيئة ، فلذلك أخطر شيء فيما يتعلق باليوم الآخر أن تكذب تكذيباً عملياً ، لأن التكذيب النظري يناقش ، يحاور ، يؤتى له بالدليل والبينة ، أما التكذيب العملي فلا يمكن فيه النقاش والحوار ، وهو يرتكب الفواحش والموبقات ، ويأكل المال الحرام ، ويكفي أن تغش المسلمين حتى تكذب باليوم الآخر تكذيبا عمليًّا ، يكفي أن تعطي صفة للبضاعة ليست فيها أن تكون مكذِّبًا باليوم الآخر ، يكفي أن تأخذ ما ليس لك لتكذب باليوم الآخر ، فالذي يؤمن باليوم الآخر يستقيم على أمر الله تماماً ، وهذه قضية مهمة جداً في الدين ، فما لم تستقم على أمر الله فلن تقطف من ثمار الدين شيئاً .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi