English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

أحاديث فجر  22 رمضان : مقاصد الشريعة ـ   أركان الإيمان "حكم المصائب "  ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

أيها الإخوة الكرام ،مع درس جديد من دروس مقاصد الشريعة الإسلامية ، والموضوع اليوم المصائب .

 

Text Box: العبرة أن تكشف حكمة المصيبة :

 

أيها الإخوة ، ليست العبرة أن تعلم أن هناك مصيبة ، ولكن العبرة أن تكتشف حكمة المصيبة ، لأن إدراك الحدث شيء سهل جداً ، لكن أن تدرك الحكمة من هذا الحدث هنا البطولة ، فالمصائب موجودة ، هناك فقر ، وقهر ، وفقد حرية ، ومرض ، ومصائب لا تعد ولا تحصى ، وهذا شيء واقع ، وهو قدرنا في الحياة الدنيا ، ولكن لما ؟

إن إنسانا يركب مركبة فيها ضوء أحمر تألق في لوحة البيانات ، المشكلة ليس أنه تألق أو لم يتألق ، لقد تألق ورآه راكب المركبة رأي العين ، لكن المشكلة لماذا تألق ؟ فلو توهم راكب المركبة أو قائدها أن هذا التألق تزييني لاحترق المحرك ، أما إذا فهم التألق تألقا تحذيريا أوقف المركبة ، وأضاف الزيت ، وسلم المحرك ، وتابع الرحلة ، وحقق الهدف .

إذاً : المشكلة ليست في أنه تألق أو لم يتألق ، المشكلة أنه تألق ، لكن لمَ تألق ؟ السؤال الأكبر : لمَ كانت المصائب ؟ لذلك قيل : من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر .

دائماً وأبداً حينما يأتي الشيء على خلاف ما ترجو توقف وابحث ودقق وتأمل واتهم نفسك .

(( يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يَا عِبَادِي ، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ ، إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ )) .   

[ مسلم  عن أبي ذر]

إياك أن تحابي نفسك ، كن مع نفسك شديداً ، كن مع نفسك واقعياً ، الله عز وجل  غني عن تعذيبنا ، قال تعالى :

 ( سورة النساء)

لا بد من حكمة بالغة من شدة ساقها الله للإنسان ، فلذلك المصائب لها حِكم بليغة ، عرفها من عرفها ، وما أقلَّهم ، وجهِلها مَن جهلها ، وما أكثرهم .

لكن للتوضيح ، هذه المركبة السيارة لماذا صنعت ؟ صنعت من أجل أن تسير ، فعلة صنعها السير ، ولماذا كان فيها المكبح ، والمكبح نظرياً يتناقض مع علة صنعها ، صنعت كي تسير ، والمكبح يوقفها ، تفسير ذلك أن المكبح وإن كان يتناقض مع علة صنعها إلا أنه ضمان لسلامتها ، فبين أن تفهم المكبح أنه يتناقض مع علة صنع السيارة ، وبين أن تفهم المكبح أنه ضمان لسلامتها .

الآن مع الآيات :

 ( سورة الأنعام)

إذا كنا مقطوعي الصلة بالله ، فتأتي المصيبة من أجل أن تدفعنا إلى باب الله من أجل أن تسوقك إلى الإقبال على الله ، من أجل أن تمرغ جبهتك في أعتاب الله ، من أجل أن تذوق طعم القرب ، إذاً : المصائب لها حكم جليلة .

آية ثانية :

 ( سورة الأعراف)

 

Text Box: المصيبة رسالة ربّانية :

المصيبة رسالة ، نحن الآن عندنا مصطلح جديد ، يقال : هذا العرض العسكري رسالة إلى دول الجوار ، الله عز وجل  له رسالات كثيرة ، من هذه الرسالات قوله تعالى :

 ( سورة القصص)

لولا أن الله يسوق لعباده هذه المصائب لكان الله ملوماً يوم القيامة من قِبَل الناس .

للتقريب : لو أن ابناً في الصف الخامس طلب من والده ألاّ يدرس ، قال له : لك ذلك يا بني ، فترك الدراسة ، نام إلى الظهر ، استمتع بالحياة استمتاعا تميز به عن كل مَن حوله ، لما أصبح شاباً التفت حواليه ، فإذا به بلا عمل ، ولا شهادة ، ولا زواج ، ولا بيت ، وغالب أوقاته يتسكع في الطرقات ، فنقم على والده ، وقال له : يا أبت ، يوم قلت لك : أحب ألا أدرس لمَ لمْ تصفعني ؟ لمَ لمْ تشدد عليّ ؟ لمَ لمْ تردعني ؟ لماذا تساهلت معي ؟

 ( سورة القصص)

لذلك القاعدة الدقيقة الذهبية : كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، فهذه المصائب يسوقها الله عز وجل من أجل التضرع ، ومن أجل التذكرة ، ومن أجل الرجوع إلى الله .

 ( سورة الروم)

 ( سورة الروم)

الانحلال الأخلاقي نتج عنه الإيدز ، والإيدز ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ، فالمصائب مكابح ، هناك حِكم جليلة لو كشفت لذاب الإنسان كما تذوب الشمعة حباً لله وتقديراً له ، وشكراً على هذه المصائب ، وقد سماها العلماء النعم الباطنة ، قال تعالى :

 ( سورة لقمان)

 

Text Box: أنواع المصائب :

 

أيها الإخوة الكرام ، لكن المصائب أنواع ، ومن السذاجة البالغة أن تظنها نوعاً واحداً ، الأنبياء مبتلون ، أشد بلاءً الأنبياء وأنا أشدهم بلاءً ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على قدر إيمانه .

المصائب ما نجا منها الأنبياء ، بل هم أشد الناس ابتلاءً ، ثم الأمثل فالأمثل .

إذاً : هناك مصائب خاصة بالأنبياء ، هناك مصائب خاصة بالمؤمنين ، هناك مصائب خاصة بأهل الشرك والفسق والفجور .

 

1 – مصائب الأنبياء مصائب كشفٍ :

 

نبدأ بمصائب الأنبياء ، مصائب الأنبياء مصائب كشف ، هذا النبي الكريم ينطوي على كمال يفوق حد الخيال ، هذا الكمال لا يظهر إلا في ظروف صعبة جداً .

إن الإنسان أحياناً يُنال من جانبه ، فيتمنى أن يوقع أشد العذاب بمن تطاول عليه ، أما أن يأتي سيد الخلق ، وحبيب الحق ، وسيد ولد آدم ، وسيد الأنبياء والمرسلين يمشي على قدميه ما يزيد على ثمانين كيلو مترا في أصعب الجبال وعورة ليصل إلى أهل الطائف يدعوهم إلى الله ليهديهم إلى سواء السبيل ، لينفذهم من النار ، ليخرجهم من الظلمات على النور فكذبوه ، وسخروا منه ، وأغروا صبيانهم أن ينالوه بالأذى ، هذه مصيبة ، لكن هذه المصيبة سوف تعبر بعد قليل عن الكمال الذي ينطوي عليه النبي .

أراد الله أن يمكنه من أن ينتقم فأرسل ملَك الجبال ، قال : يا محمد ، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين الجبلين ، الآن مُكِّن أن ينتقم منهم ، لكنه قال : اللهم اهدِ قومي ، قال : قومي ، وما تبرأ منهم .

أحيانا يذهب إنسان إلى بلد غربي فيرجع ويقول لك : العرب متخلفون ، ويتبرأ منهم نهائياً ، لكن النبي قال : اللهم اهد قومي ، دعا لهم بالهدى ، وما تبرأ منهم ، واعتذر عنهم ، قال : فإنهم لا يعلمون ، ورجا من الله أن يخرج من أصلابهم من يوحده ، هذه مصيبة ، لكن أظهرت عظمة هذا النبي ورحمته بالخلق .

 ( سورة التوبة)

هذا صنف من المصائب يصيب الأنبياء والمرسلين والصديقين وكبار العلماء والدعاة ، يدفع ثمن عقيدتهم .

جاءوا لأحد العلماء بشيخ كي يلقنه الشهادة ، قبل أن تنهى حياته ، وهو عالم جليل ، وشيخ كبير ، الذي لقنه الشهادة قال له : أنا أموت من أجل لا إله إلا الله ، أما أنت فترتزق بها ، وشتان بين من يموت في سبيل الله ومن يرتزق بـ : لا إله إلا الله ، لذلك يقول الإمام الشافعي : " لأن أرتزق بالرقص أهون من أن أرتزق بالدين " ، والذين يرتزقون بالدين اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً .

مصائب الأنبياء والمرسلين وكبار المؤمنين والعلماء الربانيين مصائب كشف لكمال ينطوون عليه ، هذه زمرة .

 

 2 – مصائب المؤمنين مصائب دفعٍ ورفعٍ :

 

المؤمنون ، المؤمن إنسان مستقيم ، لكنه يكون  مقصِّرا أحياناً في أداء واجباته ، أو في عباداته ، أو يكون مشغولا بالدنيا ، أو قد غرق في المباحات أو في التحريش بين المؤمنين ، بدافع أو بآخر هذا الإنسان عند الله جيد ، وعند الله له مكانة ، لكن يمكن أن يعالَج ، لذلك مصائب المؤمنين مصائب دفع إلى باب الله .

في المؤمن تقصير وفتور ، وخطى بطيئة وتكاسل أحياناً ، فالمؤمن إذا أصابه التكاسل ، وإذا أصابته الفترة ، وإذا أصابه الضعف يأتيه شبح مصيبة يسوقه إلى الله عز وجل ، لذلك قال تعالى :

 ( سورة البقرة)

مصائب المؤمنين مصائب دفع ، هناك بطء ، و تقصير وفتور في الهمة ، تأتي المصيبة فتدفعه إلى باب الله ، وتلجئه إلى باب الله ، وتدعوه إلى المبالغة في طاعته لله ، وتدعوه إلى إتقان عباداته ، وتدعوه إلى قيام الليل ، تدعوه على تلاوة القرآن الكريم ، إلى المبالغة في غض بصره ، فهي مصائب دفعٍ إلى باب الله ، قال تعالى :

 ( سورة البقرة)

 

Text Box: بلوغ المراتب العالية بين الصبر على المصيبة والأعمال الصالحة :

       

إن المركبة التي تمشي ببطء شديد إلى هدفها لو أنها أسرعت لحققت أهدافاً كبيرة جداً ، هذه مصائب بعض المؤمنين .

هناك مصائب أخرى لمؤمن يمشي بسرعة ، لكنه اختار من الأعمال الصالحة أقلَّها قيمة ، فمَثَلُه كمثَل إنسان يحمل في مركبته بضاعة الطن الواحد أجرته مليار ، فحمل نصف طن ومركبته تتحمل ثمانية أطنان ، فإذا قبِل الإنسان بمرتبة دنيا فالله عز وجل لمحبته له يسوق له بعض المصائب كي يصبر عليها ، فيرفع درجته عند الله .

كلمة من القلب إلى القلب : أنت كمؤمن مستقيم غالٍ على الله لك عنده مرتبة ، فإما أن تبلغها بصبر على مصيبة ، وإما أن تبلغها بعمل صالح ، أيهما أهون ؟ لا بد من بلوغها ، وسقف المؤمن هنا ، هو قبل هنا ، إذاً : لا بد من أن نرفع السقف ، فإمّا أن أختار بلوغ مرتبة الصلاح بخدمة الخلق ، أو بصبر على مصيبة .

أنا أنصح نفسي وأنصحكم جميعاً أن تنطلق لخدمة الحلق حتى يعفيك الله عز وجل من مصيبة تصبر عليها فتبلغ هذه المرتبة ، الله عز وجل أعطاك مالاً فلمَ تقصّر في إنفاقه ؟ أعطاك مكانة لمَ تقصر في جعلها موظفة في الخير ؟ أعطاك طلاقة لسان لمَ تميل إلى السكوت ، ولا تحب أن تلقي كلمة ، ولا تحب أن تعلم العلم ؟ فكل إنسان عنده إمكانيات عالية ، وبذل بعضها ، فتأتيه مصيبة لرفع السقف حتى يصل إلى أعلى إمكان يمكن أن يصل إليه ، مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع ، مصائب الأنبياء مصائب كشف ، والآية الواضحة جداً الخاصة بالمؤمنين :

 ( سورة البقرة)

3 – مصائب المنحرفين مصائب قصمٍ وردعٍ :

 

أيها الإخوة ، أما مصائب المنحرفين الشاردين الكفار المشركين العصاة الفّجار نوع ثالث ، هما مصيبتان ، إما أنها مصيبة قصم ، أو أنها مصيبة ردع ، فإذا كان فيه بقية خير تأتيه مصيبة ردع ، مصيبة يشيب لهَوْلِها الولدان ، مصيبة تَدَع الحليم حيران ، قال تعالى :

 ( سورة البروج)

الله عز وجل عنده أدوية مُرّة .

بالمناسبة ، في أيّ مكان في العالم كنتَ فإن الله عنده أدوية لكل مكان ، بحسب البيئة والتركيبة ، في بلاد فيها حريات لا حدود ، لها أموال طائلة ، بلاد جميلة ، قطعة من الجنة ، حريات إلى أعلى درجة ، حقوق الإنسان متوافرة بشكل مذهل ، قد يأتي مرض عضال يري صاحبه النجوم ظهراً ، وفي مكان آخر شدة وسيوف مسلطة فوق الناس ، كل بلد له تركيبة معينة ، كل بلد له وضع معين ، الله عز وجل قادر على أن يسوق عباده إليه في أي مكان .

مرة أَحَبَّ رجلٌ أن يسألني سؤالا محرجا قال : دعْوتك خلال خمس وثلاثين سنة ما ملخصها ؟ يريد كلمة ألخص بها دعوتي خلال خمس وثلاثين سنة ، قلت له كلمة واحدة بالتعبير الدارج : إمّا أن تأتي ركضا وإمّا أن يحضرك ركضا ، إما أن تأتيه طائعاً مسرعاً أو هو قادر أن يأتي بك طائعاً مسرعاً .

قال لي واحد أحدُهم : حققت أرباحا مذهلة في السبعينيات ، وكان الدولار بثلاث ليرات ، وضعت في جيبي خمسمئة ألف ، وذهبت إلى بلاد جميلة جداً بعيدة ، قال : مِن دون زوجتي كي آخذ حريتي ، هكذا قال لي بصراحة ، وصل إلى هناك فشعر بآلام في ظهره ، أجرى فحصا فظهر ورم خبيث في النخاع الشوكي ، قطع الرحلة ، وعاد إلى الشام ، وبدأ من جامع إلى جامع ، ومن شيخ إلى شيخ ، حتى وصل إلي ، الله عز وجل جاء به مسرعاً ، لأن الله يحبنا ، لأنه خلقنا للجنة ، لأنه خلقنا ليسعدنا ، لا ينسى من فضله أحدا ، وهذا فضلٌُ إلهيّ ساقه إلي .

مصائب الشاردين العصاة الفجار الكفار المشركين مصائب ردع إذا كان فيهم بقية خير ، جاء هذا الرجل إلى الشام وأحرى فحوص التشخيص ، فتبيّن أن الفحص الأول غير صحيح هناك ، فالله عافاه ورده ، القصة طويلة ، لكن مصائب المنحرفين مصائب ردع أو مصائب قصم تنهيه .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi