English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

سورة الأنفال (8) : الدرس 2/6  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي

الدرس : 013 - ب .

الموضوع : سلوك الإنسان الحقيقي ، الآيات 20-21-22 .

التدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد .

       أيها الإخوة الكرام ؛ في سورة الأنفال آيات ، وهذه الآيات أرقامها عشرون وواحدة وعشرون واثنتان وعشرون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

     

من أدق الآيات المتعلقة بالسماع : "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه" ، تعرضوا عنه ، لا تديروا ظهوركم لهذه الدعوة ، لا تنصرفوا عنها ، هي تولوا عنه ، "وأنتم تسمعون" ، يعني كتاب الله يتلى عليكم صباحاً ومساء ، تستمع لهذا الكتاب ، بالمناسبات الحزينة ، في عقود القران أحياناً ، تسمع في الإذاعة أحياناً ، تقرؤه كل يوم ، أنت بين يديك كتاب الله عز وجل ، إذا أردت أن تخاطب الله فادعُهُ ، وإن أردت أن يخاطبك الله فاقرأ القرآن ،" لا تولوا عنه وأنتم تسمعون " ، مثلاً إنسان يقرأ القرآن ، يستمع للقرآن ، بلَغَهُ القرآن ، يَفهمُ القرآن ، ثم تجده يتعامل في بيته وفي تجارته بخلاف أحكام القرآن ‍‍.

        لذلك ورد في الحديث أنه : "ما آمن بالقرآن من أستحل محارمه  ما آمن بالقرآن من أستحل محارمه "، وورد أيضاً : رُبَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه ، وإذا قلت: صدق الله العظيم ، ولم تكن مطبقاً لأحكام القرآن ، فهذا كلام منكَ غير صحيح ، أنت ما صدقته ، أنت في الحقيقة تكذبه .

        والاتجاه الجديد حاليًا في العالم كله ، أن الإنسان لا يُقَيَّم أبداً من أقواله ولا من معتقداته ، بل يُقَيَّم فقط من سلوكه ، لأن سلوك الإنسان هو الترجمة الحقيقة لمعتقداته وتصوراته ، فإذا قال إنسان : أنا مؤمن بالله ، وأسعى للآخرة ، وأخاف دخول جهنم ، ولم تر في عمله ما يؤكد ذلك فهو كاذب .

         فبالسلوك إذًا التقييم الحقيقي ، لأنّ رفع الشعار سهل ، الادِّعاء سهل ، دعوة الانتماء سهلة ، كل إنسان لسانه يتكلم كما يشاء لكثرة الكذب والدجل والتزوير والانتماءات الباطلة ، والادعاءات الفارغة لدى الناس .

        لذلك اتَّجه الناس الآن إلى تقييم الإنسان لا من أقواله ، ولا من تصوراته ، ولا من إشاراته ، ولا من لفتاته ، بل من عمله فقط ، هذا المعنى تؤكده هذه الآية : "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون" . أيْ تسمع القرآن ، والآية الأخرى تقول : " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " .

( سورة النور : 30 )

فكيف تطلق بصرك في الحرام ، والآية تقول : " ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم " .

( سورة البقرة : 221 )

كيف ترضى لابنتك زوجًا غنيًا ولا يصلي ، وليس فيه دين .

والله عز وجل قال أيضًا : "يمحق الله الربا ويربي الصدقات"  .

( سورة البقرة : 276 )

فكيف تتعامل تعاملاً ربوياً .

والله عز وجل يقول : "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم " .

( سورة التوبة : 103 )

فكيف تقصر في دفع الزكاة .

والله عز وجل يقول : "وأن الله لا يهدي كيد الخائنين "   .

( سورة يوسف : 52 )

فكيف تحتال على بعض الناس ؟.

         إنّ القرآن بين أيدينا ، وعلى الإنسان أنْ يكون صادقًا مع نفسه ، يعني هذه النشاطات الفارغة ، كل عبادة لا تكلف شيئًا يبادر لها ، أما عند الدفع ، عند الحلال ، عند الحرام ، عند الأخذ ، عند العطاء ، عند أداء الحقوق ، عند الاعتراف بالحقوق يقول : عليك بالمحاكم ، أهذا شأن المؤمن ؟ يقول لك : هذه المحاكم أمامك ، يجب أن تؤدي الحق من دون دعوى إنْ كنتَ مؤمنًا ، ومن دون محكمة ، فالمؤمن وقَّافٌ عند القرآن ، يؤدِّي كلّ حقٍّ عليه .

 " ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون" ، الآية التي بعدها : "ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون " ، ذكرت هذا قبل فترةٍ في بعض أحاديثي ،  ماذا أراد الله بكلمة أننا سمعنا ؟! وقد ذكرتُ يومها مثلاً يوضِّح الآية .

         إذا شاهد شخصٌ على كتف صديقه عقربًا ، وقال له : العقرب العقرب ‍‍‍، فالذي على كتفه العقرب قال بهدوء وراحة وبساطة : أنا أشكرك أشدَّ الشكر على هذه الملاحظة القيِّمة ، وأنا لا أملك إلا أن أعبِّر عن تقديري الجزيل لهذه اللفتة البارعة ، فقد سمع ما قال له ، وحذَّره ، فإذا بقي هادئًا ، فلعلّ اهتزاز الصوت وصل إلى طبلة أذنه ولم يفهم شيئًا ، فالعلماء يفرقون بين الصوت والكلام ، ممكن أنْ تسمع ضجيجًا ، وممكن أنْ تسمع من بعيد إنسانًا يتكلم ، لكنّك لم تفهمْ من كلامه شيئًا ، فهذا يعني صوتًا، اهتزاز بوسط مرن ، هذا هو الصوت ، لكن مضمون هذا الصوت هل فهمته ؟ لا .

قال تعالى : "ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ".

        يعني أنّ الله عز وجل أراد بالسماع التطبيق ، شيء طبيعي إذا قيل لإنسان : على كتفك عقرب فانتبه ، أن يقفز ، ويهيب واقفا ، وأن ترتعد مفاصله ، وبعد أن يزيله عن كتفه يقول : شكراً ، أما إذا جامله ، معنى ذلك أنه ما سمع قولَه ، لقد سمِع صوتًا ، ولم يفقه له معنًى .

        فحينما يخاطب المؤمن خطاباً معيناً ولا يتحرك ، فهذا المؤمن إنْ لم  يتحرك فهذا لم يفهم مِن الخطاب شيئًا ، نحن في ذكرى الهجرة هذه الأيام ، والله عز وجل قال: "والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا " .

( سورة الأنفال : 72 ) .

        فإذا لم تأخذ موقفًا عمليًا ، وإذا لم تتحرك ، ولم تقف موقفًا إيجابيًا ، ولا اندفعت، ولا أعطيت ، ولا منعت ، ولا وصلت ، ولا قطعت ، ولا  غضبت ، إن لـم تتحرك ، بناءً على معتقداتك ، فهذا الاعتقاد السلبي الذي لا يقدم ولا يؤخر لا شأن له عند الله .

"ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ".

         لو سمعت الحق لأمضيت الوقت كله في التقرب إلى الله عز وجل ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في بعض الأحاديث : إنّ روح الميت ترفرف فوق النعش ، تقول يا أهلي يا ولدي ، لا تلعبنَّ بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله ، فالهناء لكم ، والتبعة عليّ .

جاء في الحديث الشريف أنه : ما من بيت ، إلا وملك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرات ، فإذا رأى أن العبد قد انقضى أجله ، وانقطع رزقه ، ألقى عليه غم الموت ، فغشيته سكراته ، فمن أهل البيت ، الناشرة شعرها  والضاربة وجهها ، والصارخة بويلها ، يقول ملك الموت : ممَّ الفزع ؟ وممَّ الجزع ، ما أذهبت لواحد منكم رزقاً ، ولا قربت له أجلاً ، وإنّ لي فيكم لعودة ، ثم عودة ، حتى لا أبقي منكم أحداً ، يقول عليه الصلاة والسلام : فو الذي نفس محمد بيده ، لو يرون مكانه ، ويسمعون كلامه ، لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم .

        كثير ما تلاحظون أنه عندما يموت الإنسان ، إذا كانت يده قابضة يفرحون ، هو طبعاً في حزن معلن ، يطيلون شعرَ ذقونهم ، يلبسون الأسود ، لكن عملياً يفرحون ، لقد أخذوا الثروة ، فهذا الذي فرح ألم يعلم أنه حين يموت سيفرح الآخرُون مثل فرحه هو يوم أخذ الثروة .

        منذ عدة سنوات توفي إنسان بهذه البلدة ، وترك ألف مليون ! أحد الورثة  نصيبه مئة وعشرون مليونًا ، ترك عمله ، وترك محله التجاري ، وشمّر وبدأ يتابع حصر الإرث ، إنّه مبلغ ضخم ، لم يدخل إلى محله التجاري ستة أشهر ، وهو يتابع معاملة الميراث ، وفي أحد الأيام دخل الحمام ليغسل فسقط ميتاً ، قبل أن يأخذ قرشاً واحداً .

         هذه الحياة ، فلذلك على الإنسان أنْ يحتاط ، "ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ".

        معنى ذلك أنّ الله عز وجل يعني بالسمع أنْ تستجيب ، أعطاك أمرًا لتنفيذه ، هذا السماع ، وإلا فهذا الإنسانُ ميت إنْ لم ينفذ الأمرَ ، ثم يقول الله عز وجل - يا لطيف ما أدقَّ هذه الآية - : "إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون " ، يوصف بأنه ذو ضرس  طيب ، أذواقه في الدنيا عالية ، يعرف من أين تؤكَل الكتف ، قناص درجة أولى ، يأخذ حقَّه حقَّ غيره ، لسانُه له سبع شطلات ، أما عند معرفة الحقوق ، وعند معرفة الله ، فهو جاهل ، " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون" .

        مرة التقيت شخصًا أجنبيًا ، قلت : لعلى أُلقي على سمعه بعض الكلمات  التي تذكِّره بالله عز وجل ، فذكرت له كلامًا موجزًا عن عظمة الخالق ، ففوجئت أنه يقول لي : هذه الموضوعات لا تعنيني ، ولا أهتم لها ، ولا أُلقي لها بالاً ، لا يعنيني إلا ثلاثة أشياء ؛ بيتٌ واسع ، وسيارةٌ فاخرة ، وامرأةٌ جميلة .

         طيلة حياتي ما تذوقت هذه الآية ، كما تذوقتها حينما سمعت كلامه ، قال سبحانه : " ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم " ، وقال عز وجل : " أمواتٌ غير أحياء".

( سورة النحل : 21 ) .

     شخص عربي مسلم جلس في أمريكا بحديقة عامة ، وجلس إلى جانبه رجل أمريكي الأصل ، وهذا المسلم العربي لونه غامق ، فسأله الأمريكي : أنت من هنا ؟ ولو قال له : نعم لما كلمه إطلاقاً ، بسبب التفرقة العنصرية في تلك البلاد ، قال له : أنا من الشرق ، من أين ؟ قال : من البلد الفلاني ، قال  : أنا مسلم ، قال له : حدثني عن الإسلام ، هذا رجل عالم ، فشمَّر وبدأ يعطيه خلال ساعةٍ خلاصةً مركزةً عن الإسلام ، بعد أن انتهى ، مدَّ يده إلى جيبه وأخرج دولارًا ، ثم قال له : أمّا أنا فهذا هو ربي .

        "ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم "، يعني إذا كان الشخص فيه خير من تلك البلاد فلا بد أنْ يسوقه اللهُ إلى بلد مسلم ، أو أنّ الله يدله عليه ، فهذه الآية دقيقة ، يقول بعض الناس : هؤلاء قد تركهم الله وشأنهم ، ليس هذا صحيحًا  ، "ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم " ، هذه الآية فيها بشرى لنا جميعاً ، إذا أسْمَع الله شخصًا الحقَّ فماذا يُفهَم من ذلك ؟ أن الله علم فيه خيراً ،  المعنى المخالف ،" ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم" ، طبعاً ما أسمعهم ، لأنه لم يعلم فيهم خيراً ، فإذا أسمع الله عبداً الحقَّ ، فماذا يعني ذلك ؟ أنه علم فيه خيراً ، لمجرد أن الله سبحانه وتعالى ، شاءت حكمته أنْ تولد أنتَ في بلاد المسلمين ، فهذه رحمةٌ من الله عز وجل .

            أحد إخواننا كان في بلد أجنبي ، يعمل سائق تكسي ، ركبت معه امرأة وهي تبكي ، وهو يقود السيارة ، سألته لمَ لمْ تسألني عن سبب بكائي ؟ فقال لها : هذا لا يعنيني ، قالت له : أبي يمارس معي الجنس منذ عشرين عامًا ، واليوم قدَّمت في حقه شكوى ، فقد كان زنى المحارم شائعًا هناك ، " ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون "إذًا لو أسمعهم ، "لتولوا وهم معرضون "، هذه الآيات دقيقة ، "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون  إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ".

        يعني شر الدواب ، "شر" اسم تفضيل ، شر دابةٍ على وجه الأرض ، الذي يأكل ويشرب ، ويستمتع ، لكنه لا يعقل ، لا يسمع ولا يفكر ، "الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم "، وليس فيهم الخير ، " لتولوا "، هذه الآية قد تذوقتُها ، عندما قال لي الأجنبي ،  : هذه الموضوعات لا تعنيني أبداً ، ولا أهتم لها ، يعنيني زوجة جميلة ، وبيت واسع ، وسيارة فاخرة ، فقط ، فلا ترهِقْ نفسك معي ولا تتعب ، "ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون "، السماع عند الله ماذا يعني ؟ التطبيق ، وإنْ لم تطبّق فما سمعت شيئًا ، السماع يعني التطبيق ، الآيات بين أيدينا ، القرآن بين أيدينا ، الله يسره ، تقرؤه وقد طُبِع بخط جميل ، تسمعه بشريط ، وتسمعه بمولد ، وتسمعه في تعزية ، هذا شيء دقيق ، لكنّ السماع عند الله يعني التطبيق ، فإن لم تطبق فأنت لم تسمع ولم تفهم .

الحمد لله رب العالمين.

Copyright © 2007 Nabulsi