English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

سورة الأنفال (8) : الدرس 4/6  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي

الدرس : 014 - آ .

الموضوع : المعنى الحقيقي للهجرة ، الآية 72.

التدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

     أيها الإخوة الكرام ؛ الآية الثانية والسبعون من سورة الأنفال قوله تعالى :

         

الهجرة أيها الإخوة ؛ ونحن هذه الأيام نعيش ذكرى الهجرة ، الهجرة هي المظهر العملي للإيمان .

الإيمان : ما وقر في القلب ، وأقره اللسان ، وصدقه العمل .

فالإنسان أيها الأخوة ؛ إذا آمن بالله ، آمن بالله ولكنْ من دون حركة نحو الله فذلك مستحيل ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍، آمن بالله من دون تطوير لنمط حياته فهذا مستحيل   ، آمن بالله من دون تغيير لطريقة كسب المال فهذا ليس إيماناً .

فكأن الله سبحانه وتعالى أراد من الهجرة ، معناها الواسع ، والهجرة لها معنى ضيق ، ولها معنى واسع ، فمعناها الضيق الانتقال من مكة إلى المدينة في عهد النبي ، لكن باب الهجرة أغلق بعد الفتح ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام : لا هجرة بعد الفتح .

لكن باب الهجرة مفتوح إلى يوم القيامة ، بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة ، باب الهجرة مفتوح ، من دار الكفر إلى دار الإسلام ، ويبقى هذا هو المعنى الضيق .

لكن المعنى الواسع : المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ، لما يرتاد الإنسانُ بيوتَ الله ، ويدع الأماكن الموبوءة فقد هاجر إلى الله ، ولما ينضم الإنسان إلى المؤمنين ، ويأنس بهم ، ويدع الفسقة والفجار ، فقد هاجر إلى الله ، ولما  يأوي الإنسان إلى بيته ويجعله كهفه في زمن الفتن ، والانحرافات ، والضلال  فقد هاجر إلى الله ، وحينما يدع الإنسان الحرام ، ويأخذ الحلال فقد هاجر إلى الله .

         فالهجرة بمعناها الواسع الانتقال من المعصية إلى الإيمان ، من التفلُّت إلى الانضباط ، من مجتمع الكفار ، إلى مجتمع المؤمنين ، من تقليد الكفار ، إلى تقليد المؤمنين ، من التخلي عن أهل الدنيا ، والانضمام إلى أهل الدين ، هذا المعنى الواسع، وهذا المعنى يسع الناس في كل زمان ، وفي كل مكان ، وأجمل ما في الموضوع الحديث القدسي ، الذي يقول الله جل جلاله فيه : "عبادةٌ في الهرج كهجرةٍ إليّ "، الهرج الفتن ، يعني إذا كان الطريق ، مليئًا بالكاسيات العاريات ، فغضُّ البصر حينئذٍ هجرة ، ولزومُ مجالس العلم هجرة   ، والالتجاء إلى بيوت الله هجرة ، والانضمام إلى المؤمنين الصادقين هجرة ، "عبادةٌ في الهرج كهجرةٍ إليّ "، هذا ما يقوله الله عز وجل في الحديث القدسي .

           لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام قال مرةً : "اشتقت لأحبابي  قالوا أو لسنا أحبابك ، قال لا : أنتم أصحابي ، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان ، القابض منهم على دينه كالقابض على جمر أجره كأجر سبعين ، قالوا : منا أم منهم قال : بل منكم، قالوا : ولِمَ ؟ قال : لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون ".

            الإنسان إذا تديّن حقًّا ، وإذا استقام حورِب من كل الناس ، حتى من أهله  ، وزوجته ، وأولاده ، حتى من أقرب الناس إليه .

            هكذا ، قال عليه الصلاة والسلام : بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء أناسٌ صالحون في قوم سوءٍ كثير .

            فإذا شعرت بالغربة فهي علامة صادقة على إيمانك ، يقول بعضهم : أخي الناس كلهم فسقة ، الناس كلهم منحرفون ، وأنا منهم ، وإلاّ فأين أذهب ، ثم يعايشهم ، أمّا أنت إن شعرت بالغربة فهذه علامة طيبة ، لأن الله عز وجل قال : "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين " .

( سورة يوسف : 103  ) .

           إخوانا الكرام ؛ إنّ الأحداث التي مرت بعهد النبي أحداثٌ ساقها الله عز وجل  لحكمةٍ بالغةٍ بالغة ، ليقف النبي منها موقفاً كاملاً ، ليكون هذا الموقف تشريعاً إلى يوم القيامة ، لأن هذه الأحداث تتكرر .

 الأحداث التي وقعت في عهد النبي ، ليست أحداثاً تاريخية وقعت ولن تقع ، وقعت وسوف تقع ، وسوف تقع دائماً .

         لذلك جاءت في عهد النبي ، ووقف منها النبي موقفاً كاملاً ، ليكون هذا الموقف موقفاً تشريعياً لمَن كان في عصره ، ولمَن بعده إلى يوم القيامة .

        أول درس أيها الأخوة من الهجرة ؛ أن الهجرة تعلمنا أنه إذا تعارضت  مصالحك مع مبادئك فعليك بالمبادئ ، إذا تعارض حبُّك لبلدك ولمكان إقامتك مع طاعتك لله عز وجل ، فابحث عن مكانٍ تطيع فيه الله عز وجل ، " كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ".

( سورة النساء : 97 )

طبعا هناك كثير من الأقطار أو القرى أو المدن تلجأ إليها ،  ففي العصور الوسطى حدَث اضطهاد ديني ، فالذين رضوا بالاضطهاد الديني ، تفلَّتتْ أمورهم ، وتركوا عباداتهم ، وأطلقوا لبناتهم العنان إرضاءً للمضطهدين ، ضيعوا دينهم وآخرتهم ، لكن الذين فروا بدينهم  هم كثيرٌ ، فرُّوا بدينهم من الاضطهاد الديني ، فقد أنقذوا آخرتهم .

        فالإنسان إذا كان الخيار صعبًا لديه ، بين أن يقيم شرع الله ، وبين أن يترك ، عليه أن يطيع الله في أي مكان آخر ، هذا أول درس .

الدرس الثاني أيها الإخوة ؛ النبي عليه الصلاة والسلام علمنا بحادثة الهجرة أنّ أخذ الأسباب لا يتناقض مع التوكل ، فقد رَسَمَ خطّةً محكمة ، وغطّى كل الثغرات ، أولاً سار باتجاه البحر ، وربض في غار ثور ، وكلف إنسانًا لتقصي الأخبار ، وإنسانًا لموح الآثار ، وإنسانًا ليأتي له بالزاد والأخبار ، واستأجر خبيرًا في الطريق ، لقد هيَّأَ كلَّ شيء ، هذا هو الأخذ بالأسباب ، ومع ذلك كان متوكِّلاً صادقًا .

          أيها الإخوة ؛ المسلم الصادق يأخذ بالأسباب ، ويتوكل على رب الأرباب ، لأنّ عنده منزلقين .

أول منزلق : أن يأخذ بالأسباب وأن يعتمد عليها فيقع في الشرك .

ثاني منزلق : إنْ لم يأخذ بها وقع في المعصية .

         فأنت أيها المسلم بين معصيتين ، أن تأخذ بالأسباب وتقع في الشرك ، أو أن تدع الأخذ بالأسباب فتقع في المعصية ، وما سبب تخلف المسلمين إلا أنهم أخذوا بالأسباب ، واعتمدوا عليها ، فأشركوا  فأحبط الله أعمالهم ، وإما أنهم تركوا الأخذ بالأسباب ، لفهمٍ ساذجٍ للتوكل ، وقعوا في المعصية ، فلم يستحقوا نصر الله عز وجل .

           هذا درسٌ بليغ ، يجب أن يضعه كل مسلم نصب عينيه في حياته اليومية كلها ، في  كل شأنٍ من شؤون حياته ، حتى في شأن صحته ، سمِّ الله وكُلْ ، والتفاحة ليست مغسولة ، هذا ليس توكلاً ، هذا عدم أخذ بالأسباب ، ألا تلقح أولادك ؟ يا أخي ، أنا على الله متوكل ، هذه غفلة ومعصية ، عدم الأخذ بالأسباب معصية ، وأن تأخذ بالأسباب وتقول لا يوجد شيء ، وأنا عملت مراجعة للسيارة وهي جاهزة للسفر ، لن يحدث معي شي يسوؤني ، هذا شرك  ، لأنّك اعتمدت عليها ، الله عز وجل قادر أنْ يخلق لك مشكلة ، وأنت آخذ بكل الأسباب .

           أيها الإخوة : من لم يأخذ بالأسباب فقد عصى ، ومن أخذ بها واعتمد عليها فقد أشرك ، والنبي علمنا بالهجرة ، كيف أنه أخذ بالأسباب ، فلما جاؤوا إليه توكل على الله ، وصلوا له ، رغم كل الأسباب ، وصلوا إلى غار حراء ، فلأنه  لم  يعتمد عليها ، ولو اعتمد أنه عليها لانهار ، لكنه أخذ بها ، طاعةً لله ، ولم يعتمد عليها ، بل اعتمد على الله عز وجل ، لذلك لم يخف أبدًا. 

           قال : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين ، الله ثالثهما ، قال أبو بكر : لقد رأونا ، قال : يا أبا بكر ، ألم تقرأ قول الله تعالى : "وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون" .

( سورة الأعراف : 198 )

 يبدو أن أحد المطاردين وقعت عينه على عين أبي بكر رضي الله عنه ، قال له : لقد رأونا ، فقال له عليه الصلاة والسلام : ألم تقرأ قوله تعالى : "وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ".

         أنت حينما تأخذ بالأسباب ، ولا تكفي الأسباب ، فالله يرمم لك إياها ، أنت حينما تأخذ بالأسباب ، ولا تكفي الأسباب ، فالله يتولى الباقي ، أما إن لم تأخذ بها ، فهذه استهانةٌ بنظام الكون ، وهذا استخفافٌ بنظام الله عز وجل ، أما إذا أخذتها واعتمدت عليها ، ونسيت الله ، فقد أشركت ، وهذا الدرس الثاني .

الدرس الثالث أيها الإخوة ؛ هذا الحديث الشريف ، والله أتمنى عليكم أن يكون أمامكم في كل ساعة ؛ " ما ترك عبدٌ شيئًا لله إلاّ عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه "، أقسم بذات الله ، زوال الكون أهون على الله من أن يدع مؤمنٌ شيئًا لله ثم يخسر ؛" ما ترك عبدٌ شيئًا لله إلاّ عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه "  .

         أحد الصحابة ، حينما بايع النبي بيعة الهجرة ، عقبة بن عامر الجهني  وعنده غنيمات ، يحرص عليها حرصاً بالغاً ، فكان يقول لأصحابه : اذهبوا أنتم إلى رسول الله ، ودعوني مع الغنمات ، يخاف عليها ، لأنّها كلها رأس ماله ، لكنه لم يلبث أنْ أجرى محاكمة مع نفسه ، أنا إلى متى أسمع عن النبي ، ولم أسمع منه مباشرةً ، فترك الغنيمات وذهب إلى النبي يسمع منه بنفسه وتصحبه سحابة يومه ، هذا الإنسان صار فاتح مصر ، وفاتح الشام ، وفاتح جزيرة رودس في البحر المتوسط ، وصار أكبر عالم من علماء الصحابة ، وأكبر قارئ قرآن ، لمَّا ترك الغنيمات ، وكان مجرد راعٍ ، فصار عالمًا جليلاً ، وصار واليَ مصر ، وفاتح الشام ، وفاتح رودس .

 " ما ترك عبدٌ شيئًا لله إلاّ عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه "

أنا لن أقول لك جرِّب الله ، ولا أقول لك شارِط الله ، ولكن أنقلُ لك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، تركُ أمرٍ لله ، تركُ مبلغ لله ، إذا لم تأخده أضعافًا مضاعفة بطريق حلال، فإنّ الدين يكون باطلاً ، ؛" ما ترك عبدٌ شيئًا لله إلاّ عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه " . 

دائماً كن مع الله ، دائماً كن مع الحق ، ضع مصلحتك تحت قدمك ، قل : يا ربِّ أبتغي رضاك ، والله عز وجل لا ينساك .

الخلاصة في الهجرة ثلاثة دروس :

أول درس ، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، ولو كلفني ترك بلدي ، فإذا مُنِع المسلم من الصلاة ، مُنِع أن يقيم شعائر الله ، "ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها" ، فلا عذر لك أبدً ، لكن نحن والحمد لله نقيم شعائر الله بشكلٍ رائع ، وما من بلدةٍ في العالم كهذه البلدة الطيبة ، التي يعرف الجميع أن الله سبحانه وتعالى ، كما قال النبي: رأيت عمود الإسلام قد عمد به إلى الشام .

 هذه نعمة كبيرة ، وإن شاء الله في بدرس قادم ، نتحدث عن الهجرة المعاكسة ، كيف أنّ الإنسان لمّا يترك بلدًا فيه مجالس علم ، وتقام فيه شعائر الله عز وجل ، من أجل الدرهم والدينار ، يضيع دينه ، وعرضه ، وأولاده ، هذه هجرة معاكسة ، في سبيل الشيطان

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi