English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

شرح الحديث الشريف : كتاب رياض الصالحين : حديث احفظ الله يحفظك (2) :" كيف يحفظ الله لك دينك"   

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، لا زلنا في حديث رسول الله e الذي يعد من أصول الدين ، هذا الحديث الشريف ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ : ((يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ)) .

( رواه الترمذي وقَالَ هَذَا : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ)

وفي روايةٍ غير الترمذي :

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ((يَا غُلَامُ أَوْ يَا غُلَيِّمُ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ فَقُلْتُ بَلَى فَقَالَ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا )) .

(رواه أحمد )

لا أبالغ أيها الإخوة إذا قلت ، إن هذا الحديث من أهم الأحاديث التي تتعلق بأصول الدين ، وبأصول الإيمان .

في الدرس الماضي شرح بعض أجزاء هذا الحديث ، هي : ((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ)) ، وبقي أن حفظ الله عزَّ وجل على نوعين : حفظٌ دنيوي ، وحفظٌ أخروي ، فالحفظ الدنيوي هو أن يحفظ الله لك بدنك من السقم ، ومن الأمراض العضالة ، وأن يحفظ لك أهلك وأولادك من كل مكروهٍ وأذى ، وأن يحفظ لك مالك ، هذا حفظ الدنيا ، وحفظ الدنيا ثمنه أن تحفظ الله ، وحفظ العبد لله عزَّ وجل أن يحفظ الأمر بالتطبيق ، والنهي بالترك ، والحدود بالوقوف عندها ، وشُرح هذا بالتفصيل في درس سابق .

اليوم كيف يحفظ الله لك دينك ؟ إذا حفظته أنت فطبقت الأمر ، وتركت النهي ، ووقفت عند حدود الله عزَّ وجل ، كيف يحفظ الله لك دينك ؟

أولا : يحفظك من الشبهات المهلكة ، ومن الشهوات المحرمة ، هناك في العقل شيء ، وفي النفس شيء ، يحفظ عقلك من الشبهات ، فالذي يكون عند الأمر و النهي ، و عند حدود الله عز وجل لا يمكن أن تتسرب إلى عقله عقيدةٌ فاسدة ، كم من أناسٍ اعتنقوا عقائد فاسدة ، في ظل الدين ، أية عقيدة فاسدة تشل حركة الإنسان في الدنيا ، فمن دخل على عقله شبهات فاسدة تعطل عمله ، بل ساء عمله ، ومن وقع في شهوات محرمة وقع في حجاب عن الله عزوجل ، فمن وقف عند حدود الله فلم يتجاوز ها ، ومن وقف عند الأمر فطبّقه ، وعند النهي فاجتنبه ، فأغلب الظن والرجاء بالله تعالى أن يحميه من آفتين خطيرتين مهلكتين ؛ شبهاتٌ مضلَّة ، وشهواتٌ مهلكة .

قال بعض السلف : إذا حضر الرجلَ الموتُ يقال للملَك : شمَّ رأسه ، قال : أجد في رأسه القرآن ، فيقال له : شمّ قلبه ، فيقول : أجد في قلبه الصيام ، فيقال : شمّ قدميه ، فيقول: أجد في قديمه القيام ، فيقول الملك : حفظ نفسه ، فحفظه الله عزوجل .

لا أعتقد أن إنسانا على وجه الأرض إلا ويتمنى من أعماق أعماقه  أن يكون في حفظ الله ، أن يحيا حياة خالية من المتاعب ، من المشوشات ، من المهلكات ، من المفاجآت ، من المصائب ، حفظ الله لك ثمنه أن تحفظ أمره و نهيه و حدوده .

النبي e من أدعيته e أنه كان يقول قبل نومه : ((بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ)) .

(البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)

والحقيقة أن الإنسان قبل أن ينام قد لا يستيقظ ، فإذا قبضه الله عزوجل فالمرجو أن يرحم الله هذه النفس ، وإذا سمح له أن يعيش يوما آخر فالمرجو من الله عزوجل أن يحفظ نفسه من كل شبهة ، ومن كل معصية .

ومن أدعيته e : ((اللهم احفظني بالإسلام قائما ، و احفظني بالإسلام قاعدا ، احفظني بالإسلام راقدا )) .

عندنا رقَدَ ، و ركض ، وركد ، راقدا أي نائما ، أما ركد فبمعنى سكَن ، و ركض بمعنى أسرَع ، و رقد بمعنى استراح و نام ، ((اللهم احفظني بالإسلام قائما ، و احفظني بالإسلام قاعدا ، احفظني بالإسلام راقدا ، ولا تطع فيّ عدوا ولا حاسدا)) ، هذا من دعاء النبي e .

 كان النبي e إذا أراد أن يودع مسافرا يقول له : ((أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ)) .

(الترمذي عن ابن عمر)

و عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ كَانَ يَقُولُ : ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا اسْتُوْدِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ)) .

(أحمد)

يعني إذا سافر ، و دعا الله عزوجل دعاء صادقا مخلصا من أعماق قلبه فقال : ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ)) .

(الترمذي والنسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)

ما دمت قد استودعت الله وأنت مسافر ، فالله سبحانه و تعالى لن – على التأبيد – يضيّع ودائعك .

الآن عندنا شيء ، مهم جد في هذا الحديث ، ما دام الله عزوجل وعد المؤمن الذي يحفظ حدود الله عز وجل أن يحفظه ، كيف يحفظه ؟ قبل قليل قلت لكم : يحفظه من الشبهات المضلة ، ومن الشهوات المهلكة .

 الآن قال بعض العلماء : الله سبحانه وتعالى يحفظ عبده المؤمن مما يفسد دينه بأنواع من الحفظ ، أهم شيء دينك ، فربنا عزوجل يحفظك بأنواع منوعة كثيرة عديدة من الحفظ يحفظ لك دينك ، بعضها لا تشعر بها ، و بعضها تكرهها ، كيف ؟

الآن أنت قلت لله عز  وجل : يا رب احفظ ديني ، ((إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا)) ، أنت حينما حفظت حدود الله عزوجل ترجو من أعماقك أن يحفظك الله، وأخطر حفظ الله لك أن يحفظ لك دينك ، لأنه هو الأصل ، ((دينك دِنك ، إنه لحمك و دمك))، قد يحفظك وأنت لا تدري ، قد يحفظ الله لك دينك وأنت لا تدري ، أما الذي يزعجك في حفظ دينك قد تشتهي عملا معينا في الدنيا ، فتقوم العقبات أمام هذا العمل ، قد تزمع سفرا إلى بلاد الغرب مثلا لتحقيق حلم كبير ، أو لنيل درجات علمية عالية ، أو لكسب رزق وفير، فتأتي عقبات مزعجة جدا تحول بينك و بين ما تطلب ، أنت تنزعج ، وقد تتميز غيظا ، و قد تضيق نفسك ، وقد تعاتب ربك ، وما هذا التعسير ، وما هذه العقبات إلا نوع من أنواع الحفظ الذي يكرهه المؤمن ، إنه حينما حال بينك و بين هذه التجارة العريضة حفظ لك دينك .

أذكر أن أحد الأشخاص كان يطمح أن يكون طيارا ، وتعلمون أن هذه الحرفة ممتعة ، ولها دخل وفير ،ولكن أكثر أيام الطيار في بلاد الغرب ، وفي عواصم الغرب ، وفي فنادق ، ومع الفنادق المفاسد ، وما إلى ذلك ، فأصابه مرض حال بينه و بين متابعة هذه الحرفة ، فعاد إلى عمله الأصلي في التدريس ، ثم ارتقى في درجات الإيمان إلى أن شعر بأن حفظ الله له كان في هذا المرض الذي حال بينه و بين الحرفة التي يطمح إليها ، هناك حرف فيها شبهات ، هناك حرف فيها ضلالات ، هناك حرف فيها معاص ، هناك حرف فيها تودي بصاحبها إلى الظلمات ، فحينما يكون المؤمن صادقا في دعائه قد يحفظ الله دين العبد المؤمن بما يكره ،حينما يضع له بعض العراقيل في طريقه إلى ما يبتغي من عرض الدنيا ، فلذلك من علامة المؤمن الصادق المحب أنه إذا رأى عقبة تلو عقبة تلو عقبة في طريق حريص عليه ، مهتم به ، يعلم علم اليقين أن الله سبحانه و تعالى يحفظ عليه بهذه التعقيدات دينه الذي هو أثمن شيء ، وكلكم يعلم كيف أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان إذا أصابته مصيبةٌ قال : " الحمد لله ثلاثا ؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني ..." .

أحيانا السفر ، هذا السفر في ألف مسافر المقيم في بلاد ترتكب فيها المعاصي على قارعة الطريق ، ترتكب فيها أبشع المعاصي ، السفر إلى هذه البلاد ، لو سافر ألف شخص لعاد منهم عدد لا يزيد على أصابع اليد قد حفظوا أمر الله عزوجل ، الزلة ميسرة ، زلة القد ميسرة ، والانحراف مرغوب فيه هناك ، فحينما لا ييسر الله لك سفرا تضيع فيه دينك وآخرتك ، فهذا التعسير من حفظ الله لك ، لذلك الحفظ الأولي أن يحفظ الله لك بدنك من مرض عضال ، من داء وبيل ، من متاعب ، و أن يحفظ الله لك أهلك ، وأولادك ، وأولادك ، كل هذا حفظ الدنيا ، وأما حفظ الآخرة فأن يحفظ الله لك دينك من الشبهات المضلة ، والشهوات المهلكة ، و قد يحفظك بطرق كثيرة لا تشعر بها ، و قد يحفظك بأساليب تكرهها وأنت لا تدري ، هذا يؤكده قول النبي e : ((إن الله ليحمي صفيّه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام)) ، فالمؤمن يعلم علم اليقين أن الفعل كله بيد الله ، وأنه راض بقضاء الله و قدره ، وأنه صابر عن الشهوات و على الطاعات ، وعلى الأمر التكويني ، صابر على الأمر التشريعي ، من أمر و نهي ، وعلى الأمر التكويني من قضاء و قدر ، هذا المؤمن ، والإيمان نصف صبر ، و نصف شكر ، لكن والله الذي لا إله إلا هو لو صبرت على أمر تكويني دون أن تعلم الحكمة ، صبرت تعبدا و استسلاما و ثقة بحكمة الله و علمه وعدله ، لو صبرت تعبدا لكشف الله لك سر هذا الشيء الذي ساقه الله لك ، فلذلك من طبق الأمر تعبدا كشف الله له إكراما حكمة هذا الأمر .

لا أعتقد أن مؤمنا صادقا إلا ويقول لك : جاءتني مشكلة ، ضقت بها ذرعا ، ضاقت نفسي بها ، ثم تبين لي بعد حين أن هذا الشيء الذي أصابني كان محض فضل و محض خير و محض فلاح و محض نجاح ، لذلك يمكن أن أقول : الشيء الذي يسوقه الله للإنسان حينما يكشف الله يوم القيامة عن الحكمة التي ساق بها هذا الشيء لذاب الإنسان كما تذوب الشمعة حينما تشعلها ، لذاب الإنسان شكرا لله على نعمة هذا المصاب الذي هو في الحقيقة نعمة باطنة ، و ليست نعمة ظاهرة .

سيدنا يوسف حينما دخل السجن ، الغريب أن الله قال :

(يوسف : من الآية 24)

أين هو ؟ في السجن ، لو بقي خارج السجن ، و زلت قدمه ، وسقط من عين الله عزوجل ، وأصبح رجلا عاصيا ، أيهما أفضل ؟ فهذا من حفظ الله الذي قد يكرهه الإنسان ، والأمور بخواتيمها .

واللهِ أعرف رجلا ساق الله له شدة حينما صرفها الله عنه بعد عام ونصف زرته في البيت ، فقال لي : واللهِ لو عشت ألف عام ما كنت لأحقق هذا الإنجاز في إيماني كما حقِّق بهذه المصيبة ، أقسم بالله : لو عشت ألف عام ما كنت أستطيع أن أصل على هذا المستوى الذي كان بسبب هذه المصيبة من دون مصيبة ، لذلك اعلم علم اليقين أن الله حكيم ، وأن الله سبحانه وتعالى عليم ، وأن الله قدير ، وأن الله كريم ، هذا هو الفرق بين المؤمن وغير المؤمن ، المؤمن يقول : يا رب أنا راض ، يا رب أنا راض بقضائك ، اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ ، وأنا راض بهذا .

بعضهم قال : حينما قال الله عزوجل :

 

(الأنفال : من الآية 24)

كيف يحول ؟ قال ابن عباس : يحول بين المرء و قلبه بأن الله عزوجل يبعد قلبه عن معصيته ، ولاحظوا إذا مشى الإنسان في طريق المعصية ، لكن بشرط ألاّ يكون مصرا عليها ، لو أصر عليها لساقه الله إليها ، لو أصر عليها لأطلقه الله إليها ، لكن إذا سار في طريق معصية لا ترضي الله واللهُ يعلم أنه ليس مصرا عليها ، وأنه يرضى بقضاء الله يسوق له من الشدائد ما تبعده عن هذه المعصية ، عندئذ يكشف حكمة الله عزوجل ورحمته ، هذا معنى قوله تعالى :

الإمام الحسن رضي الله عنه يقول : " هانوا عليه فعصوه ، ولو عزوا عليه لعصمهم " ، كيف ؟ أي حينما رآهم تافهين ، شهوانيين ، دنيويين ، حينما رآهم و قد هان الله عليهم هانوا عليه فأطلقهم إلى معصية ، أما لو أنهم عزوا عليهم ، لو أن الله كان عزيزا عليهم ، فعزوا عليه ، فعصمهم ، الله عزوجل يعصمك إذا كنت عزيزا عليه ، ويطلقك إلى المعصية إذا هنت عليه ، هان الله عليهم ، فهانوا عليه ، فعصوه ، ولو كان الله عظيما عندهم لكانوا أعزة عنده فعصمهم .

قال ابن مسعود – هذه دقيقة جدا - : " إن العبد ليهمّ بالأمر من التجارة والإمارة ، حتى ييسر لهم ذلك ، فينظر الله إليه فيقول لملائكته : اصرفوه عنه ، فإنه إن يسرته له أدخلته النار " ، صدقوني أن بعض المهن والحرف والأعمال و السياحات قد تنقل الإنسان من الجنة إلى النار ، وهناك مهن دخلها كبير جدا ، و لكن فيها معصية كبيرة لله ، وهناك مهن أساس علاقتها بالنساء ، فقد يضبط الإنسان نفسه إلى حين ، ثم يتداعى إيمانه ، و يميل إلى شهواته ، و كما تعلمون : ((إن إبليس طلاّع رصّاد _ أي ذكي – وما هو من فخوخه – عنده فخوخ كثيرة – بأوثق لصيده في الأتقياء من النساء ، فاتقوا الله ، واتقوا النساء ، فإن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)) .

أنا أقول لكم بالمناسبة : هناك ثغرتان كبيرتان خطيرتان يمكن أن يؤتى منهما المؤمن ؛ المال والنساء ، ثغرتان خطيرتان مدمّرتان يمكن أن يؤتى منهما المؤمن ، إنهما المال والنساء ، فمهما بالغت في غض بصرك فأنت في حصن حصين ، و مهما بالغت في كسبك ، والآية الكريمة :

(الإسراء : من الآية34)

أنتم تعرفون معنى :

(الإسراء : من الآية32)

لم يقل : ولا تزنوا ، بل قال :

لأن الزنا شهوة جاذبة لها إغراء فلا بد من أن تدع بينك و بينها هامش أمان ، أنا أشبه تماما أرضا مستوية جافة ، بعدها أرض مائلة كلها حشائش وماء ، والحشائش زلقة ، وبعدها نهر عميق خطير ، فالنهر العميق المهلك الذي إذا وقع فيه الإنسان أهلك هو المعصية ، وهذه المنطقة التي بعد النهر المائلة التي عليها حشائش متفسخة بفعل الرطوبة ، و عليها مواد زلقة هي ما قبل المعصية ، وأما المنطقة الجافة المستوية فهي منطقة الأمان ، فالمؤمن دائما يجعل بينه و بين المعصية هامش أمان ،