English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

 شرح الحديث الشريف : كتاب رياض الصالحين : باب علامات حب الله تعالى للعبد ، وقصة سيدنا حمزة عم النبي e

لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنـك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الأكارم ... كنا في كتاب رياض الصالحين ، وهو كتابٌ جمع فيه الإمام النووي ، رحمه الله تعالى ، نخبةً مختارة من الأحاديث الصحيحة التي نقلت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وحينما وصلنا إلى باب ، حقوق الزوج على زوجته ، تابعنا هذا الموضوع فتحدثت عن حقوق الزوجة على زوجها ، ثم حقوق الآباء على الأبناء ، ثم الأبناء على الآباء، ثم انتقلنا إلى حقوق المسلم على المسلم ، وأنهينا موضوع الحقوق بحقوق الطريق .

        والآن ، نعود ثانيةً إلى كتاب رياض الصالحين ، والباب اليوم باب (علامات حب الله تعالى العبد ، والحث على التخلق بها ، والسعي في تحصيلها ) .

 الحديث اليوم : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ : ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)) .

 هناك حديثٌ نبويٌ شريف ، وهناك حديثٌ قدسي ، والفرق بينهما واضح ، كلاهما رواهما النبي عليه الصلاة والسلام ، لكن الحديث القدسي رواه النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه ، فالمعنى من الله عزَّ وجل ، وللحديث القدسي طريقةٌ خاصة ، وصياغةٌ خاصة ، ومعانٍ خاصة ، على كلٍ مر بنا من قبل طائفةٌ كثيرة من الأحاديث القدسية .

         عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ : ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)) .

 ( رواه الإمام البخاري )

       هذا الحديث القدسي فيه موضوعاتٌ شتَّى ـ أي عديدة ـ وفيه معانٍ دقيقة ، فالله سبحانه وتعالى فيما يروي النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه يقول : ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ)) ، الآن ، من هو الولي ؟ الولي هذه الكلمة مأخوذةٌ من عدة مصادر ، الوَلْيُّ القرب ، والى ، يوالي ، ولياً أي اقترب ، فالولي هو القريب من الله عزَّ وجل ، من أبسط معاني الولاية أن يكون هذا الإنسان قريباً من الله عزَّ وجل ، السؤال الآن : متى يكون الإنسان قريباً من الله عزَّ وجل ؟ باتباع أوامره ، واجتناب نواهيه ، الطريق إلى الله سالكة ، أبواب الله سبحانه وتعالى مفتَّحة ، الخلق كلهم عند الله سواسية .

(يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل : خال رسول الله ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له) .

      فإذا سمعت كلمة الولي ، فلانٌ ولي ، فلان من أولياء الله الصالحين ، كلمة الولي بمعناها البسيط الإنسان القريب من الله عزَّ وجل ، الله سبحانه وتعالى مصدر الكمال ، فالقريب منه كامل ، الله سبحانه وتعالى مصدر السعادة ، فالاقتراب من الله سعادة ، فمن صفات الولي أنه كامل ، من صفات الولي أنه سعيد ، يقول لك الولي وهو صادق : ليس في الأرض من هو أسعد مني ، ليس في الدنيا ، ليس بوفرة المال ، ولا بعلو الجاه ، ولا بكثرة الأموال والأولاد ، لا ، ليس في الأرض من هو أسعد مني بالله عزَّ وجل ، إلا أن يكون أتقى مني ..

( سورة الحجرات : من آية " 13 " )

       فالولي هو الإنسان القريب من الله عزَّ وجل ، والقرب من الله عزَّ وجل ثمنه اتباع أمره واجتناب نهيه ، الإمام الجنيد سئل :

   ـ من ولي الله ، أهو الذي يطير في الهواء ؟

   ـ قال : لا .

   ـ قالوا : أهو الذي يمشي على الماء ؟

   ـ قال : لا .

   ـ قال : الولي كل الولي هو الذي تجده عند الحلال وتفتقده عند الحرام .

        أن يجدك حيث أمرك ، وأن يفتقدك حيث نهاك ، إذا فعلت هذا فأنت من أولياء الله، طاعتك لله واجتنابك لما ينهى عنه ، هذا العمل يدفعك إلى باب الله ، يجعل الطريق إلى الله سالكاً ، يجعلك قريباً من الله عزَّ وجل ، في القرب سعادة ، في القرب نور ، في القرب طمأنينة ، في القرب شعور بالتفوُّق ، شعور بالنجاح ، شعور بالفلاح ، في القرب توفيق ، القرب من الله تعالى شيءٌ ثمينٌ جداً ، فكلمة الولي من معانيها أنه قريب ، والكافر بعيد ..

( سورة فصلت )

       الكافر بعيد عن الله ، عمله السيِّئ أبعده عن الله ، معنى ملعون أي أن الله أبعده ، العمل السيئ يبعد ، والعمل الطيب يقرِّب ، فالولي إنسان قريب ، ويستحيل أن يكون الإنسان قريباً من الله عزَّ وجل دون أن يكون سعيداً ، يسعد بالله ، هذا معنى  قول النبي عليه الصلاة والسلام : ((يَا بِلَالُ أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ)) .

(مسند أحمد)

     هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام : ((... وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاة)) .   

(النسائي عن أنس)

      هذا معنى قول الله عزَّ وجل  :

( سورة العلق )

( سورة طه )

" الصلاة نور " .. " الصلاة حبور " .. " الصلاة طهور " .

      فباب الولاية مفتوح ، هذا المعنى الساذج أن هؤلاء أولياء الله أناسٌ قلة اختصهم الله ، باب الولاية مفتوح ، أي واحدٍ من هؤلاء الحاضرين الأكارم باب الولاية مفتوحٌ أمامه ، أطعه، وأخلص له ، واجتنب نهيه ، تكن من أوليائه ..

( سورة يونس )

      ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا)) ـ العداء منوَّع ؛ هناك عداء قولي ، هناك عداء مادي ، العداء من لوازمه الإيذاء ، المعادي يؤذي ، يؤذي بلسانه ، ويؤذي بعمله ، ويؤذي بإعراضه ، فـ : ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ)).. هذا المعنى الأول للولي .

         ولكن هناك معنى آخر : الولاية ؛ والى يوالي ولياً أي اقترب ، أما والى يوالي ولايةً أي نصر ، من معاني الولي أنه ينصر دين الله عزَّ وجل ، مجَنَّد في خدمة الحق ؛ أفكاره ، علمه ، قوته ، خبراته ، وقته ، ماله في خدمة الحق ، يقدِّم كل ما عنده في سبيل أن ينتشر هذا الدين ، هذا المعنى الآخر من معاني الولاية ، فلان ولي ، المعنى الأول إنه قريب ، والمعنى الثاني إنه ينصر دين الله عزَّ وجل . والى يوالي ولياً ، اقترب ، والى يوالي ولايةً ، نصر ..

( سورة محمد : من آية " 7 " )

      إذا أقمت أمر الله فأنت تنصره ، لو أن طائفةً من التجار ، كلهم حينما يؤذن الظهر يتجهون إلى المساجد ، فالذي لا يتجه ، يشعر بالوحشة ، ويشعر بالضيق ، أما إذا كان الجميع لا يصلون ، يشعر هذا الذي سيصلي بالانفراد . معنى ذلك أنه كلما طبَّق الناس أمر الله عزَّ وجل تمكن دين الله في الأرض .

        ما الذي يمكن دين الله في الأرض ؟ أن يطبقه الناس ، أنت يمكن أن تنصر القرآن باتباع أحكامه ، ويمكن أن تخذل القرآن بالبعد عن تطبيقه ، فالله سبحانه وتعالى ليس بحاجةٍ إلى نصرٍ ، لكن الله عزَّ وجل يقول :

     فهل الله سبحانه وتعالى خالق الأكوان ، بحاجةٍ أن ننصره ؟ الحقيقة إذا اتبعت أمره ، وانتهيت عما نهى ، فقد نصرت دينه ، فكلَّما طبق الإنسان أوامر الله عزَّ وجل اتسعت رقعة المؤمنين ، وحينما تتسع رقعة المؤمنين ، طبعاً هذه الرقعة إذا اتسعت لابد من أن تفرز أناساً يتولون أمرها ، كلما ضاقت هذه الرقعة ، جاء أناسٌ آخرون أمروا بغير ما أمر الله ، ونهوا عن غير ما نهى الله .

        فلذلك الولي بالمعنى الثاني من الولاية ، ولكن والى يوالي ولايةً ، الولاية المحبة ، المعنى الأول : القرب ، والمعنى الثاني : النصر ، والمعنى الثالث : المحبة ، الله سبحانه وتعالى وصف المؤمنين بأنه يحبهم ويحبونه ، فالحب في الإسلام أصل ، الإسلام دون حب جسدٌ من دون روح .. " والله لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما " .. فالمحبة أصل في الدين ، فأنت إذا أحببت ، وإذا نصرت ، وإذا اقتربت فأنت من أولياء الله، وهذه الأبواب كلها مفتوحة .

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا)) ـ لكن هناك شيء دقيق أوضحه بمثل ، قد تقول : مليون ، هذه كلمة ، شتان بين أن تقولها وبين أن تملكها ، فرقٌ كبيرٌ جداً ، قد تقول : طبيب ، وهذه كلمة ، شتان بين أن تلفظها وبين أن تكون طبيباً ، المسافة كبيرة جداً ، قد تقول : ولاية ، هذه كلمة ننطقها ، ولكن شتان بين أن تلفظها ، وبين أن تكون ولياً لله عزَّ وجل ، إذا كنت ولياً لله فأنت من أسعد الناس ، فأنت من أكثرهم طمأنينةً ، أنت من أكثرهم راحةً نفسية ، أنت من أكثرهم شعوراً بالنجاح ، والتفوق ، والفوز ..

( سورة الأحزاب )

      ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا)) ـ المعاداة إذاً من لوازمها الإيذاء ، العداء حال نفسي داخلي ، وسلوك ظاهري ، الحال النفسي ؛ الكراهية والبغض ، والسلوك الظاهر ؛ إما إيذاءٌ بالكلام ، وإما إيذاءٌ بالفعل .

 

      ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ)) ، وفي القرآن الكريم ورد قوله تعالى :

سورة البقرة : من آية " 279"

       المرابون ، موضوع الحرب شيء مخيف ، خالق الكون يحارب هذا الإنسان ، كلك بيده؛ جسمك ، أعضاؤك ، أجهزتك ، حركاتك ، سكناتك ، بيتك ، أهلك ، أولادك ، عملك ، تجارتك، مصنعك ، وظيفتك ، خصمك ، أعداؤك كلهم بيده ، مليون باب وباب يمكن أن ينتهي الإنسان إذا حاربه الله عزَّ وجل ، فهنا الحديث : ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ))

       الآن ، يا ترى أنا علي أن أتحقق من أنه ولي أو غير ولي ؟ أنت خذ بالأحوط ، إذا كان هذا الإنسان مظنة أنه ولي فإياك أن تعاديه ، هذا القسم الأول من الحديث .

 

     عندنا في أصول الفقه المعنى المخالف : ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ)) ، ولكن " ومن والى لي ولياً " ، أنت اخترع أو استنبط معنى آخر ـ ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ)) ، فمن والى لي ولياً ، لا شك في أن الله سيكرمه إكراماً شديداً ، فمن أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم ربه ، هذا هو المعنى المخالف .

        الفقرة الثانية من الحديث : ((وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ)) ، مقام العبودية أعلى مقام يبلغه الإنسان ، لكن هناك ـ كما قلت لكم من قبل ـ هناك عبادٌ ، وهناك عبيد ، وفرقٌ كبير بين العباد والعبيد ، العباد هم الذين عرفوا الله ، واستسلموا له ، وانقادوا لأمره طواعيةً ، أما كل إنسانٍ من عبيد الله ، هؤلاء مقهورون بالعبودية ، يعني هو بيد الله ، أو بعبارةٍ أخرى هو في قبضة الله عزَّ وجل ، أنت عبدٌ لله بمعنى أنك في قبضته، في أية لحظةٍ ينهي حياتك ، في أية لحظةٍ يصاب الإنسان بخلل في أجهزته ، تصبح حياته جحيماً ، في أية لحظة يفقد ماله كله ، في أية لحظة يهينه الله عزَّ وجل ، فمعنى عبد بالمعنى الأول أنه مقهور ، أنت في قبضة الله عزَّ وجل ، فالعبد الذي جمعه عبيد ، أي إنسانٍ على ظهر البسيطة من عبيد الله ، لكن العباد أناسٌ عرفوا ربهم ، واستقاموا على أمره ، وتقربوا إليه ، وأحبوه ، هؤلاء عباد وليسوا عبيداً ..

( سورة الفرقان : من آية " 63 " )

      شيءٌ آخر : الله سبحانه وتعالى حينما ينسب العبد إلى ذاته ، فهذه  كما قال بعض شرَّاح الحديث : هذه نسبة تشريف ، فالله سبحانه وتعالى في عليائه نسبك إليه فقال : أنت عبدي ،  فكلما قرأت حديثاً قدسياً : يا عبادي ، عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد ، هذه الأحاديث التي تفتتح بكلمة عبدي ، ينبغي أن تهز مشاعر الإنسان ، كان يقول أب لابنه : أنت ابني . يعني منتهى الإنتماء ، منتهى التشريف ، منتهى العناية ، منتهى العطف ، منتهى التأييد، أنت ابني حقاً .

       قال : ((وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ)) ، قلت لكم في خطبةٍ سابقة : ربنا سبحانه وتعالى يقول :

( سورة المائدة : من آية " 35 " )

      الوسيلة أي شيءٍ قربك من الله عزَّ وجل ، أنت في دمشق ، والهدف حمص ، أي شيءٍ قربك إلى هذه المدينة فهي وسيلة ، فالدراجة وسيلة ، والدراجة النارية وسيلة ، والسيارة وسيلة ، والقطار وسيلة ، والطائرة وسيلة ـ إذا كان في بحمص مطار طبعاً ـ فكل شيءٍ يقربك إلى الله عزَّ وجل هو وسيلة  .

 

       إذاُ ـ ((وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي)) ، تقرب بعملٍ صالح ، تقرب بطاعته ، تقرب إلي بكف شهواته عن محارمي ، تقرب إلي بإطعام الجائع والمسكين ، تقرب إلي برعاية اليتيم ، تقرب إلي بالنصح للمسلمين ، تقرب إلي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، تقرب إلي بقراءة القرآن ، تقرب إلي بخدمة الخلق ، تقرب إلي بتربية أولاده .

((وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ)) ، يعني كل شيءٍ يمكن أن يرفع من مكانتك عند الله عزَّ وجل، كل شيءٍ تشعر أنه يقربك من الله فهو من القُربات ، فالإنفاق من القربات ، والصلوات من القربات ، والصيام من القربات ، وعمارة المساجد من القربات ، وخدمة الخلق ، أي شيءٍ يرضي الله فهو مما يقربك إليه ، وأنت أيها الأخ الكريم بفطرتك تعرف ما الذي يرضيه ، من دون أن يعلمك أحد ، إذا أمطت الأذى عن الطريق ، فأنت تتقرب إليه .