English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

شرح الحديث الشريف : رياض الصالحين : باب النهي عن سؤال الإمارة ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة المؤمنون ... ننتقل في رياض الصالحين إلى الباب الواحد والثمانين ، باب النهي عن سؤال الإمارة واختيار ترك الولايات ، هذا الباب مصدرٌ بقوله تعالى :

( سورة القصص : من آية " 83 " )

       أنت أيها الإنسان مخلوقٌ للدار الآخرة ، الدار الآخرة هي كل شيء ، وما سوى الآخرة لا شيء ، وربنا سبحانه وتعالى سمَّى الحياة التي نحن فيها حياةً دنيا ، الإنسان أحياناً يغيب عنه معنى الاسم ، حياةٌ دنيا ، والآخرة حياةٌ عليا ، الحياة الدنيا محدودة ، مشحونة بالمتاعب ، قصيرة ، تمضي سريعاً ، تغر ، وتضر ، وتمر الحياة الدنيا ، لكن الحياة العليا باقية، خيرٌ وأبقى ، لا هم ، ولا حزن ، ولا خوف ، ولا قلق ، ولا خروج منها ، فربنا سبحانه وتعالى يقول :

 

التي أعددتها لعبادي المؤمنين ، التي خلقت الإنسان من أجلها ..

هذا الذي يريد العلو في الأرض له الدنيا ، وليست له الآخرة ، أما ..

      الفساد له معان كثيرة ، فهو من صفات المنافقين ..

( سورة البقرة )

        يكفي أن ترغِّب الناس في الدنيا فأنت مفسد ، يكفي أن تصرفهم عن الآخرة فأنت مفسد يكفي أن تحزنهم على أنفسهم فأنت مفسد ، يكفي أن تفرِّق بين الأخ وأخيه فأنت مفسد ، أن تفرِّق بين الشريك وشريكه ، بين الزوجة وزوجها ، بين الجار وجاره ، بين كل اثنين تحابَّا في الله عزَّ وجل ، أن تفرق بين طالب علم وبين من يعلمه ، هذا يدخل في باب الإفساد ..

    الأمور تدور ؛ يعلو فلان ، يسفل فلان ، يتقدَّم فلان ، يتأخَّر فلان ، تأتي الدنيا لفلان ، تنصرف عن فلان ، في نهاية هذه الدورة الطويلة يفوز المتقي ، العوام لهم كلمات لطيفة : التقوى أقوى ، تدور الأيام ، تأتي الشهور ، تأتي السنين ، يعلو مَن يعلو ، يسفل مَن يسفل ، يتقدم مَن يتقدم ، يتأخر مَن يتأخر ، يفوز في النهاية المتقين ، فلذلك البطولة الذي يضحك آخر الأمر ، هناك من يضحك قليلاً ليبكي كثيراً ، وهناك من يبكي قليلاً ليضحك كثيراً ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((ألا يا رب نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ، ألا يا رب مكرمٍ لنفسه وهو لها مهين ، ألا يا رب مهينٍ لنفسه وهو لها مكرم)) .

(من الجامع الصغير)

     هكذا ..

 

( سورة الواقعة )

     فلذلك ..

( سورة القصص )

        كن مع الله ولا تبالِ ، كن مع الحق ، لأن الحق أبدي سرمدي ، كن مع الشيء الثابت وهو الله سبحانه وتعالى ، الله لا يتبدل ، ولا يتغير ، ولا يتحول ، هو الذي بيده كل شيء ، فوق كل شيء ، مصير كل شيء إليه ، الله سبحانه وتعالى إذا كنت معه كنت مع القوي ، إذا كنت معه كنت مع الغني ، إذا كنت معه كنت مع الحكيم ، مع الرحيم ، مع اللطيف ، لذلك :

    الشيء الذي أحب أن أقف عنده هو : أن الحياة الدنيا دار ابتلاء ، أي لو أن الله سبحانه وتعالى عاقب المسيء فور إساءته ، وجازى المحسن فور إحسانه ، لما كان هناك اختيار ، ولكان هناك اضطرار ، لكن ربنا عزَّ وجل شاءت حكمته أن يمهل ، المسيء يسيء ، ولا أحد يحاسبه ، إلى أن يتوهَّم أن الله غافلٌ عنه ، والمحسن يحسن ، وربما لا يلقى الجزاء السريع ، إلى أن يظن أنه قد ضيَّع حياته سداً ، ولكن يأتي الحساب الإلهي ، يأتي الجزاء الإلهي ليجزي المحسن وليعاقب المسيء ..

     يعني من طبيعة الحياة الدنيا ، من خصائص السنن الإلهية أن الله يمد ، يمد للإنسان إلى أن يظن أن الله غافلٌ عنه ، افعل ما تشاء ، افعل ما بدا لك ، أحسن إذا شئت ، هناك من يحسن ، هناك من يسيء ، هناك من يغش ، هناك من ينصح ، هناك من يكذب ، هناك من يصدق ، هناك من يخلص ، هناك من يخون ، هناك من يعطي ، هناك من يمنع ، هناك من يؤذي ، هناك من ينصح ، افعل ما تشاء ، ربنا عزَّ وجل يقول :

( سورة فصلت : من آية " 40 " )

       أنت مخير ، لكن لكل عملٍ جزاؤه ، لكل موقفٍ حسابه ، لكل عطاءٍ ثمنه ، لكل حرمان عقابه ، افعل ما تشاء ، إن لكل حسنةٍ ثواباً ولكل سيئةٍ عقاباً .

       لذلك حينما يصدِّق الإنسان خالق الأكوان ، ويستقيم على أمره ، ربما لا تبدو له حكمة الأمر إلا بعد أن يطبقها ، لو أنه طلب الحكمة قبل التطبيق، لاستوى المؤمن والكافر ، الآن قل للكافر : لابد أن تفعل كذا من أجل الحفاظ على قلبك ، أو على رئتيك ، أو على كُلْيَتَيك ، هذه الأكلة تضر من أصيب بكليتيه ، كافر ، مؤمن ، منافق ، فاسق يمتنع بدافع مصلحته ، لكن المؤمن يفعل ، ولا يفعل بدافع إيمانه بالله ، بعد أن يفعل تأتي الحكمة الإلهية ، لذلك لا تطلب الحكمة قبل أن تفعل الأمر ، إنك إذا طلبتها قبل فعل الأمر لست مؤمناً ، أين إيمانك بخالق الكون ؟ إيمانك بالله عزَّ وجل من لوازمه أن تبادر إلى تطبيق أمره فهمت الحكمة أو لم تفهمها ألم تعرف الله عزَّ وجل ؟ هذا أمره ، يكفي أن تطبق أمره لأنه أمره ..

*  *  *  *  *

      عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)) .

(متفقٌ عليه)

      الحديث المتفق عليه ، أي اتفق عليه الشيخان ـ الإمام البخاري والإمام مسلم ـ  يبدو أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى أن الإمارة مسؤوليةٌ كبيرة ، سيدنا عمر قال : "والله لو تعثرت بغلةٌ في العراق لحاسبني الله عنها لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر ؟ فكلما عرف الإنسانُ اللهَ عزَّ وجل معرفةً أوسع كلما شعر بالمسؤولية تجاه خالقه ، ازدد معرفةً بالله يزدد شعورك بالمسؤولية ، رأس الحكمة مخافة الله ، ألم يقل سيدنا عمر لأحد الولاة :

   ـ ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب ؟

   ـ قال : أقطع يده .

   ـ قال : إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسُد جوعتهم ، ونستر عورتهم ، ونوفِّر لهم حرفتهم ، فإذا وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها ، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل ، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية .

       فهل ربان الطائرة ـ قائد الطائرة ـ تفرحه هذه الغرفة الفخمة ، المليئة بالساعات والأجهزة ، وثلاثمائة راكبٍ في عنقه ؟ بغلطة واحدة من هذا الربان يودي بحياته وحياة الركاب ، إذاً هذا الكرسي ؛ كرسي قائد الطائرة يحتاج إلى علم غزير ، وإلى سرعة بديهة ، وإلى أعصاب متينة ، وإلى قدرة على التصرف في حالات الانفعال ، لأنك وأنت في الجو قد يتعطل جهاز ، قد تدخل في سحابة مكهربة ، قد تأتي صاعقة ، فلذلك هذا الكرسي لا يُفرِح صاحبه على أنه وثير ، ولا أنه جميل ، ولا أن أمامه هذه الأجهزة الكثيرة ، لا ، هذا كرسي المسؤولية ، هذا كرسي الحساب الدقيق ، وقائد الطائرة لا يحاسبه أحد ، ولكن الجو يحاسبه ، أيَّة غلطةٍ يقول لك : وقد مات جميع ركابها ، احترقت بهم ، عددهم كذا ، والملاحون سبعة ، خبر في ثلاث كلمات .

       فلذلك الأب مسؤول ، والمعلم مسؤول عن ثلاثين طالبًا ، أو أربعين ، أو خمسين ، مدير مدرسة مسؤول عن (16) شعبة ، وكل شعبة فيها خمسون طالبًا ، صاروا ثمانمئة طالب ، مسؤول عن مشكلاتهم ، عن المدرسين ، عن دوامهم ، صار مدير تربية بمحافظة ، صار مسؤولا عن ثلاثمائة مدرسة ، وكل مدرسة فيها ثمانمئة طالب ، فالإنسان كلما ارتفعت مستوى مسئوليته ازدادت مسؤوليته ، إذاً الإمارة تحتاج إلى يقظة ، إلى ورع شديد .

      سيدنا عمر بن عبد العزيز عيَّن مستشارًا خاصًّا من كبار العلماء اسمه عمر ، قال له : " يا عمر ـ أنا نسيت اسمه الثاني ـ إذا رأيتني قد ضللت فأمسك بتلابيبي ، وهزني هزاً شديداً وقل لي : اتقِ الله يا عمر فإنك ستموت " ، مسؤولية كبيرة جداً .

       فيبدو أن النبي عليه الصلاة والسلام خاف على أصحابه أن يظنوا أن الإمارة وجاهة ، أن يظنوا أن الإمارة فيها لذة ، لا ، قال : ((يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا)) .

      إذا أراد الإنسان الشيء لذاته معنى ذلك أنه متعلقٌ فيه ، متعلقٌ بمغانمه ، إذا أرادها هو وأصر عليها ، معنى ذلك أنه وكل إليها ، والإنسان ضعيف ، يعني " إذا أراد ربك إنفاذ أمرٍ أخذ من كل ذي لبٍ لبه " ، السداد من الله عزَّ وجل ، السداد ، والرشاد ، والحكمة ، وأن يأتي موقفك موقف سليم ، وأن تقف ، وأن تتكلم كلامًا سديدًا ، وأن تأخذ القرار الصحيح ، هذا كله يحتاج إلى معونة من الله عزَّ وجل ، الإنسان أحياناً ينظر إلى الشيء من زاوية واحدة ، تغيب عنه زاوية ثانية يقع في شر أعماله ، ينظر إلى ضغطٍ واحد ، وينسى الضغط الآخر فيهلك نفسه ، فهذه نقطة دقيقة جداً أن الإنسان إذا وكّل أمره إليه فقد هلك ، أما إذا أعانه الله عزَّ وجل فقد رشد .

       دع الإمارة في عملك اليومي ، سمعت عن طبيب بلغ من الشهرة والتفوق أنه أصبح الطبيب الأول في البلد ، شعر بنشوة ، وهو يولد امرأةً قطع الرحم ، وهو لا يدري ، وقَطَّع الأمعاء وهو لا يدري ، وكادت تسحب منه الشهادة ، لولا أنه أخذ هذه المريضة إلى أقرب مستشفى وأسعفها بنفسه ، يبدو أنه اتكل على خبرته ، فوكله الله إليها ، هذه في الأعمال كلها ، أصحاب المصالح ، أصحاب المهن ، المدرسون ، الأطباء ، المهندسون ، كل إنسان إذا شعر أنه متمكن من حرفته قد امتلك زمامها ، خبرته كثيرة ، تراكمت خبراته ، ضليع في هذا الشيء ، يعرف من أين تؤكل الكتف ، يعرف كيف يفعل ، إذا شعر بهذا الشعور فقد أشرك ، عندئذٍ يكله الله إلى ذاته ، عندئذٍ يقع في شر عمله ، عندما قالوا : أن لكل عالمٍ هفوة ، ولكل جوادٍ كبوة ، ولكل حسامٍ نبوة ، ما أخطؤوا ، متى يهفو العالم ؟ إذا ظن أنه عالم ، يظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، في اللحظة التي تظن فيها أنك عالم فأنت جاهل ، لأن الله عزَّ وجل يقول :

( سورة الإسراء )

( سورة البقرة : من آية " 255 " )

     لذلك فقمة المعرفة أن تكون مفتقراً إلى الله عزَّ وجل ، كلما ازدادت معرفتك ازداد افتقارك ، كلما ازدادت معرفتك ازداد تواضعك ، بعض الأطباء نقل لنا قول بعض العلماء فقال : لم تبتل بعد أقدامنا ببحر المعرفة ، الله عزَّ وجل لا نهائي ، فلذلك تقرأ أحياناً بأي فرع من فروع المعرفة تشعر أن الذي قطعه العلماء في هذه السنوات الطويلة ، يقولون لك : هذا العلم يعود تاريخه إلى ألف وثمانمئة وعشر سنوات ، علم الاجتماع مثلاً ، علم النفس ، الكيمياء العضوية ، الفيزياء الذرية ، الفيزياء العضوية ، الفيزياء الكيميائية مثلاً ، علم الحركات ، قوانين الفلك مثلاً ، علوم أحياناً تتعثر بصفحتين أو أربع صفحات في نهاية الكتاب عن المراجع ، تجد خمسمئة مرجع باللغة الإنكليزية ، وثلاثمئة بالفرنسي ، ومئتين بالعربي ، كل هذه الكتب حول هذا الموضوع ومع ذلك :

( سورة الإسراء )

      أنا حدثتكم قبل مرة أن صديق لي طبيب في القلب قال لي : ذهبت إلى بلد متطور ـ في مقياس العصر طبعاً ـ قال لي : لأحضر مؤتمر للأطباء ، وجدنا أن هناك أربعة آلاف ومئة محاضرة ، أربعة آلاف ومئة بحث جديد قد اكتشف في العام الماضي ، وقال لي : والله لو أن العلماء إلى يوم القيامة ضاعفوا جهودهم ، لشعروا أن كل هذا الوقت لا يكفي لمعرفة أسرار القلب ، لذلك من علامات العلم التواضع ، المتكبِّر جاهل .

       فهذا الكرسي ـ كرسي ربان الطائرة ـ يحتاج إلى علم ، تصور أنك ودَّعت إنسانًا في المطار قبل فترة ، وأنا خارج من بهو المطار ، دخل شاب وسيم الطلعة ، صافح شخصًا معي، فإذا هذا الشخص هو الطيَّار الذي سيقود هذه الطائرة ليلاً من دمشق إلى بلدٍ بعيد ، قلت:  أيستطيع أحدٌ أن يجلس مكانه ؟ تجلس بمقعد طيار ، وتحرك طائرة ليلاً ، والظلام دامس ، تقلع من المدرج ، وتتجه باتجاه الشرق ، تنزل بمطار الساعة الثانية عشرة ليلاً ، تخرج من المطار الساعة الواحدة ، تتجه نحو الجنوب ، هذا إنسان درس دراسة عالية جداً ، دراسة ، وعلم ، وأعصاب متينة ، وتصرُّف جيد ، إذاً هذا الكرسي كرسي المسؤولية .

       فالنبي عليه الصلاة والسلام قال : ((((يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا)) .

      نحن توسعنا في معنى ((وُكِلْتَ إِلَيْهَا))  ، الإنسان بأعماله كلها ، الإنسان أحياناً بسببٍ تافه يضيعُ منه شيءٌ كبير ، من عادتي أنا إذا واجهت هكذا مشكلة أقول : لابد أن هناك تقصيرًا في الاستعاذة بالله من الشيء الذي لا تهتم له ، ماذا كان يقول النبي الكريم ؟ قال : ((اللهم إني أعوذ بك مما أهتم له ومما لا أهتم له)) .

      يعني أحياناً شريط صغير ينقطع في مركبتك يعطلك عن السفر ، تكون في منتصف الطريق ، ولا تعرف أين الخلل في السيارة ، تقف ساعات طويلة ، أربع ساعات ، عشر ساعات ، ولا تستطيع أنْ تغادر المركبة ، ولا أن تتركها لحالها ، وشريط صغير انقطع ، وأنت لا تعرف ذلك ، فهذا الشيء لا تهتم له أنت ، فينبغي أن تستعيذ بالله مما تهتم له ، ومما لا تهتم له هذا هو التوحيد ، لذلك ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، الإنسان دائماً يوحِّد ..

((وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ)) ، سيدنا عمر ـ قلت لكم ذلك سابقاً ـ أنه جعل رجل والياً ، وأحب أن يمتحنه فقال له : خذ عهدك ، وانصرف إلى عملك ، واعلم أنه مصروفٌ رأس سنتك ، وأنك تصير إلى أربع خلال فاختر لنفسك ، إن وجدناك أميناً ضعيفاً ـ أمين لكن ضعيف الشخصية ـ استبدلناك لضعفك ـ لا تصلح ـ وسلمتك من معرتنا أمانتك ـ لا نعاتبك ، ضعيف الشخصية لكنك أمين ـ وإن وجدناك خائناً قوياً ـ شخصية قوية وحازم ، ولكن ليس فيه استقامة ـ استهنا بقوتك ، وأوجعنا ظهرك ، وأحسنّا أدبك ، وإن جمعت الجرمين ـ ضعيف الشخصية وخائن ـ جمعنا عليك المضرتين ـ العزل والتأديب ، أمين ضعيف عزل ، قوي خائن تأديب ، ضعيف خائن عزل زائد تأديب ـ وإن وجدناك أميناً قوياً زدناك في عملك ـ نجدد ـ ورفعنا لك ذكرك ، وأوطأنا لك عقبك"، من أين أخذ هذا سيدنا عمر ؟ من قوله تعالى :

( سورة القصص )

       تعلم إذا أردت تعيين شخص من عندك ، تريد أن تتعاون مع شخص اخترْ القوي الأمين الآن باللغة المعاصرة ( الإخلاص والكفاءة ) ، تريد إنسانًا مخلصًا ذا كفاءة ، المخلص بلا كفاءة يهلكك ، وذو الكفاءة لكنه خائن يخوّفك ، لستَ مرتاحًا له !! كفاءة عالية وفهيم ، يقول لك : برم ،