English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

 شرح الحديث الشريف : رياض الصالحين : باب الورع  + باب إعانة الرفيق - قصة عن الصحابي سيدنا خالد ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة المؤمنون ... في رياض الصالحين عقد الإمام النووي رحمه الله تعالى باباً  تحت عنوان باب الورع ، وفي هذا الباب أحاديث كثيرة تبيِّن حقيقة الورع ، من هذه الأحاديث، عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ : ((الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)).

     معنى ذلك أن أناساً كثيرين يتجهون إلى العلماء ، لينتزعون منهم الفتاوى ، وهم يعتقدون أنهم إذا انتزعوا فتوى تحقق مصالحهم ، أو تغطي بعض سلوكهم ، إنهم بهذا قد أفلحوا ، مع أن الإنسان لا يعفيه هذا السلوك من مساءلة الله سبحانه وتعالى له ، لذلك عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لَا أَدَعَ شَيْئًا مِنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ ، وَإِذَا عِنْدَهُ جَمْعٌ ، فَذَهَبْتُ أَتَخَطَّى النَّاسَ فَقَالُوا : إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ ، فَقُلْتُ : أَنَا وَابِصَةُ ، دَعُونِي أَدْنُو مِنْهُ ، فَإِنَّهُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ ، فَقَالَ : ((لِي ادْنُ يَا وَابِصَةُ ادْنُ يَا وَابِصَةُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى مَسَّتْ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ فَقَالَ يَا وَابِصَةُ أُخْبِرُكَ مَا جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْهُ أَوْ تَسْأَلُنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبِرْنِي قَالَ جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ قُلْتُ نَعَمْ فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهَا فِي صَدْرِي وَيَقُولُ يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ نَفْسَكَ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ)) .

(مسند أحمد)

     وكما قلت لكم من قبل : الله عزَّ وجل أعطاك ميزانًا ، فقال  :

 

 

( سورة الرحمن )

      هناك ميزان عقلي ، وميزان نفسي ، وميزان شرعي ، عقلك ميزان ، نفسك ميزان ، الشرع ميزان ، لكن العقل قد يطغى ، والفطرة قد تنطمس ، ولكن ميزان الموازين هو الشرع ، لذلك ما دام الإنسان على منهج الشرع فهو على الطريق الصحيح ..

أحبابنا اختاروا المحبة مذهباً وما    خالفوا في مذهب الحب شرعاً

*  *  *

     فلذلك كنت أقول لكم دائماً : إن هذا الدين قد اكتمل ، وقد تم ، وقد رضيه الله عزَّ وجل ..

( سورة المائدة : من آية " 3 " )

     إذاً ما من تشريعٍ على وجه الأرض يمكن أن يسد ثُغرةً في الشرع ، ولا أن يضيف نقصاً، ولا أن يحقق فائدةً غفل عنها الشرع ، هذا كله مرفوض ، الحق كله أن تكون على الصراط المستقيم ، فلذلك ربنا عزَّ وجل يقول :

( سورة يونس : من آية " 32 " )

      ليس هناك أحوال وسط ، في موضوع الاستقامة لا يوجد حل وسط ، أنت مثلاً تقول : هذا المستودع محكم أو غير محكم ، الإحكام حالة واحدة ، حد واحد ، أما عدم الإحكام فحالات متعددة ، فهذا المستودع قد يضيع ما فيه من مخزون في شهر ، وهذه حالة ، أو في شهرين هذه حالة أخرى ، في سنة هذه حالة ثالثة ، في ساعة هذه حالة ، هذا كله عدم الإحكام، أما الإحكام فحالة واحدة لا يضيع شيءٌ ، فالاستقامة له حدٌ واحد ، والانحراف له أنواعٌ منوعة لا يعلمها إلا الله ، من هنا جاء التوجيه القرآني :

( سورة الأنعام : من آية " 153 " )

      هذا معنى من معاني الورع ، فهل رأيتم في حياتكم بائع حليب يضيف الماء أمام الناس ؟ لأنه يعرف بالفطرة أن هذا العمل غير صحيح ، وأنه غير مقبول ، فلا يفعل هذا إلا في خلوةٍ، أما أمام الشاري ويقول : انتظر ، يا ابني هات كأس الماء ، مستحيل.. ((اسْتَفْتِ نَفْسَكَ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ)) .

      العمل الذي تفتخر به ، لو أن الناس تناقلوه لا تستحي ، هذا عمل طيب ، فبالنهاية حينما يوضع الإنسان في قبره سيحاسب على فطرته التي فطره الله عليها ، لو قال له : يا رب أنا لم أتلقَ العلم من أحد ، لم أستمع إلى درس دين ، ما قرأت كتاباً ، ما وضعني أبي في مدرسة ، يقول له الله عزَّ وجل : دعك من كل هذا ، أنا فطرتك فطرةً عالية ، لو أنك انحرفت عنها لعرفت ذلك ..

( سورة الشمس )

      أنت حينما تفجر تعلم أنك قد فجرت بدافع الفطرة ، رجل يقود سيارته في ساعة متأخرة من الليل ، دهس طفلاً ، وما أحد أوقفه ، وما ساءله أحد ، وما حاسبه أحد ، يقول للمقرَّبين إليه : بقيت عشرين يوماً لم أذق طعم النوم ، لماذا ؟ ما حاسبه أحد ، لم يُكتب ضبطٌ بحقه ، القضية كتبت ضد مجهول ، فطرته حاسبته ، لذلك نصحه الطبيب النفساني أن يدفع لأهل الطفل مبلغاً كبيراً لعله يستطيع أن ينام ، إذاً كل أنواع العذاب النفسية أساسها الفطرة ، والفطرة ميزان ، حتى أؤكد لكم أن تنتزع فتوى من عالم ، تعطيه وصف معيَّن ، تنتزع فتوى معينة تغطي فيها حالة معينة، وتظن أنك قد نجوت من الله ، لا ، لا .. ((اسْتَفْتِ نَفْسَكَ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ)) .

      حتى إنه قد ثبت في حديث عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ)). 

  (متفق عليه)

  إنسان طليق اللسان ، قوي الحجة والبيان ، ذكي يستطيع بذكائه ، وبراعته في الحديث ، وقوة إقناعه أن يقلب الحق باطلاً ، والباطل حقاً ، قال : ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ)). 

(متفق عليه)

     لا تنجو من الله عزَّ وجل ، لو فعلت فعلاً وأقرك الناس عليه جميعاً ، واستطعت بقوة إقناعك أن تقنعهم بصواب عملك ، وقد أثنى عليك الناس جميعاً ، أنت لا تنجو من عذاب الله يوم القيامة ، علاقتك مع الله إذاً ، إذاً الورع أن تبحث عن راحة نفسك ، لذلك الإنسان أحياناً يسأل ويسأل ، ويلح في السؤال ليأخذ فتوى ، لمجرد أن يسأل ، لمجرد إلحاحه في السؤال، هو في قلق داخلي ، لذلك : ((الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ)) .

      أقول لكم مرة ثانية : لو قال الإنسان لربه يوم القيامة : يا رب أنا ما تعلمت ، لم يوجّهني أحد ، والدي لم يضعني في مدرسة ، سكنت في قريةٍ نائية ليس عندنا خطيب مسجد ، مثلاً لو جرى هذا الحديث يوم القيامة ، ماذا يقول الله سبحانه وتعالى له ؟ يقول له : يا عبدي أنا فطرتك فطرةً عالية ، وبفطرتك التي فطرتك عليها تعرف وحدك من دون معلم ، من دون توجيه ، من دون درس ، ماذا ينبغي أن تفعل .

     إذاً أول نقطة في درس الورع : ((الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ – مرتاح - وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ)) .

      أنا أوصاني أن أشتري له حاجات من السوق ، لي أصدقاء أعطوني سعراً خاصاً ، أيحق لي أن أحاسبه بسعر السوق ، وآخذ الحسم لي ؟ هذا السؤال يتكرر كثيراً ، لأن الذي يفعل هذا لا يطمئن ، أنت مؤتمن ، هذا الذي أرسلك لشراء الحاجات من السوق ما ظن أنك ستربح عليه ، اعتقد أنها خدمة ، فإذا كانت خدمة فينبغي أن تكون خدمة من دون مقابل ، وإن كانت مأجورة قل له : أنا لا أقوم بهذا العمل إلا بأجر ، فلي حسم خاص ، يستحي أن يقول له ذلك ، إذاً الاتفاق اتفاق خدمة ، وليس اتفاق تجارة ، ويخاف أن يأخذ الفرق ، يخاف من الله ، هذا الشيء حاك في صدره ، يسأل ، يقدم .

       أعطى زوجته قطعة من الذهب ، وفي نيَّته أنه إذا اشترى بيتاً يأخذها منها كي يستعين بها على إتمام ثمن البيت ، طلَّق هذه المرأة ، وهذه القطعة الذهبية لها ، دعاه القاضي لحلف اليمين : أأنت أعطيتها هذه القطعة الذهبية عطاءً ، هبةً ، هديةً ، أم أعرتها إعارةً ؟ ما قال لها: أعرتكِ ، فوقع في إشكال ، إذاً لابد أن يؤثر السلامة ، ويقدمها لزوجته .

     أنا أقول لكم : حينما أرى إنسانًا يسأل ويسأل ، ويلح ، ويطلب الفتوى معنى ذلك أنه في حالة غليان داخلي ، أو في قلق ، أو في اضطراب ، ما له مرتاح ، إذا : ((الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ)) .

      وكل شيء تخاف أن يظهر ، كل شيء تفعله بالسر لا تحب أن يشيع عنك ، هذا ليس صحيحاً ، اطمئن ، أحياناً مثلاً يكتب على الحواشي : هذا القماش مصنوع في دولة شهيرة بصناعة هذا القماش ، أحياناً تأتي الحواشي من ورق حريري ، تكوى به حاشية القماش ، لو دخل عليك إنسان ، وأنت تفعل هذا ، قماش من مصدر آخر ، وأنت أعطيته صفة مصدر آخر ، مصدر جيد جداً لتأخذ فارقاً في الثمن ، هل تفعل هذا أمام الناس ؟ لا تستطيع ، هذا هو المقياس الدقيق ..

( سورة الرحمن )

      في باب الورع حديثٌ آخر يقول عليه الصلاة والسلام ـ أنا أقول لكم حديث من دون دقة في النقل ، لأنني لم أعثر على الباب ـ الحديث الثاني في هذا الباب ، عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ قَالَ : قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ : مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ)) .

(الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح)

      هذا هو الورع ، يعني قضية فيها إشكال ، فيها خلاف بين العلماء ، دعها كلها واخرج من هذا الخلاف ، فأحياناً في موضوع الزكاة ، في موضوع زكاة الحلي ، في موضوع زكاة الزروع ، العلماء قالوا : إنه فقط على الزبيب والقمح والشعير والتمر ، هذا عنده مزرعة كرز ، عنده مزرعة تفاح مثلاً فيقول : يا أخي ما في عليها زكاة هذه ، لأن الفقهاء ما قالوا ذلك ، الإمام الشافعي قال كذا ، الحنفي قال كذا ، خذ الأحوط ، الورع يأخذ الأحوَط ، وكلما بالغت في أخذ الرُخَص من المذاهب ، فهذا من علامة رقَّة الدين ، لأن النبي قال : (( لا زكاة إلا في القمح والشعير والزبيب والتمر)) .

      مشروع عسل ، مشروع تفاح ، مشروع أشجار مثمرة ، مشروع ألبان ، مشروع أجبان ، مشروع دواجن ، مشروع أبقار يكلف مئات الألوف ، مئات الملايين ، وله دخل وفير ، فالشرع هكذا تظنه ؟ إذا لم يكن عندك زبيب أو قمح أو تمر ليس عليك زكاة أبداً ؟! يا ترى النبي عليه الصلاة والسلام قال الزكاة في عينها أم في علتها ؟ في علتها ، لا في عينها ، يعني شيء محصول غذائي وفير له دخل كبير ، لابد من أن تؤدى زكاته .

     فأول شيء : إذا الشيء حاك في صدرك ، وكرهت أن يطلع الناس عليه دعه ، الشيء الذي تطمئن له خذه ، أكثر هذا في الأمور المالية ، في الحسابات ؛ يا ترى هذا السفر إلى أوروبا هل أسجله على مصروف الشركة ، فأنت الهدف الحقيقي من السفر قد يكون الاطلاع ، قد يكون الاستجمام ، قد يكون لاستخدام عروض كثيرة جداً ، وأنت اشتريت صفقة واحدة ، أيجوز أن تحمل كل هذه المصاريف على هذه السفر ؟ الأحوط أن تخرج من الخلاف إلى موطن عدم الخلاف ، هذا معنى آخر من معاني الورع .

       فلو لاحظتم ، أو لو سألتموني : ما حقيقة الفساد في الأرض ؟ مرة فكرت في هذا الموضوع  ، ما وجدت الفساد في الأرض يزيد على حريةٍ في كسب الأموال ، من دون قيدٍ أو شرط ، من دون ورع ، وعن حريةٍ في اقتناص اللَّذات ، فالفساد أساسه المال والنساء ، وهذا أساس الفساد ، ولو ذهبت إلى مجتمعات الغرب ، ورأيت الناس وهم غارقون إلى قمة رؤوسهم في الفساد ، ما زاد فسادهم عن كسب المال الحرام ، وعن ممارسة الشهوات التي حرمها الله عزَّ وجل .

       لذلك أمور النساء والمال جاءت في السنة النبوية بعنايةٍ فائقة ، الإنسان يؤخذ إما من شهوته ، وإما من حرفته ، إما من شهوته للملذات التي حرمها الله عزَّ وجل ، وإما من حرصه على المال ، لذلك أحكام كسب المال ، أحكام إنفاق المال ، فهناك أشياء دقيقة جداً في أفاض فيها الشارع الحكيم ، قضايا النساء أيضاً ؛ أمر بغض البصر ، وأمر بالبعد عن مظان الزنا ، الآن أكبر شخصية إن لم يكن مؤمناً ، أو محصناً بالدين ، عنده نقطتا ضعفٍ خطيرتان هما المال والنساء ، خصوم الإنسان ، الإنسان الناجح في الحياة المتفوق الذي بلغ مرتبةً عالية ، من أين يؤتى ؟ من المال والنساء ، فإن هاتين نقطتا ضعفٍ في حقه ، أما المؤمن فمحصنٌ من هاتين النقطتين .

      شيءٌ آخر في موضوع الورع : أن سيدنا الصديق رضي الله عنه كان له غلام ، وكان هذا الغلام يأتيه ببعض الخراج ، يبدو أنه في أحد المرات سقاه لبناً ، وبعد أن شرب اللبن هذا أخبره الغلام بأن في هذا اللبن شبهةً ، تروي الكتب الصحيحة أن هذا الصحابي الجليل سيدنا الصديق رضي الله عنه وأرضاه وضع يده في حلقه فقاء اللبن ، قد يقول أحدكم : هل هذا حكمٌ شرعي ؟ أقول لكم : لا ، فإذا لم يعرف الإنسان ، دُعي إلى طعام ، وإذا بصاحب الطعام دخله مشبوه ، لكن الموضوع إذا كان دخله كله حراماً في حكم ، وإذا كان ثمة تداخل فهناك حكم آخر ، قد يكون للإنسان دخل مشروع ، ومع هذا الدخل المشروع دخلٌ آخر غير مشروع ، فأنت ليس عندك وسيلة فعالة للتفريق ، فمثلاً هذه التفاحة يا ترى من دخله المشروع أم من دخله غير المشروع ؟ في مثل هذه الحالات الفقهاء تسامحوا في تداخل المال ، أما إذا كان المال حرامًا صرفًا ، وأنت قد علمت ذلك ، فلا ينبغي أن تأكله ، ولا أن تستخدمه ، ولا أن تعامل هذا الإنسان ، على كلٍ سيدنا الصديق من باب الورع أخذ بالأحوط وقاء اللبن الذي شربه  .

      وكلكم يعلم الحديث الشريف الذي يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام : ((ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعة من مخلِّط)) .

      لأن الورع يجع