English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

شرح الحديث الشريف : رياض الصالحين : باب الورع وترك الشبهات  ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا عـلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... لا زلنا في الحديث النبوي الشريف ، ومن كتاب رياض الصالحين ، وفي باب الورع وترك الشبهات ، ومن عادة النووي رحمه الله تعالى ، أنه يصِّدر أبواب كتابه بالآيات القرآنية التي تتصل بموضوع الباب ، ومن العجبِ أنه صدَّر باب الورع وترك الشبهات بقول تعالى :

( سورة النور)

        تحسبونه هيناً ؛ حديث الإفك ، وهو عند الله عظيم ، وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)) .

(البخاري(

     أحياناً كلمة ، تسبب طلاق امرأة من زوجها ، كلمة تسبب ترك طالب علمٍ من معلِّمه ، كلمة ثالثة تسبب التفريق بين زوجين ، أو بين أخوين ، أو بين شريكين ، كلمة تسبب انصراف الإنسان عن الحق واتباع الباطل ، لذلك : ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)) ، وقد وفِّق الإمام النووي رحمه الله تعالى ، في تصدير هذا الباب بهذه الآية :

( سورة النور)

       الآن معظم المسلمين يظنون أن شرب الخمر ، والسرقة ، والزنا ، هذه هي المعاصي ، وهو بحمد لله تعالى بعيد عنها ، ونسي أن الغيبة والنميمة وقول الزور ، ونسي أن احتقار المسلم ، نسي أن الاستعلاء على الخلق ، هذه كلها من الذنوب العظيمة التي تقطع الإنسان عن الله عز وجل ، اضرب لكم هذا المثل :

      لو أن شريط الكهرباء الذي يوصل كهرباء المؤسسة إلى البيت ، وفي البيت مصابيح ، ومراوح ، وبراد ، وأجهزة كهربائية كثيرة جداً ، إذا انقطع هذا الشريط الذي يوصل تيار المؤسسة بالمنزل ، كل هذه المصابيح انطفأت ، وكل هذه الأجهزة تعطَّلت ، ما قيمة هذا الانقطاع إن كان صغيراً أم كبيراً ؟ إذا كان بين الشريطين سنتمتر واحد ، أو مليمتر ، أو عشرة سنتمترات ، أو متر ، كله انقطاع ،  الدعاء النبوي الشريف : ((اللهم لا تقطعنا بقواطع الذنوب)) ، إنسان مقطوع عن الله لذنب صغير أو لذنبٍ كبير ، في كلا الحالين فهو مقطوع ، من أين الخطر ؟ حينما يحسب المسلم أن هذا الذنب صغير ولا قيمة له ، فإذا هو مقطوع عن الله عز وجل .

       فسهرة مختلطة ، لم نفعل فيها شيئًا يا أخي ، ولكن مزحنا ، فهذا ذنب ، هذه المرأة التي أمامك لا يحل لك أن تنظر إليها ، إذا أردت أن تصلي شعرت أنك بعيد عن الله عز وجل ، ما الفرق بين الزنا وبين هذه ؟ طبعاً الزنا أكبر ، وهذه أصغر ، ولكن كلاهما ساهم في بعدك عن الله عز وجل ، فالإنسان لو أنه مقطوع عن الله لأسباب كبيرة نقول : لابد من أن يقطع ، أما أن يفقد كل هذه الميزات ، كل هذه الخيرات ، كل هذا التجلي ، كل هذا الإقبال لأسباب تافهة؟! كم تكون خسارته ؟

       فالإنسان أحياناً تضيع عليه صفقة ثمنها مليون ، وهو ليس معه مليون ، لكن معه مليون إلا ليرة مثلاً ، فمن أجل ليرة واحدة ضاعت عليه هذه الصفقة ، يكون ندمه أشد إذا ضيع الخير الكثير لسبب تافه الندم ، أما إذا ضيع الخير الكثير لسبب وجيه يقول لك : لا أملك ثمنها، فالنبي عليه السلام أشار إلى آخر الزمان ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا وَثَنًا ، وَلَكِنْ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّهِ وَشَهْوَةً خَفِيَّةً)) .

(ابن ماجه)

      هذه صغائر الذنوب ، هذه قواطع .

      ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ قال : ((إياكم ومحقرات الذنوب ، فإنها تجتمع على صاحبها حتى يهلكنه)) .

( من الجامع لأحكام القرآن : عن " قتادة " )

      تتراكم ، والمثل الشهير الذي أضربه دائماً : الصغيرة تشبه انحراف المقود سنتمترا واحدًا، هذا الانحراف إذا استمر فالسيارة في الوادي ، إذا استمر والطريق مستقيم وعريض ، أما الانحراف مستمر ، لابد من أن يسقط في الوادي ، أما الانحراف الخطير المفاجئ فيسقطها فوراً ، الانحراف الصغير لماذا هو صغير ؟ لأن تلافيه سهل ، إن الحسنات يذهبن السيئات ، لذلك قال عليه السلام : (( لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار )).

( من الدر المنثور : عن " ابن عباس " )

( سورة النور)

       الإمام النووي رحمه الله تعالى افتتح هذا الباب ( باب الورع وترك الشبهات ) بقوله تعالى :

( سورة النور)

       وقوله جل وعلا :

( سورة الفجر )

       

       بالمرصاد يراقب كل أعمالك ، صغيرها وكبيرها ، جليلها وحقيرها ، ما تراه كبيراً ، وما تراه صغيراً ، فإذا كان الإنسان مراقبًا يحاسب نفسه على أدق التصرفات ، إذا أراد أن يصوّر نفسه تجده يعدل من هندامه ، لأنه لا يحب أن يكون مظهره فيه خطأ ، وهي صورة عادية ليس لها أي طعم  ولا قيمة ، في الصورة العادية الإنسان يحاول أنْ يحسِّن شكله ، إذا قابل إنسانًا له قيمته تجده ينتبه لثيابه ، لألوانه ، يضبط كلماته ، ما دام تحت المراقبة ، وإذا كانت عليه مراقبة كاملة تجده يحاسب نفسه على الحركات والسكنات ، وكل كلمة لها معنى ، يوضِّح ما دام تحت مراقبة تامة ، فإذا كان الله عز وجل يراقبه فلابد من ترك الشبهات ، ولابد من أن يكون ورعاً ، هذه الآيات التي صدر بها هذا الفصل أو هذا الباب .

         الآن إلى أعمال النبي عليه الصلاة والسلام ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ قَالَ : ((لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا)).

(متفق عليه)

       إذاً النبي عليه الصلاة والسلام ورع ، والورع ترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس .

      الحديث الشهير في الورع كلكم يعرفه ، وهناك أحاديث أصبحت تداولها بين أيديكم كثير .     

     عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ : ((إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)) .

(متفق عليه)

       فأنت بعته هذا الكتاب ديناً بمئة ليرة ، ثم باعك إياه نقداً بثمانين ليرة ، الكتاب نفسه ، تقول لي : هذا بيع وشراء صحيح ، بعته بإيجاب وقبول ، وقبض وتسليم ، ثم باعك هذا الكتاب بإيجاب وقبول وقبض وتسليم ، هذا بيع حلال إذاً ؟! يأتي رجلٌُ مرابٍ يحضر كتابًا ويضعه على الطاولة ، وكلما أراد إنسان شراءه طلب قرضاً منه بفائدة ، فيبيعه الكتاب ديناً بألف ليرة ، ويكتب : من فلان ، ثمن كتاب كذا ألف ليرة ، وفي الوقت نفسه يقول له : أتبيعني إياه بثمانمئة ؟ يقول له : نعم ، يفتح الدرج ، ويعطيه ثمانمئة ليرة ، فيا ترى هذا العمل بيع وشراء أم ربا ؟

       قد يحدث لمرة واحدة ، وفي صفاء ونية طيبة ، أنت بعت بيعة بإيجاب وقبول صحيحين، وبيع حقيقي ليس خلبيًّا أو شكليًّا ، وبعدما بعت جاءك هذا بعد أسبوع ، قال لك : هذا الكتاب أريد أن أرجعه ، أنت يمكن أن ترجعه على أساس الإحسان ، لأن الله عز وجل يقول : ]إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وِالإِحْسَانِ[ ، ولكن أنت أحببت أن تكون بالعدل ، العدل أن هذا الكتاب بعته بيعاً قطعياً ، والبيع صحيح ، والإيجاب صحيح ، والقبول صحيح ، قال : لك أتشتريه مني ؟ مثلاً قد يحدث هذا لمرة واحدة ، لظرف قاهر اشترى كتابًا ، مع افتتاح المدارس ، بعد شهر جاء ، وليس له زبون لانتهاء الموسم ، ليس لي مصلحة أن أرجعه ، فأنت اشتريته منه شراء آخر ، يجوز في حالات نادرة جداً أن يكون فعلاً بيعًا وشراءً ، لكن أن تجعل هذا الكتاب وسيلة لتحليل الربا ، هذا صار حرام .

       فالمتشابهات من جهة تشبه الحلال ، ومن جهة أخرى تشبه الحرام ، أنا أريد أن أعلم هذه المرأة التي معنا في الدائرة ، أريد أن أبين لها الحجاب ، وكَذا وكذا ، والله هذه دعوة إلى الله ، ولكنها امرأةُ زينةٍ ، فأية دعوة إلى الله هذه ؟! دخل شيء ثان ، بينهما مشتبهات ، الحلال بين ، الحرام بين واضح كالشمس ، وأنت تعرف الحلال والحرام بالفطرة من دون تعليم ، اشترى طعامًا وأكله من مال حلال ، فهذا حلال ، أخذ ما ليس له ، حرام بالفطرة .

       لكن هناك شبهات ؛ دخلت معه في بيت ، دفعت الربع ، ويجب أن أؤدي هذا المبلغ بعد شهرين ، أو بعد سنة كما أخذه ، ولي عندك أجرة ، لا يجتمع في الشرع ضمان وأجار ، إذا كان الضمان فلا يوجد أجار ، أنت مالك ، والمالك لا يستأجر ، وإذا كنت أنت مستأجرًا فلا يوجد ضمان ، إذا أخذت أجرة على أوضاع البيت فبعد سنة يرخص ، يغلو ، يستملك ، يحترق ، لا نعرف ، فالموضوع دقيق ، بينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، لذلك سيدنا رسول الله قال : ((تفقهوا قبل أن تحجوا)) .

      تفقهوا قبل أن تدخلوا السوق ، ومن دخل السوق بلا فقه أكل الربا شاء أم أبى ، والإنسان يقول لك : استقامة ، فالاستقامة يجب أن تعرف الأمر ، إذا أردت أن تستقيم على أمر الله يجب أن تعرف أمر الله عز وجل ، معرفة أمر الله حتم واجب .

فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ )) ، لأن في الإنسان مشكلة يمكن أن نسميها بالفيزياء ( مبدأ العطالة ) ، وهي أن الجسم المتحرِّك يرفض السكون ، والجسم الساكن يرفض الحركة ، الدليل : إذا كنت في سيارة منطلقة بسرعة ، والسائق لسبب قاهر استعمل المكبح ، أنت تهجم نحو الأمام ، لماذا ؟ لأن السيارة وقفت بفعل المكبح ، أما أنت كجسم متحرك فترفض الوقوف ، فعندما وقفت هي ظللت أنت تسير، أكثر الحوادث تأتي من الإيقاف السريع ، لذلك ببعض الدول حزام الأمان لابد منه ، ما حزام الأمان ؟ أنك جسم منطلق بسرعة ، تساوي سرعة السيارة ، فإذا توقفت فجأة ، أنت ترفض الوقوف ، وتظل ماشيًا إلى الأمام ، فيحدث اصطدام ، وتقع في مشكلة .

       الآن ، الجسم الساكن يرفض الحركة ، والدليل : إذا أقلعت السيارة ، تشعر أن المقعد الخلفي يدفعك نحو الأمام ، لأنك تريد أن تبقى ساكنًا ، والآن القمر الصناعي يعطونه سرعة ابتدائية يبقى يدور إلى الأبد ، نظرياً طبعاً ، ما دام قد أخذ سرعة ، وليس هناك قوى مقاومة واحتكاك فالجسم المتحرك يرفض السكون ، هذه هي العطالة ، طبعاً القوانين واحدة .

       طبق هذا القانون على النفس ، عندما يستمرئ الإنسان الحرام ، يظل ماشيًا فيه ، ولا يقف من حرام إلى أشد ، الإنسان طبيعته متحركة ، إذا مشى بطريق الإيمان من حسن لأحسن، من موقف فيه ورع إلى موقف أشد ورعاً ، من موقف فيه إحسان إلى موقف أشد إحساناً ، من صلاة متقنة إلى ما بين الصلاتين في صلاة ، فكلما الإنسان مشى بالإيمان يرتقي، وإذا بدأ بطريق الانحراف ، حينما تزل قدمه ، عندنا قانون مهم جداً ، هذا القانون أيضاً هو مادي ، فأنت حينما ترى صخرة في رأس جبل ، أنت الآن في كل الاختيار ؛ لك أن تدعها في مكانها ، ولك أن تدفعها نحو الهاوية ، ولكنك إذا دفعتها نحو الهاوية ، ليس في اختيارك أن توقفها في مكان معين ، لابد من أن تستقر إلى القاع .

        الإنسان أحياناً يدفع ابنه أو زوجته إلى شيء من مخالفة للشرع ، يظن فقط هذه ، هو يريد هكذا فقط ، ولكن هذا الأمر تجده يتفاقم ، إلى أن تقع المشكلة الكبيرة ، هذه قاعدة ، الحرام يجر إلى حرام أشد ، ماذا قال البوصيري رحمه الله تعالى :

فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها    إن الطعام يقوي شهوة النهم

*  *  *

    الخطوة نحو الحرام تتبعها خطوات ، تساهل في مخالفة تتبعها مخالفات ، نظرة تتبعها ابتسامة ، يتبعها حديث ، يتبعها موعد ، يتبعها لقاء ، يتبعها زنا ، يتبعها فضيحة ، يتبعها طلاق ، يتبعها جريمة ، من نظرة ، ومعظم النار من مستصغر الشرر ، فالإنسان متحرِّك ، هذا الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام ـ الحديث معروف عندكم ـ :

   ـ ماذا ينجي العبد من النار ؟

   ـ قال : إيمان بالله .

   ـ قال : مع الإيمان عمل ؟ .

   ـ قال : أن تعطي مما أعطاك الله .

   ـ قال : له : لا أستطيع .

   ـ قال له : أن تكف أذاك على الناس ، وذكر له أشياء كثيرة النبي عليه السلام ، فقال أبو ذر رضي الله عنه :

   ـ أو إن كف أذاه عن الناس دخل الجنة ؟!

   ـ فقال عليه الصلاة والسلام : ما من عبد مسلم يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة .

       هناك شيء اسمه تعاظم ، أنت امش في طريق الإيمان تجد نفسك في نمو ، اليوم قرأت القرآن ، غداً تقرأ القرآن مع التدبر ، بعد غد تقرأ مع التدبر والتفكُّر ، وبعده قراءة وتدبر وتفكر وتطبيق ، بعدئذٍ يصبح القرآن ربيع قلبك ، احضر مجلس علم ، تشتهي الثاني ، والثالث، وغير نوع ، وحديث ، وتفسير ، وعقيدة ، وفقه ، فالإنسان باللغة الأجنبية : ديناميكي، أي طبيعته متحرك ، فإن مشى في طريق المعاصي تتبعه خطوات نحو المعاصي ، والطاعات أيضاً تأخذ بيدك إلى الله عز وجل .

((وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ)) .

   يا إخوان ، النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى ، فسيدنا سعد رضي الله عنه قال: " والله ما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حق من الله تعالى " ، النبي عليه الصلاة والس&