English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

شرح الحديث الشريف : رياض الصالحين : باب إكرام الضيف وصلة الرحم - قصة سيدنا ثابت بن قيس ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة المؤمنون ... بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك ، الشيء الذي ألفه المسلمون في هذا العيد هذه الزيارات فيما بينهم ، فبحثت عن بابٍ في رياض الصالحين يتناسب مع عيد الأضحى المبارك ، فما وجدت من بابٍ أقرب من باب إكرام الضيف ، ومن باب صلة الرحم .

       فالله سبحانه وتعالى يقول  :

(سورة الذاريات)

        كما هي العادة ، كل باب يعقده الإمام النووي رحمه الله تعالى ، يفتتحه بالآيات الكريمة التي لها علاقةٌ بالباب ، فالآية التي تناسب إكرام الضيف قوله تعالى  :

(سورة الذاريات)

)        أهله ) هنا بمعنى زوجته وأولاده ، ومعنى كلمة : راغ : أسرع ، هل هناك معنى آخر لـ : راغ ؟ علماء اللغة قالوا : أسرع خفيةً ، لو وقف إنسان من بيننا وركض ، هذا الفعل ليس من معناه راغ ، ركض على مرأى من الحاضرين ، أما راغ من معانيها أنه أسرع مختفياً ، إذاً هذا الذي يسأل ضيفه : أتحب أن تأكل حتى أحضر لك الطعام ، خالف آداب الضيافة ، إذا أردت أن تكرمه فلا داعي أن تسأله ، إنك إذا سألته لن يرضى ، وقد يكون في أعلى درجات الجوع ، ويقول لك : لا .

        أما راغ فتعني أنه تسلل ، أو أسرع مختفياً من ضيوفه ، كي يعطي إشارة إلى أهله لإعداد الطعام ، قال : هذا أول أدب من آداب الضيافة ، فلا ينبغي أن تقول للضيف : هل تأكل ، لعلك لمْ تأكل ، لعلك أكلت ، قل لي : ما شأنك ؟ ماذا تحب أن تأكل ، حتى أحضر لك الطعام ، ويحدث جلبة وضجيجًا ، لا ، هذا ليس من كرم الضيافة ، من تمام كرم الضيافة ألا تشعر الضيف أنك ذاهب لإعداد الطعام .

(سورة الذاريات)

       أولاً : هذه الفاء (الأولى والثانية ) تفيدان الترتيب على التعقيب ، طبعاً الواو تفيد العطف ، وثم تفيد الترتيب على التراخي ، لو أن ربنا عز وجل قال : فراغ إلى أهله ، ثم جاء بعجل ثمين ، أي جاء بعد ساعتين ، أو ثلاثا ، أيضاً من آداب الضيافة سرعة إعداد الطعام ..

(سورة الذاريات)

       خرج ، فلم يلبث إلا قليلاً حتى عاد بالطعام ، إذاً عدم استئذان الضيف لإعداد الطعام ، وعدم الإطالة بإعداد الطعام ، هذا أدب ثانٍ من آداب الضيافة ..

(سورة الذاريات)

       كما قال عليه الصلاة والسلام  : ((المؤمن كالنحلة لا يأكل إلا طيباً ولا يطعم إلا طيباً)).

( من شرح الجامع الصغير )

       عندنا ثلاثة آداب : عدم إعلام الضيف ، والسرعة في الخروج لإعداد الطعام ، وسرعة إعداد الطعام ، وتهيئة الطعام الذي يروق لك ، تطيب به نفسك ، أحياناً الضيف يستحي ، المائدة طويلة جداً ، هناك صحن يحب أن يأكل منه ، ربنا عز وجل أعطانا أدبًا رابعًا  :

 ( سورة الذاريات )

       يجب أن تلاحظ توزيع الطعام على المائدة ، هذا الطبق فيه طعامٌ يحبه هذا الضيف بعيد عنه ، قد يستحي أن يمتد إليه ، قد يستحي أن يمد يده ، قد يستحي أن يقول لك : قرب لي هذا الطبق ، الإنسان الضيف يغلب عليه الحياء ، هذه على صاحب البيت .

 ( سورة الذاريات )

       قرب الطعام ، وسكت الضيف ، أحياناً يأتي المضيف بصحن الفاكهة ، ولا يقول للضيف : تفضل ، يمضى ربع ساعة ، عشر دقائق ، ثلث ساعة ، المضيف مشغول بموضوع ، وقدم الفاكهة ، أو قدم الطعام ، ولم يقل للضيف : تفضل ، كلمة تفضل من لوازم الإضافة ، عدم الاستئذان ، عدم الإعلام ، السرعة في إحضار الطعام ، اختيار أطيب الطعام ، تقريب الطعام ، الدعوة إلى الطعام ، خمسة آداب من آداب الضيافة تضمنتها هذه الآية الكريمة ، قال تعالى:

 ( سورة الذاريات )

       إذاً تعلمنا من هذه الآية خمسة آداب في إكرام الضيف ، وقد تعلمون جميعاً أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم)) .

( من شرح الجامع الصغير )

       ليس معنى هذا أنك ملزم أن تكرم كل ضيف ، ولكن أحياناً ترحيبك الشديد ، واستقبالك للضيف ، وتواضعك له ، هذا يدخل على قلبه السرور أضعاف ما تقدم له من طعام وشراب ،  إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم .

       شيء آخر ، من آداب الضيافة بين المؤمنين ألا يتكلف المفقود ، وألا يجود إلا بالموجود ، لو أن هذا طبق ، صار ظل الضيف خفيفًا ، وعبئه قليلا ، ألاّ نتكلف المفقود ، وألا نجود إلا بالموجود ، والنبي عليه السلام في أحاديث كثيرة وجه السيدة عائشة ، وأمرها ألا تكلف للضيف ، لأن الإنسان إذا تكلف للضيف ربما استثقل  حضوره ، فإذا طرق بابك أخ كريم فالذي عندك قدمه له ، إذاً إتيان الضيف لا يشكل عبئاً عليك ، أما إذا كان لابد من التكلف ، وتكليف الإنسان ما لا يطيق ، فعندئذٍ يصبح الضيف ثقيلاً على المضيف .

       شيء آخر : إذا صار اجتماع بين الإخوة الأكارم ، مثلاً لقاء على حفظ قرآن كريم ، أنا أرجح ، أو أفضل ألا تكون الضيافة مكلفةً ، لأن الحاضرين أنواع ؛ بعضهم الموسر ، بعضهم أقل يسارًا ، بعضهم له دخل محدود ، فإذا ارتفع مستوى الضيافة ربما لا يستطيع هذا الذي حضر هذه الوليمة أن يجري مثلها ، لذلك اللقاءات التي فيها بذْخٌ وتكلف شديد قد تنتهي سريعاً ، فإذا كان هذا اللقاء لله عز وجل فسر بسَيْرِ أضعف الحاضرين .

      وقال تعالى  :

 

سورة هود))

       هذه إشارة ثانية ، إلى أن الإنسان يحب أن يكون أمام ضيفه في شكل جيد ؛ في مظهر البيت ، في تربية الأولاد ، في كل شيء ..

 ( سورة هود )

       أما كما يفهم عامة الناس من قوله تعالى  :

 ( سورة هود )

       هذا لا يعني أن سيدنا لوط عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قدَّم لضيوفه بناته ، هذا ليس صحيحاً ، لكن لأنه نبي كريم ، فبنات المؤمنين كأنهن بناته ، أي يا أيها الضيوف لماذا تبغون الشيء الذي نهى الله عنه ؟ هؤلاء البنات في هذه البلدة ، هؤلاء الذين يمكن أن تكون العلاقة مشروعةً فيما بينكم وبينهن ، فهنا بناتي بمعنى كل بنات القرية بمثابة بنات سيدنا لوط ، أما أن يقدم بناته ، وليس المقصود بنتًا بالذات ، عليكم أن تحيدوا عن هذا الانحراف إلى الطريق المشروع الذي سنه الله عز وجل .

***

       الآن : عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال  :((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) .

( متفق عليه )

       الحقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الدقيق ربط إكرام الضيف ، وصلة الرحم ، والقول الطيب الحَسَن ، ربط هذه كلها بالإيمان بالله واليوم الآخر ، لأن الإيمان بالله كل هؤلاء الناس عباده ، فإذا آمنت بربك ، آمنت بخالقك ، عرفت ما عنده من عطاء ، وما عنده من عقاب ، الآن التقرُّب إلى الله يتم عن طريق إكرام عباده ، إذاً من لوازم الإيمان أن تكرم عباده ، هذا معنى دقيق جداً ، بشكل أن الإيمان من دون عمل يتبعه ، من دون ثمرة يثمرها ، من دون شيء يعطيه هذا المؤمن ، فإيمانه مشكوك فيه ، ما حقيقة إيمانك ؟ ما الدليل على إيمانك ، أحد التابعين الكبار سئل : هل أنت مؤمن ؟ هذا موضوع خلافي ، فهل يا تري يقول : نعم أنا مؤمن ، أما أن يقول : إن شاء الله مؤمن ، هذا موضوع خاض فيه العلماء خوضاً كبيراً ، لكن هذا التابعي الجليل لما سئل هل أنت مؤمن : قال : إن كان الإيمان كما قال الله عز وجل :

( سورة البقرة : من آية " 285")

       إن كان الإيمان وفق هذه الآية فأنا مؤمن ، أما إذا كان الإيمان :

( سورة الأنفال : من آية " 2" )

       على هذه الآية فأنا مؤمن إن شاء الله ، أما على تلك فأنا مؤمن قطعاً ، هذا من أدق الأجوبة حول هذه الموضوع ، الإيمان نفحات ، هذه النفحات قد تأتي ، وربما لا تأتي ، قد تأتي في وقت دون وقت ، كلكم يعلم : قد تقرأ القرآن تشعر بأشواق ، تشعر بسرور ، تشعر بسعادة ، وقد تقرأ أحياناً لا تجد شيئاً ، فالإنسان له أحوال ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها)) .

        لذلك العلماء قالوا : إن يوم الجمعة في ساعة رحمة ، فإذا هيأ الإنسان نفسه ، واستعد ، وتوضأ ، وصلى ، وجاء المسجد ، لعل هذه الساعة تكون في صلاة الجمعة ، فتأتي الرحمة ، كل واحد له مع الله خبرة عاطفية ، ببعض المجالس ، ببعض الساعات ، إما في صلاة ، أو في قراءة قرآن ، أو في مجلس علم ، أو في تأمُّل في ملكوت السماوات والأرض ، يشعر أن شيئاً علوياً قد هبط إلى قلبه ، يشعر أن سعادة لا توصف شعر بها ، هذه ربما لا تعود له مرة ثانية في أسبوع واحد ، هذه هي النفحة ، يقول لك : والله حضرت درساً لا أنسى طعمه حتى الآن ، الدرس الثاني ليس كذلك ، هذه نفحة الله عز وجل : ((إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها)) .

( من الدر المنثور : عن " أنس " )

       أنت هيِّئ نفسك بالاستقامة ، هيِّئ نفسك بالانضباط ، هيِّئ نفسك بالعمل الصالح ، لكن لا شك أن الله عز وجل حينما قال :

( سورة الكهف : من آية " 110" )

       هذه الآية مطلقة ، والمطلق في القرآن على إطلاقه ، لقاء الله عز وجل في الصلاة ، لقاء الله عز وجل في الدنيا ، لقاؤه في الدنيا ، يعني هذا الاتصال بالله عز وجل ، هذا الاتصال بالله ثمنه العمل الصالح ، قاعدة ، قد تقف على باب إنسان أيام دون أن يسمح لك بالدخول عليه ، وقد تنتظر شهوراً ، ولكن الله سبحانه وتعالى فتح باب رحمته على مصراعيه ، وقال  :

( سورة الكهف : من آية " 110" )

       وبعضهم قال : هذه الآية من الآيات القليلة في القرآن الكريم التي تلخِّص القرآن الكريم .

( سورة الكهف : من آية " 110" )

       ماذا يوحى إلي ؟ هذا القرآن ، ما ملخصه ؟

( سورة الكهف : من آية " 110" )

       يجب أن تؤمن بالله واحداً ، هذا يسمونه توحيد الربوبية والألوهية والخلق ، خالق واحد ، ورب واحد ، وإله واحد هو الله سبحانه وتعالى ، هذه كلمة ، أي إنسان يقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، ولكن قد تأتي ظروف ، وتأتي مواقف محرجة ، وتأتي إغراءات ، وتأتي ضغوط ، يبدو للمقصر أن هناك إلهاً آخر ، لذلك يطيع هذا الذي ظنه إلهاً ، ويعصي ربه ، إذاً هذا الإيمان النظري لا يكفي ، كلما اجتهدت في معرفة الله عز وجل ، ارتقى مستوى توحيدك ، إلى أن تشعر أن كل خلية في جسمك ، وكل شُعَيْرَة في جسمك تنطق بـ : لا إله إلا الله ، لا معطي ولا مانع ، ولا خافض ولا رافع ، ولا معز ولا مذل ، ولا قابض ولا باسط ، ولا مسعد ولا مشقي ، ولا محيي إلا الله عز وجل .

        فأنت الآن بأي تعامل مع جهة ، مع دائرة حكومية ، تسأل : من بيده التوقيع ؟ مَن بيده الموافقة ؟ من هو الشخص الأول في هذه المؤسسة ؟ من هو الذي بيده الأمر ، بيده الموافقة وعدم الموافقة ؟ أنت بدافع طبيعتك الإنسانية في تعاملك مع جهات متعددة ، تحب أن تعرف من هو الشخص الأول ، من هو الذي بيده كل شيء ، من هو الذي إذا قال نعم ، نعم ، لا ، لا ؟ يمكن أن تدخل مشفى فتجد حجابًا ، وتجد ممرضين ، وتجد أطباء ، وتجد موظفين ، ومحاسبين ، لكن يا ترى من الذي يسمح لك أن يقبل هذا المريض في سرير بالدرجة الأولى ؟ المدير العام ، فأي حديث تجريه مع أناس جانبيين مضيعة للوقت ، لا يمكن أن يسمح لك بإدخال مريضك إلى هذه المشفى إلا بموافقة المدير العام ، هناك أطباء كُثُر ، ورؤساء شُعَب بالأطباء ، ومدراء مخابر ، ومحاسبون ، وممرضون ، وحجّاب ، وحرس .. إلخ ، كل هؤلاء ليس بيدهم شيء .

       وإذا كشفت في الدنيا أن الأمر كله بيد الله ، خصومك بيد الله ، أعداءك بيد الله ، أحبابك بيد الله ، زوجتك ، أولادك ، مَن هم دونك ، من هم فوقك ، صحتك ، أجهزتك ، قلبك ، رئتاك ، الكليتان ، الدماغ ، الأعصاب ، إذا عرفت أن كل شيء بيد الله ، قطعت علاقاتك مع الخلق ، وربطتها مع الحق ، هذا هو العلم ، بل هذه نهاية العلم ، لذلك قالوا : "نهاية العلم التوحيد " ، أي توحيد هذا ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة ، قالوا : وما حقها ؟ قال : أن تحجزه عن محارم الله)) .

       تكلمت كثيراً في هذا الموضوع ، وأحب أن أقول ، وأعيد عليكم هذا التشبيه : الشهوات التي أودعها الله في الإنسان قوى كبيرة ، فاندفاعك إلى الطعام والشراب ، اندفاعك إلى كسب المال ، اندفاعك إلى قضاء الملذات ، هذه شهوات أودعها الله فيك كأنها محرك ، تدفعك نحو تحقيقها ، هذه الشهوات قوى ، لا تقف في وجهها كلمات ، فلو السيارة منطلقة بسرعة مئة ، ضع ورقًا هشًّا في طريقها ، هل يستطيع هذا الورق أن يقف في طريقها ؟ أو أن يمنعها عن متابعة السير ؟ هذه القوة المندفعة لا يقف في وجها إلا قوة كبرى ، العلم قوة ، إذا كان ضئيلا وزنه عشرة غرامات ، والشهوات خمسة كيلو ، عشرة أخريات ، عشرون ، إلى أن تتشكل قناعات ، إذا كان الإنسان يسكن مثلاً ـ لا سمح الله ولا قدر ـ في طابق مرتفع ، ومعه مرض يقتضي أن يكون طابقه أرضيًّا ، سأل أول طبيب قال له : والله يجب أن تسكن في طابق أرضي ، وأعطاه تعليلا جيدًا ، سأل الثاني ، سأل الثالث ، الرابع ، قرأ نشرة ، قرأ مقالة ، خلال شهر ، كلما سأل طبيب ، وأشار عليه أن يسكن هذا الطابق الأرضي ، وأن يدع هذا الطابق العلوي ، إلى أن تتراكم هذه القناعات ، في أحد الأيام ينطلق إلى الدلال ، ويسأله عن بيت أرضي ، تحرك الآن ، ما الذي حركه ؟ قناعاته .

        أكلة يحبها الإنسان ، أكل منها فحدثت له اضطرابات هضمية ، سأل الطبيب ، فقال له : يجب أن تمتنع عنها ، ما أخذ كلامه على محمل الجد ، أعادها مرة ثانية فحدث معه اضطرابات أخرى ، المرة الثالثة اضطرابات أشد ، الرابعة سيتشكل معه قرحة دائمة ، إلى أن تراكمت هذه القناعات ، فحملته على ترك هذا الطعام ، لاحظ نفسك لن تأخذ موقف عملي إلا بقناعة كبيرة .