English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

شرح الحديث الشريف : رياض الصالحين : باب حسن الخلق ، " البر حسن الخلق " ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

       أيها الإخوة المؤمنون، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ : ((سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ : الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)) .

(صحيح مسلم)

    عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الأَسَدِيِّ ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِوَابِصَةَ : جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ ؟ قَالَ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَهُ وَقَالَ : اسْتَفْتِ نَفْسَكَ ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ يَا وَابِصَةُ ثَلاثًا ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ ، والإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ)) .

(سنن الدارمي)

      هذان الحديثان علامَ يدلان ؟ على كلمة واحدة : البر ، الفطرة .

    أيها الإنسان فُطِرت فطرة عالية ، بحيث لو فعلت شيئاً سيئاً شعرت بالضيق ، ترددت ، حاك هذا في صدرك ، كرهت أن يطّلع عليه الناس ، من دون علم ومعلومات ، من دون تدريس وتوجيه ، من دون قراءة من دون خطابة ، الله سبحانه وتعالى تفضّل على الإنسان ففطره فطرة عالية ، بحيث إذا أساء عذبته فطرته ، مرة ثانية : عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ : ((سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ : الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)) .

(صحيح مسلم)

    عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الأَسَدِيِّ ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِوَابِصَةَ : جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ ؟ قَالَ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَهُ وَقَالَ : اسْتَفْتِ نَفْسَكَ ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ يَا وَابِصَةُ ثَلاثًا ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ ، والإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ)) .

 (سنن الدارمي)    

    إذاً نستنبط استنباطًا آخر : أن الفتوى وحدها من دون أن تطمئن وترتاح لها لا تنجيك من عذاب الله ، وأكبر دليل عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، وَإِنَّمَا أَقْضِي لَهُ بِمَا يَقُولُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِقَوْلِهِ : فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا )) .

(مسند الإمام أحمد)

      إذاً هل من فتوى أعظم من أن يفتي النبي عليه الصلاة والسلام وهو المعصوم وهو المشرّع وهو سيد الخلق ؟ لو انتزعت من فم النبي فتوى ولست محقاً ، وحاك في صدرك ، وتردد في صدرك ، وشعرت بالحرج والضيق ، وضاقت نفسك ، ووخزك ضميرك ، وانقبض قلبك ، فالفتوى لا قيمة لها ، لذلك قالوا : الفتوى تحتاج إلى تقوى ، وقالوا : هناك فتوى ، وهناك تقوى ، فالتقوى أن تراقب الله عز وجل ، وأن تجعل من اطمئنان قلبك ونفسك مقياساً صحيحاً لهذا الذي تقبله من الفتاوى أو تفتيه من الفتاوى .

     بالمناسبة كلما كنت جباناً في الفتوى كانت هذه صفة عالية فيك ، وكلما كنت جريئاً في الفتوى كانت هذه الجرأة جسراً إلى النار .

   قبل أن تفتي للناس ، والحقيقة المشكلة الإفتاء اختصاص ، فالإنسان يدرس الأحكام الشرعية بعمق بالغ ، بتوسع كبير ، بإطلاع واسع ، بدراسة المذاهب كلها ، فإذا سئل ربما أجاب ، أما الناس فقد ألفوا أن أي إنسان له مسحة دينية أصبح مفتيًا ! يقول : سألت إمام الجامع ، هل الإمام مفتٍ ؟ الإمام يقرأ القرآن ، يوجد إمام وخطيب وعالم وداعية وقاض ومجتهد ومفتٍ ، الإفتاء شيء ، والاجتهاد شيء والقضاء شيء والفتوى شيء والدعوة شيء ، الداعية غير العالم والعالم شيء والخطيب شيء والمدرس الديني شيء ، والإمام شيء والقارئ شيء ، كلٌّ اختصاصه ، فسبحان الله أي إنسان له مسحة دينية رقيقة يسأله الناس دائماً ! أكثر سؤالات في الطلاق والإجهاض والمواريث وتوزيع الإرث ، يسأل عنها أناسًا لا يعلمون شيئاً ، لذلك ليس العلم الديني كلأً يرعاه كل الناس ، اختصاص ، قد تكون ديّنًا ، وقد تكون عابدًا ، وقد تكون ورعًا ، وقد تكون مؤمنًا ، وقد تكون ناجيًا ، ولكن أن تفتي فهذا شيء كبير جداً .

    قصة تلوتها عليكم عشرات المرات ، أعلم علماء العصر الإمام أحمد بن حنبل جاءه وفد من المغرب العربي ، أعتقد الطريق يحتاج إلى ثلاثة أشهر ، ومعه ثلاثون سؤالاً ، وعرضوا هذه الأسئلة على الإمام أحمد فعرف منها سبعة عشر سؤالاً ، فلما سألوه عن الأسئلة الباقية قال : لا أعلم ، فقالوا : جئناك من أقصى الدنيا ، وأنت الإمام أحمد ، إمام العصر ولا تعلم ، فقال : قولوا لهم : الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم ، وطّن نفسك أن تقول : لا أعلم ، مهما كنت كبيرًا جداً ، وعظيما جداً ، إذا قلت : لا أعلم ، اسأل غيري ، وهذا الذي يسرع بالإجابة لا يعلم حقيقة لا يعلم .

    هذا الحديث متواتر تواترًا معنويا ، ورد بصيغ عديدة ، فإذا تواتر الحديث تواتراً معنوياً فالموضوع مهم جداً .

       عَنْ وَابِصَةَ الأَسَدِيِّ قَالَ : ((أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لا أَدَعَ شَيْئًا مِنَ الْبِرِّ وَالإِثْمِ إِلا سَأَلْتُهُ عَنْهُ ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَفْتُونَهُ ، فَجَعَلْتُ أَتَخَطَّاهُمْ قَالُوا : إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : دَعُونِي فَأَدْنُوَ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ قَالَ : دَعُوا وَابِصَةَ ادْنُ يَا وَابِصَةُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ : يَا وَابِصَةُ أُخْبِرُكَ أَوْ تَسْأَلُنِي ؟ قُلْتُ : لا بَلْ أَخْبِرْنِي ، فَقَالَ : جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ ، فَقَالَ: نَعَمْ فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِنَّ فِي صَدْرِي وَيَقُولُ : يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ )) .

(مسند الإمام أحمد)

      أخ كريم وجد محضرًا في بعض أحياء دمشق الحساسة ، استطاع بذكاء بارع أن ينزل بالمزاد بشكل تمثيلي ، فالمحضر مثلاً - هذه قصة من اثنتي عشرة سنة - سعره سبعمائة وخمسين ألفًا ، تمكن من إنهائه بأربعمائة وخمسين ألفًا ! المزايدات قليلة جداً ، ثم جاء يسألني قال : تمكنت أن أشتري هذا المحضر بمبلغ اقل من ثمنه الحقيقي بالثلث تقريباً ! فما الحكم الشرعي ؟ طبعاً بهذا المحضر ، من أصحاب المحضر أيتام ، قلت : لماذا جئت تسألني ؟ قال: لأنني متضايق ، قلت له : هذا هو الجواب ! الإنسان عندما يسأل يكون منزعجًا وقلقًا ، لو فرضنا أنك عطشان ، وبرّاد الماء جاهز ، والكأس جاهزة ، والماء بارد ، وترغب بماء بارد ، وجسمك يحتمل الماء البارد ، شربت كأس ماء بارد ، ممكن أن تسأل عنها مفتيًا أنك فعلت شيئا خطأ ، هل لها مشكلة ؟ ما الحكم الشرعي ؟ هنا لا يهمك لأنها بديهية ، الحلال ليس له مشكلة ، لا أحد يختلف عليه ، لا أحد يسال عنه ، أولادك يطلبون الفاصولياء ، أحضرت الفاصولياء واللحمة ، وطهيتهم ، وأكلتم فاصولياء ورزا ، هل يلزم هذه سؤال مفتٍ؟ بديهي ، فعندما تسأل يعني هذا أنك قلق ، لماذا ؟ لأنه أصبح هناك تردد ، بمجرد أن تسأل أنت قلق ، لذلك قالوا : نفي الشيء أحد فروع تصوره .

      إذا باعك أحدهم شيئًا قال لك : أنا لم أرفع الثمن عليك ، معنى هذا أنه رفع الثمن عليك ! هو شعر بوخز ضمير فبادر إلى النفي ، وهذا النفي إثبات ، أحياناً الإنسان الذي ينفيه كأنه يثبته !

    لذلك قالوا : نفي الشيء أحد فروع تصوره .

    هناك رواية ثانية : قال : سمعت وابصة ، وذكر الحديث مختصراً ، ولفظ الحديث المختصر : ((البر ما انشرح له الصدر ، والإثم ما حاك في صدرك ، وإن أفتاك عنه الناس)).

    لذلك لي كلمة شهيرة : كل إنسان سألني سؤال أقول له : الفتوى موجودة ، تريد الفتوى أم التقوى ؟ فإن كنت تبحث عن الفتوى فليس هناك مشكلة ، إنك تجد لكل معصية فتوى ، وعوام الناس يقولون لك : ضعها برقبتي ، من أنت ؟ ومن أنت حتى أدعها في رقبتك ؟

يقولون هذا عندنا غير جائز     ومن أنتم حتى يكون لكم عند

    من أنتم ؟ أنتم فقهاء ؟ هل أنتم مرجع في الدين ؟ مجتهدون علماء ؟

    وفي رواية رابعة ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ : أَنَّ رَجُلا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((مَا الإِيمَانُ ؟ قَالَ : إِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ ، وَسَاءَتْكَ سَيِّئَتُكَ ، فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا الإِثْمُ ؟ قَالَ : إِذَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ فَدَعْهُ)) .

(مسند الإمام أحمد)

    الشيء الذي له إشكال ضيق تردد خوف قلق خجل دعه ، وأدق ما في هذا المعنى قول حَسَّان بْن أَبِي سِنَانٍ : (مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنَ الْوَرَعِ دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ ) .

(صحيح البخاري)

     وفي رواية أخرى ، عَنْ الْخُشَنِيِّ يَقُولُ : ((قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَخْبِرْنِي بِمَا يَحِلُّ لِي وَيُحَرَّمُ عَلَيَّ قَالَ : فَصَعَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَوَّبَ فِيَّ النَّظَرَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبِرُّ مَا سَكَنَتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ ، وَالإِثْمُ مَا لَمْ تَسْكُنْ إِلَيْهِ النَّفْسُ ، وَلَمْ يَطْمَئِنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ ، وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ)) .

(مسند الإمام أحمد)

    أحياناً الإنسان يستفتي إنسان يتلقى الفتوى لصالحه ، وتجده يبحث عن إنسان آخر يسأله ، وتأتي الفتوى الثانية لصالحه ، يبحث عن إنسان صالح ، هذا البحث والتجول بين المفتين دليل قلق .

    عن وائل ابن الأتقع رضي الله عنه قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : ((أفتني عن أمر لا أسأل عنه أحداً بعدك ، فقال عليه الصلاة والسلام : استفتِ نفسك ، قلت : كيف لي بذلك ؟ قال : تدع ما يريبك إلى مالا يريبك ، وإن أفتاك المفتون ، قلت : كيف بذلك ؟ قال : تضع يدك على قلبك فإن الفؤاد ليسكن للحلال ، ولا يسكن للحرام)) .

    الفؤاد يسكن ويرتاح للحلال ، ولا يسكن ولا يرتاح للحرام .

     ورواية سابعة :  عن عبد الله بن معاوية بن حديج أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ((يا رسول الله ، ما يحل لي مما يحرم علي ؛ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فردد عليه ثلاثا، كل ذلك يسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال أين السائل ؟ ثم قال: أنا ذا يا رسول الله ، قال ونقر بأصبعه : ما أنكر قلبك فدعه )).

(كنز العمال ، للمتقي الهندي )

     وفي حديث مختصر مفيد صحّ عن ابن مسعود ، ولعله رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((الإثم حزاز القلوب)) .

     إذا أحضر الإنسان شفرة ، وشد عضلاته ، وحركها على جلده يشهر بوخز الجرح ، حز ألم شطب ألم الجرح ، فقال : الإثم حزاز القلوب ، تشعر بأن قلبك جرح ، تشعر بحجاب نشأ بينك وبين الله ، تشعر أن القضية غير صحيحة غير مقبولة غير مريحة .

      الهدف من هذا الدرس : أن ينمو أيها الإخوة عندكم حس فطري ، يدلكم على الحلال وعلى الحرام .

     وفي رواية أخرى لهذا الحديث المقطوع أو المرفوع : قال عبد الله : ((إياكم وحزاز القلوب)) .

    الإثم حزاز القلوب ، بالمناسبة أحياناً يكون ميزان الإنسان دقيقًا جداً ، أحياناً يكون في الميزان خطأ ، مثل القبّان ، ضع عليه ورقة هل تتحرك ؟ مجموعة لا تتحرك ، كتاب لا يتحرك ابدأ بالكيلو ، هناك ميزان يتحرك بكتاب ، وميزان يتحرك بورقة ، تضع الورقة ، وتزنها تكتب كلمة : محمد ترجح كفة ! فكلما كان إيمان المؤمن عاليًا يكون ميزانه حساسًا ، يحاسب نفسه على النظرة ، على الكلمة ، على الالتفاتة ، على الابتسامة ، على حركة رأس ، إذا قال أحدهم له : أفعلها ، فيها ظلم ؟ إذا هزّ برأسه بالموافقة فأصبح شريكه بالإثم ! من أعان ظالماً ولو بشطر كلمة ، شطر كلمة وليس كلمة بكاملها ، جاء يوم القيامة مكتوب على جبينه : آيس من رحمة الله ! وفي قول : من أعان ظالماً سلّطه الله عليه .

     قال عبد الله : (إياكم وحزاز القلوب ، وما حزّ في قلبك فدعه) .

    وقال أبو الدرداء : (الخير في طمأنينة ، والشر في ريبة) .

   وروى بن مسعود من وجه منقطع أنه قيل له : (أرأيت شيئاً يحيك في صدورنا لا ندري حلال هو أم حرام ؟ فقال : إياكم والحكاكات فإنها الإثم) .

    الحكاكات التي تحيك في الصدور ، لست مرتاح ، يقول لك : لم أرتح لهذه القسمة ، كتبت وصية ولم أرتاح ، باع البيت ولم يرتاح ، في البيت عيب ، في ضعف في الأساسات ، فلما اشتراه مشترٍ لم يقل له شيئًا ، قال له : حاضر حلال ، تفضل انظر ، البيت واضح ، لكن هذه علّة خفية .

    أنا أعرف رجلا لديه مركبة فيها عطل كبير في المحرك ، فقال لي : في مساء اليوم الذي باعها : الحمد لله بعتها ، وألبستها لرجل آخر ، وقال هذا مفتخراً ، وكأنه عدّ نفسه ذكياً ، واشترى سيارة من طرطوس جاهزة ، وأخذها أفخر نوع ، وبلونٍ كحلي العروس ، أحضرها في اليوم الخامس أصيبت بحادث جعلتها مسطحة ! فجاءني وقد علاه الضجر ، فقلت له : ألم تقل لي قبل خمسة أيام : ألبستها لرجل ؟ الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس ، إخفاء العيب غش حرام ، سواء في بيع بيت أو سجادة ، يسترخصها المشتري فيها علة إذاً ، أما إذا ذكرت العلة وخفضت الثمن فلا شيء عليك .

     النبي عليه الصلاة والسلام فسّر البر بحسن الخلق ، وفسره بما اطمأنت إليه النفس ، فمرة ثانية تعقيباً على الدرس السابق الإنسان الذكي العاقل يعرف نمط جسمه مبدئياً ، هذه الأكلة لا تناسبني ، هذه الأكلة تسبب لي إعياءً ، هذه الأكلة هضمها صعب ، أحياناً يتحسس حساسية دقيقة جداً ، ليت هذا الإنسان الحريص على جسمه وعلى أجهزته وأعضائه يتحسس الحساسية نفسها بقلبه ، هذا العمل أظلم له قلبه ، هذا العمل حجبه عن الله ، هذا العمل أساء له ، هذا العمل أربكه ، هذا العمل أشعره بالقلق ، فكلما أصبح لدى الإنسان القدرة على الاستبطان الداخلي كما يسمى أو تأمل الذات ، أو التضفر بالذات ، ويتابع أحوال