English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

شرح الحديث الشريف : رياض الصالحين : باب أمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم ....كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بمـا علمتنا ، و زدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

أيها الإخوة الكرام : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، الإِمَامُ رَاعٍ وَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ و مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، قَالَ : وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) .

  (صحيح البخاري)

وأصح الأحاديث ما رواه الشيخان البخاري ومسلم .

  أيها الإخوة : الله سبحانه وتعالى في سورة العصر حينما قال :

(سورة العصر)

 كلمة وتواصوا بالحق أن تؤمن بالله ، وأن تعمل صالحاً لا يكفي ، لأنك إن آمنت بالله وعملت صالحاً فالباطل ينمو ، فإذا نما الباطل حاصر الإيمان ، فلا بد أن ينمو الإيمان نمواً يكون معه قوياً ، إذاً التواصي بالحق ركن أساسي من أركان الدين : 

لكن التواصي بالحق يحتاج إلى مؤهلات ، من أبسط هذه المؤهلات أن تكون أنت مثلاً أعلى ، بمكانك أن تتحرك وأنت ثابت ، إذا كنت مثلاً أعلى الناس ينظرون يراقبون يلاحظون يتأملون ، فمن أوسع أنواع التواصي بالحق أن تطبق الإسلام ، أن تقيمه في بيتك ، وأن تقيمه في عملك ، أما علاقة هذا الحديث بالآية الكريمة فهو أن الإنسان يُسأل عما استرعاه الله ، بالدرجة الأولى ، أنت مسؤول عن هؤلاء الذين استرعاك الله عليهم ، أنت مسؤول عن هؤلاء الذين ولاك الله عليهم ، أنت مسؤول عن زوجتك وعن بناتك وعن أولادك الذين جعلهم الله تحت إمرتك ، وجعلك قيماً عليهم ، فحتى يتحرك الإنسان حركة صحيحة ضمن الأصول عليه أن يعتني بمن أوكلهم الله إليه ، فالحديث يقول : ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)).

 يمكن أن نستخدم مثلا لتوضيح الفكرة ، الإنسان كلما ارتفع في الجو اتسعت دائرة رؤيته، بل إن رواد الفضاء الذين تخطوا جاذبية الأرض ، وساروا باتجاه القمر رأوا الأرض كلها ، بقاراتها وببحارها .

أنت إذا وقفت في الشارع لا ترى إلا بضع بنايات ، أما إذا صعدت إلى جبل قاسيون ترى دمشق بأكملها ، أما إذا ركبت الطائرة ، وارتفعت أربعين ألف قدم ترى ما مسافته مئتا كيلو متر تقريباً ، فكلما ارتفعت في الجو كلما اتسعت رقعة رؤيتك ، هذا المثل ينطبق تماماً على أن الإنسان كلما أعطي ميزة اتسعت دائرة مسؤوليته .

         معلم في صف محاسب عن طلاب هذا الصف ، ثلاثين طالبًا ، لكن مدير المدرسة محاسب عن سبعمئة طالب ، فكلما كانت ولاية الإنسان أوسع ، وأوكل الله سبحانه وتعالى إليه أناسًا أكثر كانت مسؤوليته أوسع ، فحتى يتحرك الإنسان حركة صحيحة ، وحتى لا يهمل ما أوكله الله بهم ويتحرك حركة غير صحيحة ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، الإِمَامُ رَاعٍ وَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ و مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، قَالَ : وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) .

هذا الحديث أصل في تحمل المسؤولية التي سوف يحاسب عنها الإنسان يوم القيامة ، كنت أقول هذه الكلمة : زيد من الناس أنت له وغيرك له ، لكن ابنك الذي هو في بيتك من له غيرك ؟ من غيرك يربيه ؟ من غيرك يدله على الله ؟ من غيرك يعنى بصحته ؟ من غيرك يعنى بدراسته ؟ من غيرك يعنى بأخلاقه ؟ من غيرك يعنى بمستقبله ؟ من غيرك يعنى بتزويجه ؟ فأنت مسؤول عن هذا الذي أوكله الله إليك ، وجعلك قيماً عليه ، جعلك أباً له ، أو زوجاً لهذه المرأة ، أو أخاً كبيراً لهؤلاء الإخوة وهكذا .

بالمناسبة لكن هذه المسؤولية يفهمها بعض الناس على أنها مسؤولية مادية ، فالأب يتوهم أنه بمجرد أن يجلب لأولاده طعاماً وشراباً ، وأن يؤمن لهم كسائاً في الشتاء ، ووقوداً وما يحتاجون من حاجات مادية ، فقد أدى الذي عليه ، والحقيقة أن المهمة الأكبر والأخطر ، والتي سوف يكون السؤال عنها أشد هي مسؤولية الأب عن دين أولاده وعن أخلاقهم وعن مستقبلهم الأخروي ، لأنه ورد في الأثر أن الابن إذا لم يعتن أبوه بدينه واستوجب النار ، يقول : يا رب لا أدخل النار حتى أُدخِل أبي قبلي !

فالأباء الذين يعتنون بأبنائهم من حيث طعامهم وشرابهم وكسائهم وحاجاتهم المادية ، ولا يلقون بالاً لدينهم وأخلاقهم وصلاتهم ومستقبلهم الأخروي ومصيرهم إلى الجنة أو إلى النار ، هؤلاء الآباء قدموا شيئاً زائلاً ينتهي بانتهاء الحياة .

فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما يقول : ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ )) .

            الرعاية لا تتجزأ ، الرعاية وحدة متكاملة ، كما أنك ترعى صحته عليك أن ترعى دينه ، كما أنك ترعى حاجاته المادية عليك أن ترعى حاجاته الروحية ، كما أنك ترعى في ابنك ارتباطه في البيت يجب أن ترعى ارتباطه بالله عز وجل ، حقيقة أذكرها لكم مستنبطة من آية كريمة ، ولها علاقة وطيدة بهذا الموضوع ، لا تقتضي الرعاية العنف ولا القسوة ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول : (( علموا ، ولا تعنفوا ، فإن المعلم خير من المعنف)) .

(تصحيح السيوطي: ضعيف )

 لأن المعلم خير من المعنّف ، وأحاديث كثيرة تتحدث عن الرفق .

    عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ)) .

(صحيح مسلم)

والله عز وجل رفيق يحب الرفق في الأمر كله ، فكلما نما الإيمان في قلب الإنسان ازداد رفقاً بمن حوله ، ازداد لطفاً بمن حوله ، أحياناً يقرأ الإنسان الآية ولا ينتبه إلى خطورة معانيها ، حينما قال الله عز وجل : 

(سورة آل عمران)

يخاطب الله من ؟ يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام ، من النبي عليه الصلاة والسلام ؟ نبي هذه الأمة ، رسول هذه الأمة ، سيد الأنبياء ، سيد المرسلين ، المعصوم الموحى إليه هو الذي يقع في قمة البشر ، إذا كان البشر هرماً فهو في القمة ، ومع كل هذه الميزات والخصائص ، ومع كل هذا النبي نفسه سيد الأنبياء سيد المرسلين الموحى إليه صانع المعجزات المعصوم سيد ولد آدم ، الذي أسري به وعرج به إلى السماء ، هو نفسه لو كان فظاً غليظ القلب لانفض الناس من حوله ! فإذا كنت مؤمناً ليست لك هذه الميزات ، ولا تلك الخصائص ، ولا هذا التفوق ، مؤمن عادي ، فإذا كنت فظاً غليظ القلب فأن ينفض الناس من حولك من باب أولى ، إذاً أنت لا تستطيع أن تصل إلى قلوب الناس إلا بالكمال .

 وكنت أقول لكم سابقاً : الأقوياء يملكون القوالب ، لكن الأنبياء ملكوا القلوب ، وشتان بين أن تملك قالباً وبين أن تملك قلباً ، الأنبياء ملكوا القلوب ، لكن الأقوياء ملكوا القوالب ، فمن أجل أن تكون مسؤولاً عن رعيتك التي هي أسرتك ينبغي أن تكون محسناً ، ينبغي أن تكون كاملاً ، ينبغي أن تكون رحيماً ، ينبغي أن تكون منصفاً ، أن تكون مضحياً ، أن تؤثر مصالح من حولك على مصلحتك .

أيها الإخوة : أجد نفسي مدفوعاً إلى توضيح حقائق نحن في أمس الحاجة إليها ، الإنسان ينبغي أن يعرف حده ، وينبغي أن يقف عنده ، فهذه الأسرة التي جعلني الله سيدها أو رأسها أو قيمها أو رجلها ، هي الأسرة التي أوكلني الله إياها ، وسوف يسألني عنها ، فإذا اعتنى الرجل بأسرته ، والمجتمع مجموعة أسر ، إذا اعتنى كل إنسان بأولاده ، بأخلاقهم ، ودينهم ، وصلواتهم ، ومستقبلهم ، وعلمهم ، وصحتهم ، وحركاتهم ، وسكناتهم ، وإذا اعتنى كل أب ببناته ، بصلاتهن ، واستقامتهن ، وبحشمتهن ، بتربيتهن ، فإذا اعتنى الأب ببناته وأولاده وساعدته الأم على ذلك صلحت هذه الأسرة ، فإذا صلحت كل الأسر جنباً إلى جنب ، صلح المجتمع ، فهذا الذي يدعو إليه النبي عليه الصلاة والسلام ، لا حاجة لأن يكون للإنسان طموحات عريضة جداً واسعة جداً ، تكفيه أسرته إذا اعتنى بها .

            وكنت أقول لكم دائماً أيها الإخوة : إن الأبوّة الكاملة يمكن أن تكون سبباً كافياً لدخول الجنة ، إن الأمومة الكاملة يكفي أن تكون سبباً كافياً لدخول الجنة ، وإن البنوّة الكاملة يكفي أن تكون سبباً كافياً لدخول الجنة ، والأحاديث على هذا كثيرة جداً .

    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ : أَلَكَ وَالِدَانِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)) .

(سنن الترمذي)

   وفي حديث آخر عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ((أَنَّ رَجُلا هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ : هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ ؟ قَالَ : أَبَوَايَ ، قَالَ : أَذِنَا لَكَ قَالَ : لا ، قَالَ : ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَاسْتَأْذِنْهُمَا ، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ ، وَإِلا فَبِرَّهُمَ)) .

(سنن أبي داود)

         والإنسان أيها الإخوة : إن لم يكن ذا خير عميم لأقرب الناس إليه فلن يكون خيره لأبعد الناس ، لأن في الحديث عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي ، وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ)) .

(سنن الترمذي)

وهناك مثل كنت أستخدمه كثيراً : إن فحص قيادة السيارة يفحص الطالب في أصعب أعمال في القيادة ، يفحص بأن يعود بالمركبة القهقرى ، في طريق ملتو ، وإشارات خفيفة ، حيث لو تجاوز واحدة وقعت فكشف أمره ، لماذا إذا أتقن العودة بالمركبة القهقرى بطريق ملتو ضيق محصور بعلامات خفيفة ، ونجح في هذا ، هنا فقط أصبح كل شيء سهلا عليه ، والنبي عليه الصلاة والسلام جعل مقياس فضل الإنسان لا انضباطه الخارجي ، ولكن انضباطه في بيته ، جعل المقياس للانضباط الداخلي ، لأن داخل البيت لا يوجد رقابة ، ولا يخشى الإنسان على سمعته وهو في بيته ، ولا يخشى وهو في بيته أن يتحدث الناس عنه بما لا يرضى ، وهو في البيت عليه أن يكون كاملاً حتى يتحقق هذا الحديث الشريف : ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) .

  بالمناسبة أيها الإخوة : لا تعتقد أبداً أنه يمكن أن تعفى من مسئوليتك تجاه أولادك وزوجتك أمام الله عز وجل ! لو قلت : إن المجتمع فاسد ، لو قلت : هناك بلوى عامة ، لو قلت : المجتمع أصبح في فساد عريض ، هذا الكلام لا يعفيك من المسؤولية ، لو قلت : المدارس لا يوجد فيها توجيه صحيح مثلاً ، يوجد فساد عام ، هذه الكلمات كلها لا تعفيك من أن الله سبحانه وتعالى سيسألك عن أولادك يوم القيامة ، وإن كان تربية الأولاد في زمن الفساد أصعب منه في زمن الصلاح ، هذا شيء ثابت ، لكن الأجر على قدر المشقة .

أردت من هذا الحديث أننا عندما نقيم الإسلام في بيوتنا ، ولدينا دائرة أخرى أذكرها لكم دائماً : أعمالنا إذا أقمنا أمر الله عز وجل في بيوتنا وفي أعمالنا ، هنا تنتهي مسؤوليتنا ، هذا الذي في قدرتنا هذا الذي أوكله الله إلينا ، هذا الذي سيحاسبنا الله عنه ، هذا الذي نحن قادرون على أن نصلحه ، عندئذٍ ننتظر من الله عز وجل العلي القدير أن يغير هو الشيء الذي لا نستطيعه ، لو أن السماء شحت في الأمطار ، هل نستطيع إنزال الأمطار ؟ لا هذه فوق طاقتنا ، فالحركة منطقية جداً .

(سورة الرعد)

إذاً : ((كُلُّكُمْ رَاعٍ)) ، هل يوجد إنسان ممكن ألاّ يكون مسؤولا ؟ إلا بحالات نادرة إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب ، إذا سلب من إنسان عقله سقطت عنه المسؤولية ، أما إذا أُودِع في الإنسان عقلٌ ، لو كان الابن أمينًا على مال أبيه ، هناك أولاد يتلفون أموال آبائهم ، أبسط مثل : حينما تستهلك الكهرباء استهلاكا غير منطقي فالابن لا يشعر بالمسؤولية ، لا يشعر أن هذه طاقة يجب أن يستهلكها استهلاكاً مع حكمة ، فإذا أسرف في استهلاك هذه الطاقة ، وجعل أباه يدفع مبلغًا فوق طاقته فقد خان الأمانة ، هذا الطفل الذي في البيت ، فالابن مسؤول والزوجة مسؤولة ، ((أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة)) .

لا يجب على الإنسان أن يهمل ما أوكله الله به ، ويتطلع إلى آفاق هو معفى منها ، المرأة أوكلها الله ببيت زوجها وبأولادها ، وبتأمين حاجاتهم وطعامهم وشرابهم ، وتهيئة البيت المريح لهم ، وتهيئة الحاجات النظيفة لهم ، الله سبحانه وتعالى أوكل هذا إلى المرأة ، فإذا قصّرت في واجبها وتطلعت إلى عمل آخر ، هذا يوقعها في التناقض ، لأن درءَ المفاسد مقدم على جلب المنافع .

  هذه الأفكار وإن بدت بسيطة هي خطيرة جداً ، لأن الإنسان إذا سعد في بيته أنتج في عمله ، حينما تهيئ الزوجة لزوجها جواً مريحاً ، وعلاقات طيبة ، وحاجات موفورة وبيتاً منظماً هذا يدعو الزوج إلى أن يضاعف إنتاجه خارج البيت ، وهذا الذي يقولونه دائماً : إن كل إنسان ناجح وراءه زوجة مخلصة ، هذا كلام جزء منه صحيح ، إلى حد ما مقبول .

    ((وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) .

طبعاً كلمة الأهل هنا لا تعني الزوجة فقط ، تعني الوالدين إذا كانا عند الابن ، وربنا عز وجل قال :

(سورة الإسراء)

يكون الابن في أحد أطوار حياته عند أبيه مكاناً وإشرافاً وإنفاقاً ، لكن في طور آخر يكون الأب عند ابنه مكاناً وإشرافاً وإنفاقاً ، فإذا أصبح الأب عندك ، وأنت عنه مسؤول ، فهذا من أهلك وحاسب عنه .

فالوالدان والأولاد والزوجة ، أولاً ينبغي أن ينفق عليهم ، وما من مرض أشد في إفساد ذات البين من الشح ! وربنا عز وجل قال :

(سورة الحشر)

فأولاً ينبغي أن تنفق عليهم ، وثانياً ينبغي أن تعلمهم أمر الدين ، أن تنفق عليهم حتى يشعروا بالامتنان لأن الله سبحانه وتعالى في بعض الأحاديث القدسية يقول :  ((يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جُبِلت على حب من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها)) ، فالابن إذا رأى أن أباه يغدق عليه من الحاجات التي هي في أمس الحاجة إليها يميل قلبه ، عندئذٍ يأتي تعليم الدين ، إذاً الإنفاق عليهم وتعليمهم أمر دينهم وترغيبهم في الخير .

هناك آباء يدرب أولاده في سن مبكر على الإنفاق على معاونة الضعيف على إكرام اليتيم على الإحسان على التصدق على بر الوالدين على صلة الأرحام ، فكلما كان الأب أكثر قرباً من الله عز وجل ، هناك آباء تجار يصطحبون معهم أولادهم في سفر التجارة ، يقول لك : حتى أعلمه السفر ، ونزول الفنادق ، واللقاء مع مدير شركات ، فإذا كان طموح الأب أن يكون ابنه تاجراً كبيراً منذ نعومة أظفاره يعلمه على بعض أساليب التجارة وبعض خبراتها ، أما الأب المؤمن فعليه أن يعلم ابنه منذ نعومة أظفاره على حفظ كتاب الله ، وعلى التأدب بآداب الإسلام ، وعلى حب النبي عليه الصلاة والسلام ، وعلى طلب العل