English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

شرح الحديث الشريف : رياض الصالحين :  : باب التوبة- فضل العلم - سيرة التابعين : سلمة بن دينار  ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الخامس من دروس الحديث الشريف ، ومن كتاب رياض الصالحين ، ومن باب التوبة .

عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ : أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ ـ رضي الله عنه ـ أَسْأَلُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا زِرُّ ؟ فَقُلْتُ : ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ . فَقَالَ : إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ . فَقُلْتُ : إِنَّهُ حَكَّ فِي صَدْرِي الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَكُنْتَ ـ أي يا صفوان ـ امْرَأً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجِئْتُ أَسْأَلُكَ : هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ كَانَ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَوْ مُسَافِرِينَ أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلا مِنْ جَنَابَةٍ لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ . فَقُلْتُ : هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ فِي الْهَوَى شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ نَادَاهُ أَعْرَابِيٌّ بِصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٍّ : يَا مُحَمَّدُ ، فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوًا مِنْ صَوْتِه.. أي قريباً من صوته .. هَاؤُمُ . فَقُلْنَا لَهُ : وَيْحَكَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ فَإِنَّكَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ هَذَا ، فَقَالَ ـ الأعرابي ـ : وَاللَّهِ لا أَغْضُضُ قَالَ الأَعْرَابِيُّ : الْمَرْءُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَمَا زَالَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى ذَكَرَ بَابًا مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا عَرْضُهُ أَوْ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي عَرْضِهِ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ عَامًا قَالَ سُفْيَانُ ـ أحد الرواة ـ : قِبَلَ الشَّامِ خَلَقَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مَفْتُوحًا يَعْنِي لِلتَّوْبَةِ لا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ)) .

( من سنن الترمذي ، وغيره وقال : حديثٌ حسن صحيح )

         يا أيها الإخوة المؤمنون ... في هذا الحديث الشريف الذي رواه التِرمذي في باب الدعوات ، ورواه النَسائي في كتاب الطهارة ، في هذا الحديث الشريف موضوعاتٌ ثلاثة :

           فضيلة طلب العلم ، وحُكْمُ المسح على الخفين ، والحبُّ في الله ، والبغض في الله ، ولأن هذه الموضوعات الثلاثة موضوعاتٌ أساسيَّةٌ في الدين ، فلذلك سأخصِّص بعض هذا الدرس للموضوع الأول وهو طلب العلم ، وفي الدرس الآخر إن شاء الله أتحدَّث بالتفصيل عن المسح عن الخفين ، وفي درسٍ ثالث نتحدَّث عن الحبِّ في الله ، والبغض في الله ، لأن هذه الموضوعات تتعلَّق بالدين أشدَّ التعلُّق ، ولاسيما الحبُّ في الله ، والبغض في الله ، ولاسيما طلب العلم ..

فعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ .

       زر بن حبيش تابعيٌّ جليل ، ومعنى التابعي الذي رأى من رأى رسول الله ، الصحابي هو الذي صاحب رسول الله ، والتابعيِّ هو الذي رأى وصاحب أصحاب رسول الله ، يُروى أن هذا التابعي عاش مئةً وعشرين عاماً ، فعن زِرِّ ، وقد قال عليه الصلاة والسلام عندما سأله أَعْرَابِيّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ ؟ قَالَ : ((مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ)) .

 ( من سنن الترمذي : عن " عبد الله بن بُسر " )

       وبالمناسبة : في بعض الأحاديث التي تتحدَّث عن طول العُمر ، طول العمر له تفسيران ، إما أن يدعو لك أحدٌ بطول العمر فيستجيب الله له ، بمعنى أنه يهبك في هذا العمر المحدود من الأعمال الصالحة كأنَّك عشت مئتين من السنين ، فالإنسان عمره لا يُقاس بشهادة ميلاده ؛ بل يقاس بحجم أعماله ، هذه نقطة مهمَّة جداً ، النبي عليه الصلاة والسلام عاش ثلاثاً وستين عاماً وكان يقول دائماً : ((معترك المنايا بين الستين والسبعين )) ، عاش عمراً متوسِّطاً ومعتدلاً ، ومع ذلك ترك آثاراً على وجه الأرض لا يستطيع إنسانٌ حتَّى الآن أن يُدْرِكَ أبعادها .

        لذلك هذا ـ مايكل الذي ألَّف كتاباً سمَّاه المئة الأوائل ـ هو كاثوليكي ، وقرأ عن عظماء العالَم الشيء الكثير ، واختار من عظماء العالَم في الشرق والغرب ، قديماً وحديثاً ألوف الشخصيات ، واختار منها مئةً عَدَّها من الأوائل ، وجعل النبي عليه الصلاة والسلام على رأس هذه المئة ، لا من باب الحُب ، ولكن من باب التقدير ، لأن وضع مقياساً دقيقاً هو : عمق التأثير ، واتساع رقعة التأثير ، وامتداد أمد التأثير ، هذه المقاييس الثلاثة طبَّقها على هؤلاء المئة ، فكان النبي عليه الصلاة والسلام في طليعتها .

       إذاً البطولة أن تعيش العُمُرَ الذي قدَّره الله لك ، ولكن بين أن يكون هذا العمر تافهاً ، لا معنى له ، مليئاً بالقيل والقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال ، فبين أن يكون هذا العمر مصروفاً في التُرُّهات والأباطيل والشهوات ، والمباهج الدنيويَّة ، والمسرَّات ؛ وبين أن يكون هذا العمر مصروفاً في معرفة الله ، وفي التقرُّب إليه ، وفي طاعته ، وفي الدعوة إليه، لذلك قال بعض العلماء : " ذرَّةٌ من أعمال أهل القلوب توازي عمل الثقلين". من الناس واحدٌ كألف ؛ ومن الناس من ألفٌ مثله كَأُف ، واحدٌ كألف وألفٌ كأُف .

        فطول العمر لا يتعلَّق بالمدَّة ؛ ولكن يتعلَّق بحجم العمل الذي تركته في هذه الحياة الدنيا .

        أعطيكم أيها الإخوة مقياساً دقيقاً : أي عمل يمتدُّ أثره إلى الآخرة فهو من الأعمال العَظيمة؛ من ترك صدقَّةً جاريةً ، ساهم في بناء مسجد ، من ترك علماً يُنْتَفَعُ به ، من ترك ولداً صالحاً يدعو إلى الله عزَّ وجل ، هذه الأعمال أجرها مستمرٌّ إلى يوم القيامة ، لذلك : ((إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)) .

 ( من صحيح مسلم : عن " أبي هريرة "  )

       والله سبحانه وتعالى حينما قال متحدِّثاً عن عمر الإنسان :

( سورة فاطر : من آية " 37 " )

       قال العلماء : النذير هو النبي عليه الصلاة والسلام ، وقال بعضهم : النذير هو القرآن الكريم ، وقال بعضهم : النذير همُ الدعاة إلى الله ، وقال بعضهم : النذير هو الموت ، وقال بعضهم: النذير هو الشيب ، وقال بعضهم : النذير هو سِنُّ الأربعين ، وقال بعضهم : النذير هو سِنُّ الستين ، وقال بعضهم : النذير هو المصائب ، وقال بعضهم : النذير هو موت الأقارب ، إذاً : ((خيركم مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ)) .

       اهتم بحجم العمل الذي فعلته لتلقى الله به ، سُمِّيَ العمل صالحاً ، أي أنه صالحٌ للعرض على الله عزَّ وجل ، فهذا الذي يعمل طوال حياته لو سأل نفسه هذا السؤال الحَرِج : إذا جاءت منيَّتي ، أو جاء مَلَك الموت ، ماذا قدَّمت لهذه الدار الآخرة الأبديَة السرمديَّة ؟ سؤالٌ خطير ، إذا قِسْتَ الأعمال التي يمتدُّ تأثيرها إلى ما بعد الموت ، ربَّما كان تسعة أعشار الأعمال التي نعملها تنتهي عند الموت ، ولا شأن لها بعد الموت ، وربما كانت الحسرة عليها بالغةً بلوغاً شديداً .

       فهذا التابعيّ زِرُّ بن حبيش قال : أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ ـ رضي الله تعالى عنه ـ أَسْأَلُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا زِرُّ .. أي لماذا جئتنا ، ما الذي جعلك تحضرنا ؟ فَقُلْتُ : ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ .. هنا .. فَقَالَ صفوان بن عسَّالٍ رضي الله عنه ، هذا الصحابيُّ الجليل الذي غزا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم غزواتٍ كثيرة تزيد عن اثنتي عشرةَ غزوة .. قَالَ : إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْم .. انتبهوا لعلَّ الله سبحانه وتعالى يرحمنا جميعاً ..

       إِنَّ الْمَلائِكَة كلام الصحابي الجليل ، ولابدَّ من أنه سمع هذا الكلام من النبي عليه الصلاة والسلام .. إِنَّ الْمَلائِكَة .. هذه المخلوقات الطاهرة.. إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُب .. هذا القول للصحابي الجليل أصله حديثٌ شريف ، وقد يرد كثيراً في كتب الأحاديث ، والإنسان أحياناً قد يفهم هذا الحديث فهماً كلياً لا فهماً جُزئياً ، هناك من يقول مثلاً : إنَّ هذا الحديث يشجِّع طلبة العلم على طلب العلم ، هذا معنى عام ، معنى كلي ، ولكن لو أردنا أن ندخل في تفاصيل هذا المعنى ، الحقيقة أن هناك قاعدةٌ أصوليَّةٌ في تفسير النصوص ، تقول هذه القاعدة : " كل ما ورد من النصوص ، وأمكن حمله على ظاهره حُمِلَ على ظاهره ، ما لم يرد ما يصرفه عن ظاهره " .

       هذه قاعدة ، فالإنسان ليس له الحق أن يفسِّر كما يشتهي ، أو أن يفسِّر كما يحلو له ، للتفسير قواعد قَعَّدها عُلماء التفسير ، فليس لك الحق أن تؤول هذه الآية وفق مزاجك ، أو وفق رأيك ، إنَّ هناك قواعد دقيقة لتفسير هذه الآية ، فكل ما ورد وأمكن حمله على ظاهره حُمِلَ على ظاهره ما لم يرد ما يصرفُه عنه ، لأن الكلام ينقسم إلى حقيقةٍ وإلى مجاز ، فإذا قلت :        في بيتنا زهرةٌ ، ماذا تعني هذه الكلمة ؟ تعني هذه الكلمة أن في بيتك زهرةً ، ماذا تعني كلمة زهرة ؟ أي نبات ، لأن الأصل أن يُحْمَلَ هذا الكلام على ظاهره ، أخي أنا أقصد بالزهرة الطفل جميل ، إّذا قلت : إنَّ في بيتك زهرةً أي في بيتك زهرةٌ ، وهي نبات ، لأن هذا الكلام له ظاهر ، وفي أصول تفسير النصوص يجب أن يُحْمَلَ هذا الكلام الظاهر على معناه الظاهر .

       أما إذا قلت : في بيتنا زهرةٌ تلعب ، صار في النص قرينةٌ تمنع إيراد المعنى الأصلي ، ننتقل إذاً إلى المجاز ، إذا شَبَّه القائل الطفل بزهرةٍ وحذف الطفل ، وأبقى شيئاً من لوازمه ، ألا وهو اللعب ، واللعب قرينةٌ مانعةٌ من تصوِّر المعنى الأصلي .

        فالكلام ينقسم إلى حقيقةٍ وإلى مجاز ، إذا قلت : رأيت البحر ، أي رأيت البحرَ ، أما إذا قلت : يا أخي أنا رأيت عالم علمه كالبحر ، قلت : رأيتَ البحرَ ، أي رأيت البحرَ ، أما إذا قلت : زارني بحرٌ ، البحر لا يزورك ، فهذه قرينةٌ تمنع تصوُّرَ المعنى الحقيقي .

        فيا ترى .. إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْم .. الأولى أن يفسَّر هذا الحديث الذي ورد عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ الملائكة ، وهي التي تطير في السماء ، وتحلِّق في الأجواء ، أو تملأ الفضاء ، حينما يبلغها أن هناك مجلس علم تهبط إلى الأرض ، وتكفُّ عن الطيران ، وقد كَنَّى النبي عليه الصلاة والسلام عن وضع أجنحتها كنايةً عن الكفِّ عن الطيران ، وتستمع إلى ما يُقال في هذا المجلس ، كأن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يُبَيِّنَ لنا عِظَمَ وشأن طالب العلم في السماء .

      تركت المنزل قبل ساعتين ، وارتديت الثياب ، وتوجَّهت إلى السيارة العامَّة ، واستغرق الوصول إلى المسجد ساعةً ونصف ، وأمضيت في المسجد ساعةً ونصف ، ثمَّ عُدتَ في ساعةٍ ونصف ، هذه الساعات الأربع اقتُطِعَت من وقتك الثمين ، كان يمكن أن تستلقي في البيت ، أن تجلس مع أهلك ، مع أولادك ، كان من الممكن أن تعمل عملاً يُدِرُّ عليك ربحاً ؛ ولكنَّك اقتطعت من هذا الوقت وقتاً وصرفته في طلب العلم ، لذلك الملائكة تضع أجنحتها تعظيماً لمجالس العلم ، وتعظيماً لطالب العلم .

       ما بعدَ هذه البلاغة من بلاغة ، وقد ورد معنا في الحديث القدسي : ((يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ)) .

( من سنن ابن ماجة : عن " أبي هريرة " )

       تفرَّغ ، وكأن معنى تفرَّغ تشير إلى أن هناك ازدحاماً في الوقت ، إلى أن الوقت ممتلئ ، إلى أن المشاغل كثيرة ، إلى أن هموم المعاش كبيرة، إلى أن طبيعة الحياة مُعَقَّدة ، ولكن .. " يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي".. أغلق محلَّك التجاري والناس مقبلون عليه ابتغاء طلب العلم ، لا تلتفت لكلام الزوجة ، تَوَجَّه لمجلس العلم ابتغاء رضوان الله ، لا تعبأ بالربح الجزيل ، فالسوق مُفْعَمٌ بالزبائن ، توجَّه إلى مجلس العلم .. إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْم ..

       فالملائكة في السماء ، والطيور في الهواء ، الحيتان في الماء تصلي على معلِّم الناس الخير، وهذا الذي يعلِّم الناس الخير لولا هؤلاء المستمعون الأفاضل الذين جاؤوا ما كان بإمكانه أن يقول كلمة ، فالفضل للمستمعين ، إذاً : إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْم ، هذا هو المعنى الحقيقي ، هناك معناً مجازي كما قلت قبل قليل ، إذا قلت : في بيتنا زهرةً تلعب ، فالمعنى مجازي، الزهرة تعني بها الطفل ، وإذا قلت : زارني بحرٌ ، فالمعنى مجازي .

       هناك معنى آخر مجازي ، هو أن الملائكة على عِظَم شأنها ، وعلى قربها من الله عزَّ وجل هي تتواضع لطالب العلم ، وحُمِلَ هذا المعنى على قوله تعالى :

( سورة الشعراء )

        لذلك المُعَلِّم مأمورٌ من قِبَلِ المولى جلَّ وعلا أن يتواضع لمن يُعَلِّمه..

( سورة آل عمران : من آية " 159 " )

       إذاً المعنى الثاني : تواضع الملائكة ، حينما تأتي الملائكة ، وتسكن أمام طالب العلم ، تضع له أجنحتها ، فإذا مرَّ إنسان عظيم ، وإنسان آخر انحنى له ، خفض له رأسه ، هذا تعبير عن تعظيمه ، توضعٌ من الثاني ، وتعظيمٌ للأول ، فالملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم .

       قال لي أحدهم اليوم : ليس في الدنيا ساعةٌ أمتع ولا أقرب إلى النفس من ساعةٍ أحضر فيها مجلس علم ، وكأن هذه الساعة ينقطع فيها الإنسان عن هموم الحياة وما أكثرها ، هموم المعاش ، هموم كسب الرزق، المُشكلات الاجتماعيَّة ، هذه كلُّها إذا دخل المسجد جعلها وراء ظهره ، وأقبل الله عليه لأنه يطلب العلم .

       فالمعنى الثاني : كنايةٌ عن تواضع الملائكة ، وتعظيمها لطالب العلم ..

       أما المعنى الثالث : كنايةٌ عن أن الملائكة تقدِّم المعونة ، وتيسِّر السعي لطالب العلم ، أي أن طالب العلم أموره ميسَّرة ، والله الذي لا إله إلا هو سمعت أكثر من قصَّة ، بل سمعت عشرات القصص من إخوتي الأكارم ، كيف أن الله سبحانه وتعالى عاملهم أطيب معاملة ، وأكرمهم ، ويسَّر لهم أمورهم ، ووفَّقهم في أعمالهم لأنهم حضروا مجالس العلم .. (( عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد ، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك ، أنت تريد ، وأنا أريد فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلِّم لي فيما أري