English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

شرح الحديث الشريف : رياض الصالحين : باب التوبة -  المسح على الخفين .... سيرة التابعين : سلمة بن دينار ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

 

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

 

           الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون : مع الدرس السادس من دروس الحديث الشريف ، ومن كتاب رياض الصالحين ، ومن باب التوبة ، فالحديث الذي تم شرح بعضه في الدرس الماضي ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ : ((أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ أَسْأَلُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا زِرُّ ؟ فَقُلْتُ : ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ فَقَالَ إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ ...)) .

(سنن الترمذي)

      شرحنا في الدرس الماضي : إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ ، فقلت، فاعل قلت : هو زر بن حبيش ، إنه قد حكّى ، معنى حكّى أثّر ،  فَقُلْتُ : إِنَّهُ حَكَّ فِي صَدْرِي الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، ثار في نفسي هذا الموضوع ، تساءلت عن هذا الموضوع ،  فَقُلْتُ : إِنَّهُ حَكَّ فِي صَدْرِي الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ ، وَكُنْتَ امْرَأً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجِئْتُ أَسْأَلُكَ : هَلْ سَمِعْتَهُ ، هذه التاء على من تعود سمعت ؟ على النبي عليه الصلاة والسلام ، قَالَ : نَعَمْ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، أو مسافرين ، السَفْر هم المسافرون ، وأصبح في شغل عن السَفَر السَفْر ، السفْر هم المسافرون ، يأمرنا إن كنا سفراً أو مسافرين ألا ننزع خفافنا ، الخفاف جمع خف ، وهو الحذاء ، نَعَمْ كَانَ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَوْ مُسَافِرِينَ أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلا مِنْ جَنَابَةٍ ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ ، أما من غائط ونوم وبول فقد أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام ألا ننزع خفافنا .

     العلماء قالوا : المسح على الخفين جائز بالسنة لا بالقرآن ، لأن قوله تعالى :

(سورة المائدة)

    فأرجلكم منصوبة ، والمعطوف على المنصوب منصوب مثله ، هي معطوفة على :

فالمسح على الخفين جائز لا بالقرآن ، ولكن بالسنّة ، فالأخبار فيه مستفيضة ، أي كثيرة ، حتى إنه قد قيل : إنه من أنكره كان مبتدعاً ، من أنكر المسح على الخفين كان مبتدعاً ، ومن رآه ثم لم يمسح آخذاً بالعزيمة كان مأجوراً ، من أنكره كان مبتدعاً ، ومن أيقن به ورآه صواباً ، ولم يمسح ابتغاء الأجر ، واتباعاً للعزيمة كان مأجوراً ، فالمسح على الخفين جائز بالسنّة من كل حدث موجب للوضوء ، لا يجوز المسح على الخفين من الحدث الأكبر ، بل من الحدث الأصغر ، والحدث الأصغر هو الحدث الموجب للوضوء ، والحدث الأكبر هو الحدث الموجب للغسل ، احترازاً عما هو موجب للغسل ، لأن الرخصة للحرج فيما يتكرر .

     فالإنسان يتوضأ كل يوم خمس مرات ، فموجبات الوضوء متتالية متكررة ، فإذا كان هناك سفر أو برد قاس ، هناك صعوبات ، هناك عمل شاق ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يسّر علينا أمر الدين ، فإذا كان مقيماً في بلده في وطنه مسح يوماً وليلة ، مدة المسح على الخفين يومٌ وليلة ، وإن كان مسافراً مسح ثلاثة أيام ولياليها .

     متى تبدأ ؟ قد يظن بعضهم أنها تبدأ إذا توضأ ، وغسل رجليه ، ولبس الخفين ، بدأت مدة المسح ، لا من أول حدث أصغر ، إن الرجلين وهي في الخفين طاهرة ، مادام لم ينقض وضوءه ، تبدأ مدة المسح ليوم وليلة للمقيم ابتداءً من أول حدث أصغر ، والمسح على الخفين محله على ظاهرهما لا على باطن الرجل ، على ظاهرها ، فلا يجوز على باطن الخف وعقبه وساقه ، بل على ظاهر القدم ، هكذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والسنّة أن يكون المسح خطوطاً بالأصابع ، لو مسح براحته جاز ، ويبدأ بالمسح من رؤوس أصابع الرجل إلى مد الساق ، أي من أسفل إلى أعلى ، ولو عكس جاز ، لو فعل من الأعلى إلى الأسفل أيضاً جاز ، ولكنه أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح بأصابعه على ظاهر الخف ابتداءً من أصابع القدمين وحتى أول الساق .

         وقال علماء الحديث : هناك أربعون حديثاً عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها تجيز المسح على الخفين ، بل إن بعض علماء الحديث قال : حدثني سبعون رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مسح على الخفين ، إذاً الأحاديث كثيرة ، والأخبار كثيرة ، وهو جائز بالسنة ، تيسيراً على الأمة ‍‍‍.

       فرض المسح على الخفين مقدار ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد ، فأربعة جاز ، أما أقل شيء ثلاث أصابع ، ولا يجوز المسح على خف فيه خرق كبير ، أن تمسح على خف فيه خرق كبير لا يجوز ، مقدار هذا الخرق ثلاث أصابع من أصغر أصابع الرجل ، أصغر أصبُع من أصابع الرجل ، ثلاث أصابع منها إذا اجتمعت ، هذا هو حجم الخرق الذي يبطل المسح على الخفين ، وإن كان الخرق أقل من ذلك ، أقل من ثلاثة أصابع من أصابع الرجل الصغيرة جاز المسح عليها ، لأن الخفاف لا تخلو عن قليل الخرق عادة ، ولا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل ، هذا كلام قطعي ، وينقض المسح على الخفين ما ينقض الوضوء ، لأنه بعضه ، إذا مسح على خفيه ، ثم انتقض وضوءه فعليه أن يتوضأ ثانية ، وأن يعيد المسح على الخفين ، ينقض المسح على الخفين ما ينقض الوضوء ، لأنه بعضه ، وينقضه أيضاً نزع الخف .

    لو أن إنسانًا نزع خف انتقض مسح الخفين ، لكن إذا نزع الخف يجزئه ، أي يكفيه أن يغسل قدميه فقط ، إذا كان متوضئاً وماسحاً على خفيه ، ونزع الخف يجزئه أن يغسل القدمين فقط .

       وإذا مضت مدة المسح على الخفين انتقض المسح ، إذاً ينتقض المسح بانتقاض الوضوء ، وينتقض المسح بنزع الخفين ، وينتقض المسح بانتهاء مدة المسح ، للمسافر له مدة ، وللمقيم له مدة، وإذا نزع خفاً واحدة انتقض المسح ، لأنه ليس في الفقه جمع بين المسح والغسل ، يغسل واحدة ، ويمسح الثانية هذا غير وارد .

       من ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر ، قبل إتمام يوم وليلة تابع المسح ثلاثة أيام ولياليها ، كنت مقيماً ، وتوضأت ، ومسحت على الخف ، ثم سافرت قبل انقضاء يوم وليلة تستطيع أن تتابع المسح ثلاثة أيام بلياليها ، ومن كان مسافراً ، وعاد إلى بلده قبل انقضاء ثلاثة أيام ولياليها لزمه أن ينزع الخف ، وأن يغسل قدميه ، ومن كان مسافراً فعاد إلى بلده إقامته قبل انقضاء يوم وليلة ، يتابع المسح على الخفين يوم وليلة ، هذه أحكام فرعية .

        ومن لبس الجرموق ، هذا مصّب ، لدينا خفين من جلد يُلبسان بحذاء غليظ اسمه في الفقه الجرموق ، فيجوز المسح على الجرموق ، والجمع جراميق ، كعصفور وعصافير ، فوق الجرموق ، أي إذا لبست الخف في الجرموق على طهارة ، يجوز أن تمسح على الجرموق أيضاً إذا كنت مسافراً ، وأردت أن تصلي فيه ، والجرموق الذي يجوز المسح عليه هو الذي إذا انفردت به جاز المسح عليه ، لو لم تلبسه مع الخفين إذا جاز أن تنفرد به ، جاز المسح عليه  .

        الآن موضوع الجوربين ، هذا موضوع مهم جداً ، قال العلماء : لا يجوز المسح على الجوربين الرقيقين ، رقيقين كانا أو ثخينين عند أبي حنيفة ، عند هذا الإمام الكبير لا يجوز المسح على الجوربين ، إلا أن يكونا مجلدين ، فيهما جلد ، أي جعل الجلد على ما يستر القدم منهما إلى الكعب ، أو منعّلين من أسفل ، مجلدين من أعلى ، أو منعّلين من أسفل ، أما أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة رضي الله عنه ، ومحمد هذان التلميذان الكبيران أجازا المسح على الجوربين سواء أكانا مجلدين أو منعلين أم لا ، إذا كانا ثخينين جوربين ثخينين لا رقيقين حيث يستمسكان على الرجل من غير شد ، قوام الجوربين ثخينين بحيث يستمسكان على الرجل من غير شد ، ولا يجفان الماء، لو مسحت على الجوربين لن ينتقل الماء إلى ظاهر القدم .

      والإمام أبو حنيفة قيل : إنه في آخر حياته رجع إلى قول تلميذيه محمد وأبو يوسف ، المحصلة : لو مسح على الجوربين فإن كانا ثخينين منعلين جاز هذا باتفاق العلماء ، وإن لم يكونا مثخنين منعلين بل كانا رقيقين لم يجز هذا باتفاق ، فالجوربان الرقيقان لم يجز المسح عليهما باتفاق، والجوربان المنعلان المجلدان يجوز المسح عليهما باتفاق ، أما إذا كانا ثخينين غير منعلين لا يجوز المسح عليهما عند أبي حنيفة خلافاً لتلميذيه ، وروي أن الإمام رجع إلى قولهما في المرض الذي مات فيه ، هذه أحكام الفقه المتعلقة بالمسح على الخفين ، وهذا الشرح متعلق بالضرورة بالفقرة الثانية من الحديث الذي نحن بصدد شرحه في هذا الدرس .

     عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا ، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا)) .

(صحيح البخاري)

    عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا ، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ)) .

 (صحيح البخاري)

     إذا كان هناك مشقة ، إذا كان هناك صعوبة ، كان هناك عمل شاق ، كان هناك سفر ، كان هناك إرهاق في خلع النعلين ، إنسان كان في الخدمة الإلزامية والحذاء ثخين ، والوقت قليل جداً ، والاجتماع بعد خمس دقائق ، وعليه أن يصلي الظهر مثلاً ، في مثل هذه الظروف يأتي الدين اليسير فيدور مع هذه الظروف الصعبة كيفما دارت .

     هذا الكلام مجمل لرأي الإمام أبي حنيفة وتلميذيه حول المسح على الخفين ، ولا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه ، كما يحب أن تؤتى عزائمه)).

     وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى نشرح الفقرة الأخيرة من الحديث الشريف ، المتعلق بالحب في الله والبغض في الله

* * *

         والآن إلى الموضوع الثاني ، وهو متابعة الحديث عن تابعي جليل أبي حازم ، وكيف كان يلتقي بطلاب العلم ، وكيف يغنيهم بحكمه التي تأخذ بالألباب .

         قالوا : وقد كان منزل سلمة بن دينار مورداً عذباً لطلاب العلم ، ورغّاب الصلاح ، لا فرق في ذلك بين إخوانه وطلابه ، فقد دخل عليه ذات مرة عبد الرحمن بن جرير ، ومعه ابنه ، وأخذا مجلسيهما عنده ، وسلما عليه ، ودعَوَا له بخيري الدنيا والآخرة ، فردّ التحية بأحسن منها ، ورحب بهما ، ثم دار بينهم الحديث .

        فقال له عبد الرحمن بن جرير : كيف نحظى بالفتوح يا أبا حازم ؟ كيف يفتح الله على قلب المؤمنين ؟ كيف يقذف الله نوره في قلب المؤمن ؟ كيف يصلي المؤمن فتفيض دموعه ؟ كيف يصلي فيحس بالقرب من الله عز وجل ؟ كيف  يتجلى الله على قلبه ؟ كيف تنفتح بصيرته ؟ كيف يرى مالا يراه الآخرون ؟ كيف يسمع مالا يسمع الآخرون ؟ كيف تسمو نفسه ، كل هذه المرادفات هي تعبير بشكل أو بآخر عن الفتوح ، والعوام يقولون : الله يفتح عليك فتوح العارفين ، هذا الفتح، هذه الصلة التي تنعقد مع الله عز وجل ، هذا السمو الأخلاقي ، هذه النفس الوديعة التي رأت الحق، وعرفت أهل الحق ، فلزمت الحق ، وكانت على الحق ، وابتغيت الحق .

     سؤال دقيق جداً : كيف نحظى بالفتوح يا أبا حازم ؟ كل منا يصلي ، كل منا يصوم ، وقد نحج مرات عديدة ، وقد نفعل كل شيء ، ولكن الذي نطلبه أن يكون هذا القلب مهبط لتجليات الله ، كيف الفتوح يا أبا حازم ؟ فقال : عند تصحيح الضمائر تغفر الكبائر .

(سورة الشعراء)

        إذا كانت النفس طاهرة من الداخل ، تجلى الله على هذا القلب الطاهر ، فإن الله طيب ، ولا يقبل إلا طيباً ، تستطيع أن تخدع الناس جميعاً ، ولكنك لن تستطيع أن تخدع نفسك لحظة ، إن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً ، إن هذا الدين قد ارتضيته لنفسي ، هكذا قال الله تعالى في الحديث القدسي، ولا يصلحه إلا السخاء ، وحسن الخلق ، فأكرموه بهما ما صحبتموه ، عند تصحيح الضمائر تغفر الكبائر ، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أنعم الله عليه بالفتوح ، اتقِ المحارم تكن أعبد الناس ، اتقي الذي تعلمه أنه محارم ، وانظر كيف أن قلبك يشرق بالمعرفة .

      جاء في بعض الآثار : من أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة في قلبه ، وأجراها الله على لسانه ، ولا تنس يا عبد الرحمن أن يسير الدنيا يشغلنا عن كثير الآخرة ، هذه الآخرة التي لا تنقضي ، هذه الحياة الأبدية ، تخيل كيس من الطحين ، كل ذرة من هذا الكيس تعدل مليون سنة ، فهذا الكيس كم سنة ؟ إذا وضعت أصبعك على طرف الطحين كم ذرة تعلق على أصبعك ؟ إن كانت كل ذرة تعدل مليون مَليون ملْيون مَليون سنة فما هو الأبد ؟ ما معنى :

(سورة الأحزاب)

         أكبر رقم إذا وضع صورة على مخرج لا نهاية فهذا الرقم يساوي صفرًا ، لو عاش الإنسان مئة ألف عام ، مليون مَليون مليون عام ، إذا قيست هذا الأعوام الطويلة إلى الآخرة الأبدية فيه فلا شيء ! لذلك :

(سورة التوبة)

         قال : إن يسير الدنيا يشغلنا عن كثير الآخرة ، اسمعوا أيها الإخوة ! قال : كل نعمة لا تقربك من الله عز وجل فهي نقمة ، الزوجة والله نعمة كبرى ، الدنيا كلها متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة ، فإذا ساهمت الزوجة في إبعادك عن الله عز وجل فهي نقمة ، إما أن تكون الزوجة نعمة ، وإما أن تكون نقمة ، كل شيء قربك إلى الله نعمة ، المصيبة إذا قربتك إلى الله فهي نعمة ، والنعم الظاهرة إذا حجبتك عن المنعم فهي نقمة ، المال إذا قربك إلى الله فهو نعمة ، وإذا أبعدك عنه فهو نقمة ، الفقر إذا قربك إلى الله فهو نعمة ، فإذا أبعدك عنه فهو نقمة ، التجارة الأعمال الأهل الأولاد ، أي نشاط تقوم به ، أي عمل تعمله ، إذا ساهم هذا العمل في تقريبك من الله فهو نعمة ، وإذا ساهم في إبعادك عنه فهو نقمة .

         فقال ابن عبد الرحمن : يا أبا حازم إن أشياخنا كثيرون فبمن نقتدي منهم ؟ قال : يا بني اقتدِ بمن يخاف الله في ظهر الغيب ، ويعف عن التلبس بالعيب ، اقتدِ بمن يخاف الله في ظهر الغيب ، من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله ، وركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلد ، يا بني اقتد بمن يخاف الله في ظهر الغيب ، ويعف عن التلبس بالعيب ، ويصلح نفسه في أوانِ الصبا ، ولا يرجئ ذلك إلى عهد الشيب ، يا بني ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا ويقبل على طالب العلم هواه وعلمه ، ونحن إن شاء الله تعالى من طلاب العلم جميعاً ، ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا ويقبل على طالب العلم هواه وعلمه فيتغالبان في صدره ، تغالب المتخاصمين ، فإذا غلب علمه هواه كان يومه يوم غلبته ، وإذا غلب هواه علمه كان يومه يوم خسرانه ، تصارعت نفسه ، هل أحضر هذا المجلس أم لا أحضره ؟ فإذا غلب هواه وآثر أن يمضي هذه السهرة مع رفاقه فقد غلب ، وكان هذا اليوم خسارة له ، فإذا غلبه علمه وآثر حضوراً في مجالس العلم على متع الحياة المباحة ، غلب نفسه فكان هذا اليوم يوم غلبة له ، لا زلنا مع أقوال أبي حازم لعبد الرحمن بن جرير ، ومع ابنه .

         فقال له عبد الرحمن بن جرير : كثيراً ما حضضتنا على الشكر يا أبا حازم ، فما حقيقة الشكر ؟ فقال : لكل عضو من أعضائنا حق من الشكر ، فقا