English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

شرح الحديث الشريف : رياض الصالحين : باب التوبة : الحب في الله ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

 

           الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون : مع الدرس السابع من دروس الحديث الشريف ، ومن كتاب رياض الصالحين ، ومن باب التوبة .

     عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ : ((أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ أَسْأَلُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا زِرُّ ؟ فَقُلْتُ : ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ فَقَالَ إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ ، فَقُلْتُ : إِنَّهُ حَكَّ فِي صَدْرِي الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ ، وَكُنْتَ امْرَأً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجِئْتُ أَسْأَلُكَ : هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ كَانَ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَوْ مُسَافِرِينَ أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلا مِنْ جَنَابَةٍ ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ ، فَقُلْتُ : هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ فِي الْهَوَى شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ نَادَاهُ أَعْرَابِيٌّ بِصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٍّ : يَا مُحَمَّدُ ! فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوًا مِنْ صَوْتِهِ : هَاؤُمُ ! فَقُلْنَا لَهُ : وَيْحَكَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ، فَإِنَّكَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ هَذَا ، فَقَالَ  : وَاللَّهِ لا أَغْضُضُ ! قَالَ الأَعْرَابِيُّ : الْمَرْءُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَمَا زَالَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى ذَكَرَ بَابًا مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ ، مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا عَرْضُهُ أَوْ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي عَرْضِهِ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ عَامًا ، قَالَ سُفْيَانُ : قِبَلَ الشَّامِ خَلَقَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مَفْتُوحًا يَعْنِي لِلتَّوْبَةِ لا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ)) .

(سنن الترمذي)

     في درسين سابقين تم شرح الفقرتين الأولى والثانية من الحديث الشريف ، الفقرة الأولى عن فضل طالب العلم ، وكيف أن الملائكة تضع أجنحتها له ، والفقرة الثانية عن المسح على الخفين ، وفي هذا الدرس نكمل شرح الفقرة الثالثة من هذا الحديث بتوفيق الله وعونه ، فقال هذا التابعي زر بن حبيش : هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ فِي الْهَوَى شَيْئًا ؟

     الهوى مصدر هوي ، ومعنى هوي أي أحب ، هوي يهوى هواً ، أي أحب يحب حباً ، هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ فِي الْهَوَى شَيْئًا ؟ أي في الحب ، قال : نعم  .

    قبل كل شيء الإنسان له عدة جوانب ، له جانب عقلي به يفكر ، وبه يحاكم وبه يقنع ، وبه يرفض ، وبه يؤمن ، وبه لا يؤمن .

    وله جانب نفسي ، بهذا الجانب يحب ويكره ، ويعذب ويحتقر ، ويميل ، ويشمئز ، ويرفض ، ويخاف ، هذا الجانب الآخر هو الجانب العاطفي ، ولا تنسوا أيها الإخوة الأكارم أن المؤمن لا يطير إلى الله إلا بجناحين ، جناح العقل وجناح القلب ، جناح العلم وجناح الحب ، فالإسلام من دون حب جسد بلا روح ، والحب من دون عقل خبط عشواء ، كمن يخبط خبط عشواء ، فلذلك لماذا أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا في القمة ، بينما المسلمون في آخر الزمان في الحضيض ؟ ربما كانت ثقافة المسلمين اليوم ثقافة واسعة ، فلماذا تخلفوا ؟ ولماذا انحطوا ؟ ولماذا تباعدوا ؟ ولماذا تباغضوا ؟ ولماذا تنافروا ؟ ولماذا تحاسدوا ؟ لأنهم قصروا في الجانب الآخر من الإسلام إنه الحب .

         ألا لا إيمان لمن لا محبة له ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له،  عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : ((كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه فَقَالَ : وَاللَّهِ لأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ عِنْدَهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ قَالَ عُمَرُ: فَلأَنْتَ الآنَ وَاللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الآنَ يَا عُمَرُ)) .

(مسند الإمام أحمد) 

      ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به )) ، فلذلك الإسلام من دون حب ثقافة ، معلومات ، حقائق ، تقرأ تدرس تحفظ ، يؤدى بها امتحان ينال به الشهادات ، يحتل الإنسان مركز مرموق في حقل الدين ، أما إذا كان قلبه فارغاً من الحب فهو بعيد عن الرب ، فلذلك ما الذي يؤجج الحب ؟ الاستقامة على أمر الله ، ما الذي يؤججه أيضاً ؟ العمل الصالح ، ما الذي يؤججه أيضاً ؟ خدمة المؤمنين الصادقين ، ما الذي يؤججه ؟ المؤاثرة ، التضحية ، الانضباط البذل العطاء، فلذلك قال الله عز وجل :

(سورة الكهف )     

       أتحب أن تلقى الله عز وجل ؟ أتحب أن يكون قلبك مهبطاً لتجليات الله عز وجل ؟ أتحب أن تشغل به عمن سواه ؟ أتحب أن تردد مع من قال : 

وليتك تحلو والحياة مريرة      وليتك ترضى والأنام غضابُ

      أتحب أن تكون محبوباً من قبل الله عز وجل ؟ أتحب أن يحبك الله ورسوله ؟ ألا تغار من سيدنا معاذ حيث قال له رسول الله e: ((والله يا معاذ إني لأحبك)) ، هذه مرتبة تتقطع دون بلوغها أعناق الطامحين .

      والله الذي لا إله إلا هو باب اكتساب محبة الله ورسوله مفتوحة على مصراعيها ، وطبيعة الإنسان هي هي ، وأبواب الخير هي هي ، وربنا هو هو ، بإمكان كل واحد منا أن يبالغ في تطبيق أوامر الشرع ، وأن يبذل شيئاً من وقته ، ومن ماله ، ومن راحته في سبيل الله ، إذا فعل ذلك ، وقام ليصلي شعر أنه محبوب من قبل الله عز وجل ولعمري ما بعد محبة الله مرتبة يطمح إليها طامح ، أن يكون الله يحبك .

      لذلك سيدنا الصديق رضي الله عنه حينما قال له النبي عليه الصلاة والسلام : (يا أبا بكر ، جاءني جبريل فقال لي : قل لصاحبك إن الله يقرئه السلام ويقول له : إن الله راضٍ عنه فهل هو راضٍ عن الله ؟ )) هذا هو المقام ، ما في الدنيا كله يمضي ، أي شيء تأكله ، وأي بيت تسكنه ، وأي مكان تصله ، إنه إلى زوال ، ولكن حل الله عز وجل هو الباقي ، فلذلك قال زر بن حبيش : هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ فِي الْهَوَى شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَبَيْنَا - يصح أن تقول : فبينا أو فبينما وكلاهما صحيح ، أساسها بين ، وهي ظرف ، وكل ظرف يحتاج إلى مضافٍ إليه ، بين الوقتين ، بين الجدارين ، بين الرجلين ، فإذا قطع هذا الظرف عن الإضافة، أي لم يأت بعده مضاف أضيفت له أَلِف ، تقول : بينما أنا في بيتي ، ولك أن تقول : بينا ، لكن بينما لابد من أن يأتي بعدها اسم مرفوع ، بينما أنا ، بينما محمدٌ يصلي ، أما إذا قلت : بينا فيجوز أن يأتي بعدها اسم مرفوع ، ويجوز أن يأتي بعدها مصدر مضاف إليه ، لك الخيار - فيقول هذا التابعي : هذا الصحابي صفوان بن عسال : فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ نَادَاهُ أَعْرَابِيٌّ - ربنا عز وجل يقول :

(سورة الحجرات )

     فربنا عز وجل تلطف بهم ، ما قال : إنهم لا يعقلون ، بل قال : أكثرهم لا يعقلون ، تأدب بأدب القرآن ، لا تقل : كل أولئك كانوا جاهلون ، قل : بعضهم ، دائماً استثنِ ، إياك أن تصدر أحكام مطلقة ، هذا عيب في الإنسان ، أن يصدر حكماً مطلقاً ، قال سبحانه وتعالى :

(سورة الشعراء )

      استثنى الله عز وجل ، يروى أن شاعراً دخل على ملك ، فلما دخل عليه قال هذا الشاعر للملك : إن ، فما كان من هذا الملك إلا أن قال له : و ، فالحاضرون لم يفهموا شيئاً ، بعد حين من الزمن قالوا : يا سيدي : ماذا قال هذا الشاعر ؟ وماذا قلت له ؟ قال الملك : قال لي :

}إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها{ ، فقلت له : }والشعراء يتبعهم الغاوون{ ، كان القرآن محفوظاً عندهم ، فيكفي أن تذكر آيةً حتى يتضح المراد ، إذ ناداه أعرابي ، فربنا سبحانه وتعالى تلطف بالأعرابي فقال :   

 

تلطف بهم ، لعل كلاً منهم يظن نفسه من هذه القلة المستثناة ، وربنا سبحانه وتعالى يقول :

(سورة الحجرات )

      هاتان الآيتان كتبتا على الحجرة النبوية الشريفة ، والأعرابي اسم منسوب ، معنى منسوب كأن تقول : فلان دمشقي ، أي منسوب إلى دمشق ، وفلان عربي ، وفلان حلبي ، فالأعرابي اسم منسوب إلى الأعراب ، والأعراب اسم جمع لا مفرد له ، هناك أسماء جمع كثيرة ، لِم لَم نقل : عربي ؟ لأن عربي قصدنا بذلك كل من نطق بالضاد ، وكل من كان من ولد إسماعيل ، ولكن كلمة أعرابي نسبنا إلى سكان البادية ، إلى سكان الصحراء ، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((من بدا فقد جفا )) .

      حضور مجالس العلم يهذب الطباع ، بينما البعد عن المدن وعن مجالس العلم قد يجعل الطبع جافياً ، فلذلك هذا الذي يأتي من أطراف المدينة لحضور مجلس العلم ، والله الذي لا إله إلا هو أجره أضعاف مضاعفة ، من هذا الذي بيته إلى جوار المسجد ، فلذلك حضور مجالس العلم يوسع الأفق ، ويهذب الطباع ، ويعرف الإنسان بكتاب الله ، ويعرفه بسنة رسوله ، ويعرفه بأولئك الأعلام الأبطال ، الذين كانوا مشاعل لأمتهم ، إذ ناداه أعرابي ، بالمناسبة بعض الإخوة الأكارم شجعني على أن أُكْثِرَ من بعض الفوائد اللغوية ، فها أنا ذا أفعل ذلك ، لا يجوز في اللغة العربية أن تنسب إلى الجمع ، إذا قلت : هذه مباراة دُوَلِيَة فهذا خطأ ، لأنك نسبت إلى الجمع ، دُوَل ، يجب أن تقول : هذه مباراة دَوْلِيَة ، وإذا قلت : هذا هو الشاعر القُرَوي ، خطأ ، لأنك نسبت إلى جمع ، يجب أن تقول : الشاعر القَرَوي ، هذه قاعدة لا يستثنى منها إلا النسب إلى جمعٍ أصبح علماً ، كأن تقول : مدائن ، جمع مدينة ، فلان مدائني ، الأعراب اسم جمع فلان أعرابي ، فالأعرابي هو الذي يسكن البادية ، إِذْ نَادَاهُ أَعْرَابِيٌّ بِصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٍّ ، والصوت الجهوري ضروري إلا عند النبي عليه الصلاة والسلام .

     السيدة عائشة كانت تقول : (رحم الله عمر ، ما رأيت أزهد منه ، كان إذا قال أسمع ، وإذا أطعم أشبع ، وإذا سار أسرع ، وإذا أطعم أشبع ) ، أي أن الصوت الجهوري مطلوب إلا في مجالس النبي عليه الصلاة والسلام ، والذين يغضون أصواتهم عند رسول الله هم المؤمنون ، يغضون أصواتهم ، أما الذين ينادونه من وراء الحجرات ، يا محمد ، يا محمد اخرجْ إلينا ، قال تعالى عنهم : } أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ { .

     لذلك قال أحد العلماء لتلميذ له : يا بني نحن إلى أدبك أحوج منك إلى علمك ، علامة الصدق في طلب العلم التأدب في مجالس العلم ، فلمجالس العلم حرمة ، فالصياح فيها ، والضجيج ، والجلبة لا تجوزن ، عَنْ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ يُحَدِّثُ ((أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ جَاءَ وَالنَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِعٌ ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَ نَعْلِ أَبِي بَكْرَةَ ، وَهُوَ يَحْضُرُ يُرِيدُ أَنْ يُدْرِكَ الرَّكْعَةَ ،  فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنِ السَّاعِي قَالَ أَبُو بَكْرَةَ : أَنَا ، قَالَ : زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ )) .

(مسند الإمام أحمد )

     لا تعد إلى إحداث الضجيج ، فلذلك كلما كان الإخوة الأكارم الذين يحضرون مجالس العلم ، كلما كانوا في مستوًى أرقى كان صمتهم وهدوءهم وإنصاتهم أكثر ، والنبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا أن نتواضع لمن نعلمهم ، وجه الخطاب إلى الذين يعلمون قال : ((تواضعوا لمن تعلمون ))، ووجه الخطاب إلى الذين يتعلمون فقال : ((تواضعوا للذين تتعلمون منهم)) .

      قال الأعرابي : يَا مُحَمَّدُ ! فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوًا مِنْ صَوْتِهِ ، النبي عليه الصلاة والسلام كان ذكي الفؤاد ، كان فطناً  ، ناداه بأعلى صوته قال : يا محمد ! فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من صوته :  هاؤم .

       سأله مرة أحد الأصحاب : هل من أمبر أمصيام في أمسفر ؟ فقال عليه الصلاة والسلام مخاطباً هذا السائل بلغته قال : ((ليس من أمبر أمصيام في أمسفر )) .

      أي هل من البر الصيام في السفر ؟ بلهجة من لهجات العرب ، هل من أمبر أمصيام في أمسفر ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ((ليس من أمبر أمصيام في أمسفر )) .

      فكان النبي عليه الصلاة والسلام ذكي الفؤاد ، فأجابه نحواً من صوته : هاؤم ، كلمة هاؤم اسم فعل ، في اللغة لدينا أسماء وأفعال وأسماء أفعال .

(سورة الحاقة)

      خذوا هذا كتابي ، اسم فعل أمر بمعنى خذ ، نستعمل نحن أسماء أفعال كثيرة ولا ندري ! تقول مثلاً : هيهات ، اسم فعل ماضي بمعنى بَعُدَ ،  تقول مثلاً : شتان بين الثَرى والثُريا ، أي ما أبعد الثَرى عن الثُريا ، اسم فعل ماضي ، هناك أسماء أفعال مضارعة ،  تقول مثلاً : آه ، أتوجع، كلمة آه اسم فعل بمعنى أتوجع ، كلمة أف اسم فعل ، بمعنى أتضجر .

(سورة الإسراء)

       لو أن في اللغة كلمة أقل من أف لقالها الله عز وجل ! كلمة واهاً بمعنى أتعجب ، كلمة آمين في الصلاة ، اسم فعل أمر ، بمعنى استجب يا رب ، كلمة صه أي اسكت ، إذا قلت له صه اسكت عن هذا الموضوع ، كلام في غيبة ، قل له صه ، فإذا قلت له : صهٍ أي اسكت عن أيّ موضوع ، اسكت عن كل الموضوعات ، اسكت عن الحديث كله ، إيهِ اسم فعل أمر بمعنى تكلم ، إيهٍ تكلم في هذا الموضوع ، إيهِ ، أما إيهٍ تكلم في كل موضوع ، ونحن جميعاً نستعمل كلمة بس ، أي حاجة ، هذه لغة فصحة ، كلمة بس اسم فعل أمر بمعنى اكتفي ، وكلمة حي على الصلاة نستخدمها في الصلاة ، أي أقبل أيها المسلم على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، وكلمة هيت أي أسرع ، وقالت : هيتُ لك ، قال : ما عاذ الله ، وكلمة هلمّ بمعنى تعال ، وكلمة أمامك أي تقدم ، وكلمة ورائك أي تأخر ، وهذه كلها أسماء أفعال .

         فالنبي عليه الصلاة والسلام كان أفصح العرب ، قال : ((أنا أفصح العرب ، بيد أني من قريش )) .

      هذا الأسلوب أسلوب تأكيد ال