English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

شرح الحديث الشريف : رياض الصالحين  : رياض الصالحين : باب المبادرة إلى الخيرات " بادروا بالأعمال سبعاً ... "، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ،        اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الحديث النبوي الشريف ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)) .

      ( رواه الترمذي وقال حديثٌ حسن )

       هذا الحديث ورد في باب المبادرة إلى الخيرات ، وفيه حثٌ على الإقبال على الله بالجد من غير تردد .

      ومعنى كلمة (بادروا) سابقوا ، وربنا عزَّ وجل أشار إلى هذا المعنى في القرآن الكريم فقال:

( سورة آل عمران : من آية " 133 " )

       فإذا كنتَ في أزمة سكن حادة ، وأنت بحاجة ماسة إلى بيت ، وبلغك أن ثمة بيتًا في منطقة ممتازة ، وسعره أقل من سعر أمثاله ، والبيت فارغ ، وجاهز للسكن ، وثمن هذا البيت تملكه ، ماذا تفعل ؟ أغلب الظن أنك تذهب إلى المعني بالبيع في وقتٍ متأخرٍ من الليل ، يقال لك : غداً ، تقول : لا ، لعل أحداً يسبقني إليه . لو أنكم لاحظتم كيف يتصرف الإنسان في أموره الدنيوية ، وكيف يتسابق الناس إلى الخير ، أو إلى ما يظنه خيراً ، كيف يسابق الناس ، كيف يسارع ، كيف يحب أن يفوز ، كيف يحب أن يتفوَّق في الدنيا ، الشيء الذي فيه مغنم الناس يقبلون عليه .

       النبي عليه الصلاة والسلام قال : ((بادروا بالأعمال ...)) ، كأن جوهر الحياة الدنيا العمل الصالح ، والدليل هؤلاء الذين يموتون على ماذا يندمون ؟ ..

( سورة المؤمنون )

       فهذا الذي ندم عندما جاءه الموت ، وجاء الموت ، على ماذا يندم ؟ على أنه فرَّط بالعمل الصالح ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول :

( سورة الأنعام : من آية " 132 " )

       والعمل الصالح يرفعك ..

( سورة الكهف : من آية " 110 " )

      أنت وجدت في هذه الدنيا من أجل أن تعمل صالحاً ، لمَ العمل الصالح ؟ من أجل أن يكون هذا العمل الصالح صالحاً لقبولك عند الله عزَّ وجل ، من أجل أن يكون هذا العمل الصالح سبباً في دخول الجنة ، لذلك جاء في تفسير بعض الآيات :

( سورة الليل )

      (اليسرى) هو العمل الصالح الذي هو ثمن الجنة ، فالإنسان لو أنه في الحياة الدنيا كسب مالاً وفيراً ، وحقق نجاحاً كبيراً ، واعتلى أعلى الدرجات ، وفاز بكل الملذات ، وجاب مختلف الأقطار ، وأكل أطيب الطعام ، وسكن في أجمل البيوت ، ولم يكن له عملٌ صالح فهو خاسر ، فهو أشد الناس خسارةً ..

 

( سورة الكهف )

       اللهم صلٍ عليه ، نبيٌ كريم حريصٌ علينا يقول : ((بادروا بالأعمال الصالحة)) ، أحدنا يسأل نفسه هذا السؤال : أنا ما عملي ؟ ما عملي الصالح ؟ ربِحْنا اليوم أرباحاً طائلة ، هذه لك ، وتناولنا طعاماً طيباً ، هذا لك ، لبست هذا الثوب الجيد ، هذا لك ، نريد ماذا فعلت ؟ ماذا قدَّمت ؟ ما الذي قدَّمته للناس حتى يرضى الله عنك ؟ لأن الله سبحانه وتعالى لا يحب العبد إلا إذا كان ذا نفعٍ عميم.. ((الخلق عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله " .

      فهذا أمرٌ نبوي ، ولا تنسوا أن سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول : " ثلاثةٌ أنا فيهن رجل ـ أنا رجل ـ وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس ، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى " ..

( سورة النجم )

       هذا النبي العظيم الذي وصفه الله سبحانه وتعالى ..

( سورة التوبة )

       يقول لك هذا النبي الحريص عليك ، الرؤوف الرحيم : ((بادروا بالأعمال ...)) .. لذلك المؤمن الصادق شُغْله الشاغل العمل الصالح ، فلعل الله يرضى عنه ، فلو أن أحداً عرض عليك أن تعمل صالحاً ، فكانت إجابتك : ما عندي وقت ، فمثلك كمثل طبيبٍ بقي يدرس ثلاثين عاماً إلى أن حاز على أعلى درجة علمية - معه بورد - وجاء إلى بلده ، وفتح عيادة ، وكتب على العيادة الدوام من الساعة الخامسة حتى الثامنة ، وجلس ينتظر الزبائن ليسد الديون التي أرهقته ، وليؤمن طعاماً لأولاده ، فجاءه مريضٌ وقال له : ليس لديّ وقت لأعالجك !! إذًا لماذا أنت هنا ؟ يا أيها الطبيب لماذا أنت هنا في العيادة ؟ لماذا كل هذه الدراسة ؟ لماذا هذه الشهادات ؟ لماذا أسست هذه العيادة ؟ لتقول للمرضى : أنا مشغول ؟ مشغول بماذا ؟ .

       هذا الذي يقول لك : أنا مشغول ، وقد دعي لعملٍ صالح هذا لا يعرف لماذا هو على وجه الأرض ، ضائع ، تائه ، في ضلال ، ما عرف مهمته ، أنت جئت إلى هذه الدنيا من أجل أن تعمل صالحاً يصلح للعرض على الله عزَّ وجل ، يكون هذا العمل نوراً لك في قبرك ، من أجل أن ترقى به في الجنان إلى أبد الآبدين ، لذلك السيدة عائشة رضي الله عنها حينما وزع النبي شاةً ـ واللحم شيء محبب للناس ـ وزع أضلاعها ، أطرافها ، صدرها ، وما بقي شيء ، فقالت له : يا رسول الله لم يبقَ إلا كتفها ، فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال : ((بل بقيت كلها إلا كتفها)).

( من سنن الترمذي : عن " السيدة عائشة " )

      هذا الذي وزعناه هو الذي يبقى .

      سيدنا عمر أمسك تفاحةً وقال : " أكلتها ذهبت ، أطعمتها بقيت " .

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا قَالَ فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ)) .

( متفق عليه )

      فيا أيها الإخوة الأكارم ... إذا امتنع الإنسان عن العمل الصالح ، فوالله الذي لا إله إلا هو ما عرف لماذا هو على وجه الأرض أبداً ، إنك هنا في مهمة ، لذلك في مئتي آية يقول الله عزَّ وجل..

( سورة البروج : من آية " 11 " )

     اسأل نفسك هذا السؤال مساءً : ماذا فعلت من خير في هذا اليوم ؟ تفتح محلاً تجاريًا ، تزينه، تعرض بضاعة جيدة ، تعمل إعلانًا ، تعمل لافتة ، تنتظر في الأيام الأولى فلا يأتي ولا زبون ، في الأيام التالية بيع قليل ، وبعدها تكتب برسم التسليم ، إذا ما ربحت وكانت تجارة خاسرة ، كذلك تسأل نفسك كل يوم : ماذا فعلت من خير في هذا اليوم ؟ يقول عليه الصلاة والسلام : (( لا بورك لي في يومٍ لم أزدد فيه من الله قربًا ـ بالعمل الصالح ـ ولا بورك لي في يومٍ لم أزدد فيه من الله علماً)) .

      فقبل أن تنام اسأل نفسك : ماذا فعلت اليوم فعلاً يرضي الله عزَّ وجل ؟ هل عدت مريضاً ؟ هل أنفقت مالاً ؟ هل عاونت فقيراً ؟ هل عاونت أخاً لي ؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((واللهِ لأن أمشي في حاجة أخٍ مؤمن أحب إلي من صيام شهرٍ واعتكافه في مسجدي هذا)) .

( من الجامع الصفير : عن " ابن عمر " )

     يا ترى هل خدمت أخًا ؟ عاونته ؟ ساهمت في عمل خيري ؟ دعوت إلى الله ؟ نصحت إنسانًا؟ دللته على الله ؟ ساعدت أرملة من أقربائكم ، قدمت لها مساعدة ؟ رعيت يتيما ؟ لك قريب بعيد فقير زرته جبراً لخاطره ؟ لك بنت أخ وأخوك توفى يا ترى رعيتها ، اعتبرتها ابنتك ؟ بحثت لها عن زوج ؟ وجَّهتها ؟ نصحتها ؟ أم قلت : لا علاقة لي .

      النبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((بادروا بالأعمال سبعاً ...)) ، فإذا أراد أحدنا الدنيا وزينتها ، فلابدَّ أن يأتيه أحد هذه السبعة ، أي إذا أعرضنا عن طلب الآخرة ، إذا أعرضنا عن العمل الصالح ، إذا تعلقنا بالدنيا ، انكببنا عليها ، جعلناها كل همنا ، ومبلغ علمنا ، حرصنا عليها ، ماذا ننتظر ؟ فالحديث دقيق ، اعمل عملاً صالحاً قبل أن يأتيك أحد هذه السبعة ، إن أحد هذه السبعة لابد آتٍ  ، هذا معنى .

      والمعنى الثاني : اعمل عملاً صالحاً لئلا يأتيك أحد هذه السبعة ، فسارع إلى عملٍ صالح من أجل أن تكسب وقتك قبل أن تأتيك أحد هذه السبعة ، أو اعمل عملاً صالحاً لئلا يأتيك أحد هذه السبعة .

     ما هذه السبعة ؟ قال : ((هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ...)) ، سيدنا علي كرم الله وجهه يقول: " كاد الفقر أن يكون كفراً " ، حالات يصبح الفقر كالكفر ، حالات إذا جاء الفقر مع الجهل ربما كفر هذا الفقير ، الفقر أحياناً ينسيك أن تصلي ، ينسيك أن تؤدي واجباتك نحو عيالك وأولادك ، فالفقر المنسي نعوذ بالله منه ، النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول : ((اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً)) .

       الكفاية هذه أرادها النبي لنا ، أرادها لمن يحبه ، لمن يحبه النبي ، ولمن يحب النبي ، هناك فقرٌ ينسي ، ربما لا يملك الإنسان ثمن أجرة ركوب سيارة عامة ، يمشي ساعة ونصفًا ، يحس بشعور عجيب ، هذا الفقر منسٍ ، وربما لا يملك ثمن الدواء لأولاده ، أو لا يملك ثمن الطعام ، فهذا الفقر نعوذ بالله منه ، وقد يكون هذا الفقر للمؤمن رفع درجات ، لأن المؤمن ثابت لا يتغير لا في الغنى ولا في الفقر ، لا في إقبال الدنيا ولا في إدبارها ، المؤمن إذا افتقر ففي هذا الافتقار رفعٌ لدرجاته ، وكشفٌ لبنيته الطيبة ، تعريفٌ للناس به ، رفعٌ لمقامه ، امتحانٌ له ..

( سورة البقرة : من آية " 214 " )

( سورة العنكبوت )

      فإذا آمن الإنسان بالله فعليه أن يوطِّن نفسه على كل شيء ، أنت عرفت الله وأسلمت له في السرَّاء والضراء ..

هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا   فليس لي عنهم معدلٌ وإن عدلوا

واللهِ و إن فتَّتوا في حبهم كبدي   باقٍ على حبهم راضٍ لمـا فعلوا

*  *  *

       حالة المؤمن مع الفقر استسلام لله عزَّ وجل ، هو يسعى ، ويبذل قصارى جهده في رفع مستوى دخله ، لكن إذا ضاقت به الحيل ماذا يفعل ؟ يستسلم ، يرضى ، هكذا أراد الله وهكذا شاء ، لكن إذا جاء الفقر لإنسان لا يعرف الله عزَّ وجل ربما سبَّ الإله ، هذا يفعله بعض الناس ، ربما نسي فروض طاعته لله عزَّ وجل ، نسي أن يصلي ، نسي أن يطيع الله عزَّ وجل .

       فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ...)) ، نعوذ بالله من الفقر المنسي ، سمعت مرة أحد الإخوان يقول : اللهم أنزِلْ بي مرضًا ، فقلت له : هذا خلاف الشرع ، النبي عليه الصلاة والسلام سيد الأنبياء قال : ((إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي)) .

( الطبراني عن عبد الله بن جعفر )

     مَن أنت ؟ أتجترئ على الله عزَّ وجل ؟ أتظن أنك أعظم من النبي؟ النبي عليه الصلاة والسلام هكذا دعا ، فالإنسان يطلب من الله السلامة ، يطلب البحبوحة ، يطلب الرزق ، لا يقل : يا رب امتحني ، أنا أصبر ، لا ، اطلب من الله السلامة ، إذا ضاقت فهو امتحان للمؤمن رقي ، ولغير المؤمن امتحان .

 

((يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ))

 ( رواه مسلم عن " أبي ذر " )

       كن فيكون ، تقنين ربنا ليس تقنين عجز ، بل تقنين تأديب ، الإنسان يقنن تقنين عجز لضعفه، قال لي أحدهم اليوم : إنَّ  المزارعين في المنطقة الشمالية الشرقية قبضوا مبالغ فوق حد الخيال ، قال لي : قبضوا واحدًا وسبعين مليونًا من الدولة ، ثمن القمح على السعر الرسمي ، ذلك بأن الكيس أعطى سبعين كيسًا من القمح ، سبحان إنّ الله إذا أعطى أدهش !! ..

( سورة الأعراف : من آية " 96 " )

( سورة الجن )

( سورة المائدة : من آية " 66 " )

        فربنا غني إذا أعطى أدهش ..

( سورة الحجر : من آية " 21 " )

       لكن إذا قنن ربنا عزَّ وجل يكون التقنين في محله ، " إن الله ليحمي أحدكم من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام " ، " كما يحمي الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلكة " ، فأنت استسلم ، إذا أعطاك اشكره على عطائه ، وإذا منع عنك منعه عطاء . قال ابن عطاء الله السكندري : " ربما أعطاك فمنعك ..." ، رجل أعمال من الدرجة الأولى ، وقتك كله مليء اجتمعات ، وقرارات ، وصفقات ، ورحلات ، وسفرات للعمل ، وسفرات نزهات ، وما عندك وقت إطلاقاً ربما أعطاك فمنعك .

      " ... وربما منعك فأعطاك " ، ضيقها عليك فالتفت إليه ، قرأت كتابه فتعرفت له ، فكرت بالكون ، تصدقت ، صليت ، عملت أعمالاً صالحة ، فلا يعترضنَّ أحدٌ على الله عزَّ وجل ، ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك ، وقد يكون المنع عين العطاء ، ولكن أنا أُؤكِّد لك لما ربنا عزَّ وجل يكشف الغطاء ، ويريك الذي ساقه لك وما الحكمة منه ، سوف تذوب خجلاً من الله سبحانه وتعالى على كل شيءٍ ساقه إليك ، هذا جعله لا ينجب أولادًا ذكورًا ، هذا جعله عقيمًا ، هذا جعله فقيرًا ، هذا جعله غنيًا ، هذا جعله عليلاً ، هذا جعله صحيحًا ، هذا جعل عمله شاقًّا ، هذا عمله سهل ، هذا من أب غني ، هذا من أب فقير ، هذا أتى في آخر الزمان ، هذا من أول الزمان ، هذا معه عاهة طفولية ، هذا معه قصور كبد مزمن .. إلخ، حينما ينكشف لك الغطاء لا تملك إلا أن تقول كلمةً واحدة ..

( سورة يونس )

      لذلك سيدنا علي رضى الله عنه يقول : (والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً ) ، والقاعدة الأساسية : أن الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ، هذه البطولة ، وعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا قُلْتُ لَا يَا رَبِّ وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا وَقَالَ ثَلَاثًا أَوْ نَحْوَ هَذَا فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ)) .

(سنن الترمذي )

       استسلم ، هو محبٌ لك أكثر من حبك لنفسك ، " عبدي المؤمن أحب إلي من بعض ملائكتي، لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إليهم ، وانتظاري لترك معاصيهم ، لتقطعت أو