English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

   شرح الحديث الشريف : رياض الصالحين  : رياض الصالحين : باب المجاهدة " نعمتان مغبون بهما كثير من الناس...."، وقصة سيدنا عمر ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... قبل أن أشرح الحديث المقرر لهذا الدرس أريد أن ألفت النظر إلى أن بعض الناس يفهمون الدين على أنه مجموعةٌ من المعلومات ، يعني هناك أحاديث ، هناك آيات، هناك تفاسير ، هناك قصص ، هناك سِيَر ، فإذا تتبعها الإنسان ، وحفظها فاز فوزاً عظيماً ، والحقيقة خلاف ذلك .

       المعلومات لا تشكل من الدين إلا جزءًا يسيراً ، الدين وجهةٌ إلى الله سبحانه وتعالى ، الدين إقبالٌ عليه ، الدين إحكام الاتصال به ، فالحقيقة عندما ينقلب الإسلام إلى معلومات ، أو إلى كتب ، أو إلى ثقافة ليس غير ، انتهى الإسلام ، أما إذا كان الإسلام التزاماً ، كان الإسلام طهارةً ، كان الإسلام سمواً ، كان الإسلام التزاماً ، عندئذٍ هذا المسلم يفعل المعجزات ، واحدٌ كألف وألفٌ كأف.

       فمن حين لآخر أجد نفسي مضطراً أن ألفت نظر الإخوة الأكارم إلى أن تحصيل المعلومات فقط لا قيمة له في الإسلام ، الصحابة الكرام فتحوا العالم ، وكانوا أبطالاً بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، لا لأنهم سمعوا أحاديث رسول الله ، ولكن لأنهم عاشوها ، الإسلام يجب أن تعيشه ، يجب أن تعيشه في بيتك ، يجب أن تعيشه في كل علاقاتك ، يجب أن تكون لك صلةٌ بالله واضحة، يجب أن تقبل عليه وأنت مشتاقٌ في هذا الإقبال .

      فأنا أحب من حين لآخر ما يسمونه تصحيح السير ، فلما يميل بالإنسان الاتجاه إلى تجميع المعلومات ، تكون صلاته جوفاء ، واستقامته فيها خلل ، وانضباطه ضعيف ، والتزامه قليل ، هذا لن يحصِّل من الدين شيئاً ، فأن تعدل ساعةً خيرٌ من أن تعبد الله ستين سنة ، أن تعدل في عملك ، أن تكون مُنْصفاً ، أن تكون صادقاً ، أن تكون أميناً ، لذلك الإمام الغزالي ـ وأعيد هذا مراتٍ كثيرة ـ لما حدثنا عن العلم بالله قال : " هذا العلم ثمنه المجاهدة " ، ثمنه باهظٌ جداً ، ونتائجه باهرةٌ جداً ، ثمنه باهظ أن هذا العلم لا يحصل بحضور مجلس علم ، هذا العلم لا يحصَّل بقراءة كتاب ، لا يحصل بإتقان التجويد ، لا يحصل بالاطلاع على الفقه ، لا يحصل بالانتساب إلى جامعة ـ إلى كلية الشريعة ـ هذا العلم لا يحصل إلا بالمجاهدة ، كما قال الإمام الغزالي : " جاهد تشاهد".

       فإذا جاهدت نفسك وهواك ، أحكمت الصلة بالله عزَّ وجل ، كل واحد منا يعرف إذا وقف بين يدي الله عزَّ وجل ما إذا كان متصلاً أو مقطوعاً ، يمكن أن تتوضأ ، وأن تقف بين يدي الله عزَّ وجل ، وأن تقرأ الفاتحة وسورة ، وأن تركع ، وأن تسجد ، وأن تؤدي الصلاة كما أرادها الفقهاء تماماً ، ويمكن مع هذا الأداء الكامل للصلاة أن تكون مقطوعاً عن الله عزَّ وجل ؛ بذنبٍ ، أو بمخالفةٍ ، أو بطمعٍ ، أو بانحرافٍ ، أو بتجاوزٍ، أو بتقصيرٍ ، أو بشهوة ، أو بشركٍ خفي ، فمقياس الإنسان الصلاة ، قال عليه الصلاة والسلام : ((الصلاة ميزان فمن وفَّى استوفى)) .

( من الدر المنثور : عن " ابن عباس " )

       يعني من وفَّى الاستقامة حقها ، استوفى من الصلاة ثمراتها .

      فالعمر ثمين جداً ، ولكي لا يقول الإنسان : أنا داومت خمس سنوات ، ست سنوات ، سبعن سنوات ، عشر سنوات ، اثنتا عشرة سنة ، ولم أستفد شيء ، وهو ليس ملتزمًا ، فلذلك إذا أحب الإنسان أن يكون من المؤمنين الصادقين فلابد له بادئ ذي بدء من أن يعقد العزم على أن يستقيم على أمر الله تماماً ، أما هذه الكلمات : قدر الإمكان ، الله يتوب علينا ، الله يعفو عنا ، الله عزَّ وجل لن يحاسبنا ، لن يدقق ، لن يضع عقله بعقلنا ـ كما يقول بعض العوام ـ هذا كلام كله مرفوض ، الله عزَّ وجل عدله مطلق ، وجنَّته ثمينة ، وسلعة الله غالية ، ولن يعطيها إلا لمن يستحق ، فمَن تمنى أن يكون مؤمناً هذا التمني لا يغنيه شيئاً ، ولا يقدم ولا يؤخر .

       لذلك لما يضع الإنسان برنامجًا لنفسه ، برنامجًا فيه سيره إلى الله عزَّ وجل ، برنامجًا حازمًا فأحياناً ينقلب عند الإنسان حضور هذه المجالس إلى عادة من العادات ، والله اليوم الأحد عندنا درس ، بعد الأحد عندنا سهرة مختلطة ، وكأنه ما حضر الدرس ، يوم الاثنين عنده دوام بالمحل ، المحل فيه أحياناً حلف يمين كاذب ، فيه أحياناً ترويج سلعة زائفة ، فيه أحياناً إخفاء عيب بالبضاعة ، فإذا لم يكن ثمة انضباط شرعي خلال الأسبوع ، والله هذا الدرس سيكون حجةً عليك .

      والله أنا الذي أتمناه على الله عزَّ وجل أن النخبة المطبقة للإسلام مئة في المئة ، فالإنسان يراجع نفسه هل بيته فيه مخالفات ؟ يا ترى زوجته هل هي منضبطة ؟ بناته منضبطات ؟ يا ترى بيته منضبط ؟ بيته إسلامي ؟ يا ترى بيعه وشرائه إسلامي ؟ علاقاته مع الناس إسلامية ، فيها تقصير ؟ يا ترى إذا قام ليصلي هل يشتاق لله عزَّ وجل ؟ يصلي ـ كما يقول بعضهم ـ أرحنا منها ، أم أرحنا بها ؟ وشتان بين أن تقول : أرحنا منها يا فلان ، وبين أن تقول : أرحنا بها يا بلال ، كما قال عليه الصلاة والسلام .

      فأنا أحب من حين لآخر ، ولو كان التوجيه ثقيلا على الإخوان ، لكن والله الحقيقة مرَّة دائماً، والحقيقة أحياناً تأتي قاسية ، فلماذا كان الصحابة الكرام في عهد النبي عليه الصلاة والسلام في قمة السعادة ؟ إنسان مسلم يغتاب أخاه !! والله هذا ليس بمسلم ، لما قال ربنا عزَّ وجل :

( سورة الحجرات : من آية " 12 " )

       هذا نهي ، أنت لماذا تصلي ؟ لأن الله أمر بالصلاة ، كيف تغتب أخاك ، وقد نهاك الله عن ذلك ؟ أتأخذ ما يعجبك ، وتدع ما لا يعجبك ؟ أهكذا الإسلام ؟ لمَ لا تقرأ القرآن ، وتحاول تطبق كل ما جاء فيه تطبيقاً تاماً ، والله الذي لا إله إلا هو تدخل في سعادةٍ لا توصف ، حينما تعقد العزم على التوبة النصوح ، وحينما تصطلح مع الله سبحانه وتعالى ، وحينما تقوم للصلاة ، تقوم لتتصل بالله عزَّ وجل ، لذلك تهيئ نفسك من وقتٍ طويل ، ما بين الصلاتين تهيئةٌ للصلاة الثانية ، ما بين الظهر والعصر تهيئةٌ لصلاة العصر ، ما دام أن ليس هناك كذب ، ولا غيبة ، ولا نميمة ، ولا بهتان ، ولا نظرة ، ولا مخالفة ، ولا معصية ، كلك صدق ، وأمانة ، وخدمة ، وطاعة ، وبحث عن عمل صالح ، يا ترى الإنسان أول ما يستيقظ صباحاً هل يقول : يا رب ارزقني عملاً صالحاً ترضى به عني ؟ فالواحد يحاسب نفسه : هذا اليوم كيف مضى ؟ مضى في القيل والقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال ، مضى بكسب الرزق ، مضى في المشاحنة والخصام ، وبعدها عندنا درس الأحد ، عندنا درس الجمعة ، والله هذا الذي لا يرضي الله عزَّ وجل .

      فالذي أتمناه على كل إخواني الأكارم أن هذا وقت مبذول ، تأتون من مكان بعيد ، يجب أن تستفيد من هذا الوقت بأعلى درجة ممكنة ، فالقضية لا بالكتابة ، ولا بالقراءة ، ولا بالتأليف ، ولا بسماع المحاضرات ، ولا بسماع الخُطَب ، ولا بتحصيل الثقافة ، هذه كلها أشياء لابد منها ولكنها غير كافية ، يعني إذا ما دخل الإسلام بصميم حياتك ، إذا ما دخل الإسلام إلى مشاعرك ، فإذا قرأت القرآن هل تدمع عيناك ؟ هل يقشعر جلدك ؟ هذا كلام الله ، على قدر تفاعلك مع هذا الكتاب، على قدر الانضباط ، على قدر البذل ، على قدر العمل الصالح تتفاعل مع كتاب الله ، فقد تأتي على المؤمن ساعة ..

       والله أنا قرأت حديث ، سبحان الله ، النبي عليه الصلاة والسلام ذاتٍ ليلةٍ افتتح البقرة فقال بعض أصحابه : يركع عند المئة ، ثم مضى ، فقلت : يصلي بها بركعةٍ ، فمضى ، فقلت يركع بها، قرأ النساء ، قرأ آل عمران .

       نحن إذا أطلنا نقع في مشكلة ، يا ترى هل هناك هذا السرور بإطالة القرآن بالصلاة ؟ يجب أن يكون لكل واحد ساعة مع ربه يسعد بها ، له مثلاً ساعة قيام ليل يصلي ركعتين ، ثلاثا ، ستً ، ثماني ، قرأ آيات طويلة ، شعر أنه ذاب ذوبان محبة لله عزَّ وجل ، إذا لم يكن له قلب يخفق بمحبة الله ، وله جوارح تقشعر من خشية الله ، ولا انضباط كامل ، ورع على مستوى الليرة ، والنصف ليرة ، والفرنك لهذه الدرجة ورع ؟ أحد التابعين كان لا يأكل مع أمه في قصعةٍ واحدة ، فسألوه لمَ؟ فقال: والله أخاف أن تقع على عين أمي لقمة فتسبقها يدي إلى فمي ، لهذه الدرجة ورع ؟! الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه ما وقف في ظل بيتٍ مرهونٍ عنده لئلا يستفيد منه  ، يعني ورع إلى درجة ، ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعة من مخلط .

      مادام قلب الإنسان ينبض ، مادام فيه حياة ، فالقضية سهلة كثير ، الصلحة بلمحة ، اعمل جردًا ؛ في بيتك ، خارج بيتك ، عملك ، دخلك ، مصروفك ، علاقاتك ، زياراتك ، أصدقاءك ، نشاطاتك ، فيها مخالفات للشرع ؟ فيها شيء لا يرضي الله ؟ فيها مجاوزات ؟ فيها تقصيرات ؟ اعمل انضباطًا  .

        فهل هناك أسعد في الحياة كلها من أن تسعى لمرضاة الله عزَّ وجل ؟ هل في الحياة كلها في موقف أشرف من أن تبحث عن طاعة الله ؟ أو موقف أشرف من أن تخدم عباد الله ؟ لا نريد كلامًا ، نريد عملا ، الكلام انتهى ، والله الآن الدنيا ممتلئة بالكلام ، في أي موضوع ، في كتب ، وفي مجلات ، وفي بحوث ، وفي أشرطة ، وفي محاضرات مصور بصورة وصوت ، وملون ، وغير ملون ، ومع بيانات ، ومع تصاوير ، ومع أدلة ، ومع براهين ، العالم الآن مفعم بالكلام ، أما الصحابة الكرام فكانوا إلى أن يفعلوا أقرب إلى أن يقولوا .

      فيمكن لله أن يجعل على يد واحد هدى أمة بأكملها ، أو مجتمع بأكمله ، فقضية البطولة مفتوحة ، باب البطولة مفتوح ، لما يكون الإنسان محسوبًا على الناس أنه ديِّن ، أين ذاهب ؟ على الجامع ، من أين جئت ؟ من الجامع ، فلان صاحب دين ، فلان تمشيخ ، فلان تلميذ الجامع الفلاني، فأنت محسوب على المسلمين ، يا ترى ماذا فعلت ؟ سؤال كبير ، أنت حجمك عند الله بحجم عملك ، ما الذي فعلته في هذه الحياة ؟ ما الذي بذلت ؟ ألك عملٌ تلقى الله به ، حينما يأتي ملك الموت ؟

       موضوع الموت خطير جداً ، لما يدخل الإنسان غرفة مظلمة ، أغلق الباب عليه ، هذه أحد حالات القبر ، تفضل صلِّ ، تفضل أقبل على الله عزَّ وجل ، يا ترى هل عندك عمل تلقى الله به ؟ هل لك عمل ترضى عنه ؟ هل لك عمل يرفعك الله عزَّ وجل من أجله ؟ فلما يصير الدين ذهابا إلى المسجد ، وعودة منه ، وعدم انضباط ، عدم التزام ، عدم بذل ، وقوع في غيبة ، ونميمة ، وبهتان ، ومشكلات ، فالمشكلة خطيرة .

      فالذي أرجوه من الله سبحانه وتعالى أن يهدي قلوبنا إلى طاعته ، وإلى محبته ، وإلى العمل بسنة نبيه عليه الصلاة والسلام ، فأنا أحب علم الأحاديث ، وعلم السِيَر ، لكن أحب أكثر أن أرى إنسانًا دخل الدين إلى كل خليَّة من خلاياه ، وكيان نفسه ، وعقله ، ومشاعره ، وجوارحه كلها مع هذا الدين ، بيته ، انضباطه ، سلامة صدر ، ذاتية ، صفاء ، ود ، تواضع ، عطاء ، لما يكون الإنسان كذلك فهذه القضية تحتاج إلى شيء من العبادة الصحيحة .

        لما يعاهد الأخ من الإخوان الأكارم نفسه على قيام ركعتين من الليل قبل صلاة الفجر ، في شهر من الزمان ، يجد وجه قد تألق ، شعر بسعادة ، شعر أنه قريب من الله عزَّ وجل ، ولما يعاهد نفسه أن يقرأ من القرآن جزءًا ، نصف جزء ، ربع جزء ، لكن قسم ، أقل شيء خمس صفحات تقرأها يومياً بخشوع ، ويتدبر الآيات ، ولما يعاهد نفسه على أن يذكر الله كل يوم ربع ساعة ، جلسة مع الله ساعة زمن ؛ قسمًا للقرآن ، وقسمًا للذكر ، وقسمًا للصلاة ، وقسمًا للتهجُّد ، جلسة صباحية يومية مع شيء من قيام الليل ، مع أداء الصلوات بإتقان ، تجد حالك قد صرت إنسانًا آخر، هذه المعلومات ليست لها قيمة إلى الحد الذي تصبح هي كل الدين .

       لكن لما يكون للإنسان هذه الصلة بالله عزَّ وجل ، جاهد تشاهد ، اعمل أعمالا صالحة ، وانضبط ، وافعل الخيرات ، وساعتئذٍ قل لي : كم هي الحالة السعيدة التي تغمرك ؟ فهذه الملاحظة، فطريق الإيمان طريق يحتاج إلى انضباط ، إلى موارد ، إلى أوراد ، إلى ذكر ، إلى صلاة ، إلى تهجد ، إلى قيام ليل ، إلى عمل صالح ، ولما يبذل الإنسان وينضبط ، والله لو تسأله : كيف حالك ؟ ليقول لك : ليس في الأرض من هو أسعد مني ، والله أنا لا أبالغ إذا انضبط الإنسان، واصطلح مع الله عزَّ وجل ، واتقدت نفسه بمحبة الله عزَّ وجل ، لو أنك سألته سؤالاً صريحاً : كيف حالك ؟ قد يكون هذا الإنسان يعيش في وسط من أناسٍ مقهورين ، متعبين ، في ضياع ، في قلق ، في خوف يقول لك : والله ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني ، هذه علامة الإيمان ، الحياة جميلة جداً في طاعة الله ، الإيمان له عز .

      أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، وأظنه سيدنا الحسن ، قالوا :

   ـ يا سيدنا ، أو يا فلان أتيهٌ في الإسلام ؟

   ـ قال : هذا عز الطاعة .

       إذا أطاع الإنسان الله عزَّ وجل يشعر بعزة ما بعدها عز .

*  *  *  *  *

       فنحن عندنا أحاديث أختارها لكم من كتاب رياض الصالحين ، وهذا الكتاب ـ كما تعلمون ـ يحتوي على الأحاديث الصحيحة ، ومن هذه الأحاديث حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما ، طبعاً سيدنا العباس من أصحاب رسول الله ، وسيدنا ابن عباس من أصحاب رسول الله ، فإذا ذكرت صحابياً وابنه أو وأباه ، فيجب أن تقول : رضي الله عنهما .

      عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ )) .

( رواه البخاري )

      هذا الحديث في باب المجاهدة من كتاب رياض الصالحين .

      نعمة الصحة لا يعرفها إلا مَن فقدها ، وقد قالوا : من أدرك الإسلام والصحة ما فاته شيء ، والصحة تاجٌ على رؤوس الأصحاء ، لا يراه إلا المرضى ، فلما يكون الإنسان بقوته ، وبسمعه ، وبصره ، وعقله ، وصحته ، الأجهزة كلها صحيحة ؛ القلب ، والرئتان والكبد ، والكليتان ، والعضلات ، والأوردة ، والشرايين ، والعظام ، والدماغ ، والغدد الصمَّاء ، والطحال ، والبنكرياس ، والكظر ، والأجهزة كلها تعمل بانتظام فهذه نعمةٌ لا تعدلها نعمة .

      هناك من يخيَّر ، لو أن له مئات الملايين ، ويفقد بعض أعضائه ، أو بعض أجهزته لما رضي ، فالإنسان الصحيح غنيٌ ، وأي غنيّ ، فربنا عزَّ وجل ما جعل هذه الصحة كي تستنفذها في الأمور التافهة ، هذه القوة ؛ أن تمشي ، أن تنهض ، أن تستخدم يديك ، أن تستخدم حواسك ، هذه كلها يجب أن تستخدم في طاعة الله عزَّ وجل ، هذه العين يجب أن ترى بها آيات الله ، هذه الأذن يجب أن تستمع بها إلى الحق ، هذا اللسان يجب أن ينطق بالحق ، هذه اليد يجب أن تساعد بها المحتاجين ، هذه الرِّجل يجب أن تنتقل بها إلى المسجد ، أو إلى عملٍ شريف ، أو إلى عملٍ صالح ، لذلك : (( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ )) .

       الذي عنده وقت فراغ ، ويتوانى عن حضور مجلس علم ، فهذا له حسابٌ خاص ، في الفراغ اقرأ القرآن ، والمؤمن يوم القيامة لا يتألم إلا على ساعةٍ مضت لم يذكر الله فيها ، أنت بهذه الساعة اقرأ القرآن ، اذكر ربك ، مُْ بالمعروف ، وانه عن المنكر ، اقرأ بحثًا علميًّا تستفيد منه ، اقرأ موضوعًا في الفقه ، اقرأ شيئًا من السيرة ، عاون أهلك ، اخدم جيرانك ، اكتب موضوعًا ، اعمل عملا ، فهذا الوقت ثمين جداً  ، فالإنسان بضعة أيام ، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه ، فهذا الذي أتمناه عليكم أن يكون الوقت أثمن شيء في حياتنا .

        كل يوم ينشق فجره يقول : يا ابن آدم أنا خلقٌ جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني ، فإني لا أعود إلى يوم القيامة .

        لما يستيقظ الإنسان ويفتح عينيه يجب أن يعلم أن الله سبحان