English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

    شرح  الحديث الشريف : رياض الصالحين  : رياض الصالحين : باب المجاهدة  . فضل المجاهدة " يا عبادي إني حرمت الظلم ... ، وقصة سيدنا عمر ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... لازلنا مع دروس الحديث النبوي الشريف ، ولازلنا في الحديث السابع عشر ، من باب المجاهدة ، من كتاب رياض الصالحين ، والحديث الذي بدأنا شرح بعض معانيه في دروسٍ عدة ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ : ((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ )) .

[رواه مسلم وأحمد]

       يعني مادام هذا القلب ينبض فباب التوبة مفتوح ..

( سورة الزمر : من آية " 53 " )

وكما جاء في الحديث القدسي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ((يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً)).

 ( من الدر المنثور : عن " ابن عباس " )

      و .. " إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله " .

      العجب العجاب أن ترى إنساناً مقيماً على معصيةٍ ، وباب التوبة مفتوح ، والأيام تمضي ، لو نظرت إلى ساعتك ، انظر إلى عقرب الثواني كلَّما تحرك هذا العقرب درجةً واحدة ، فقد نقص العمر ثانية ، واقتربت من الموت ثانية ..

دقات قلب المرء قائلةٌ للـــه          إن الحيـاة دقائـقٌ وثوانٍ

فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها           فالذكر للإنسـان عمرٌ ثانٍ

*  *  *

      إذا أيقن الإنسان بالموت ، وإذا أيقن أن هناك إلهاً عظيماً سيحاسبه عن كل عمله ..

( سورة الحجر )

         وأنه بعد الموت لا رجعة إلى الدنيا ، وأنه إما إلى جنةٍ يدوم نعيمها ، أو إلى نارٍ لا ينفد عذابها ، فماذا ننتظر ؟ يقول سيدنا عمر رضي الله عن سيدنا عمر : " عجبت لثلاث ؛ عجبت لمؤملٍ والموت يطلبه ... " ، مؤمِّل ، وحول هذا الموضوع آلاف القصص ، إنسان كان يحلم ببيت معين ، بقي يبنيه ، ويرتبه ، ويزيِّنه ، ويفرشه بأفخر الأثاث ، ولم يستطع أن يسكن فيه ، فكم من إنسانٍ بنى بيتاً ، ولم يسكنه ، وكم من إنسانٍ تزوج امرأةً ، ولم يتمكَّن من أن يقترن بها ، تزوج بها ، وعقد العقد ، ولم يتمكن من أن يقترن بها ، وكم من إنسانٍ نال شهادةً ، ولم يبق في حياته فسحةٌ ليستفيد منها ، هناك إنسان ينام فلا يفيق ، وهناك إنسان يستيقظ فلا ينام ، وهناك إنسان يذهب فلا يعود ، وهناك إنسان وهو في زحمة العمل ، وهو في أوج نجاحه ، جاءه مَلَك الموت ، فـ " عجبت لثلاث : لمؤملٍ والموت يطلبه ، وغافلٍ وليس بمغفولٍ عنه ، وضاحكٍ ملء فيه ولا يدري أساخطٌ عنه الله أو راضٍ " ، لذلك :

( سورة المدثر )

       أحياناً يسترسل الإنسان ، لكن حينما يسأل ، وحينما يحاسب يقول : لم أر خيراً قط في حياتي ، في بعض الآثار أن الإنسان حينما يموت ، ويرى مقامه في الجنة يقول : " لم أر شراً قط في حياتي ... " ، كل المصائب التي ساقها الله له ، وكأنها ليست بشيء ، وأهل الدنيا إذا جاءهم الموت يصيحون صيحةً لو سمعها الناس لصعقوا ، يروى أن إنسانًا ذميًّا ، فقيرًا ، شقيًّا ، متعبًا ، جائعًا ، مريضًا ، يعمل في مهنة حقيرة قذرة ، رأى عالماً من علماء المسلمين يركب فرسه ، وحوله بعض إخوانه ، وهو معززٌ ، مكرمٌ ، مبجلٌ ، يرتدي أجمل الثياب ، تفوح منه رائحةٌ عطرة ، فهذا الذمي كان قد سمع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ)) .

(صحيح مسلم عن أبي هريرة)

      لم يحتمل هذا الحديث ، كيف ؟! فالتقى بهذا العالم الإسلامي في الطريق وقال : يا سيدي يقول نبيكم : ((الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ)) ، فأيّ سجنٍ أنت فيه ، وأية جنةٍ أنت فيها ؟! فما كان من هذا العالم إلا أن قال له : " لو قست ما أنت عليه بما سوف ينتظرك فأنت في جنة ، ولو قست ما أنا عليه ، وما ينتظر المؤمن فأنا في سجن " ، لهذا ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ : ((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ)) .

( متفق عليه)

      دائرة المشاهدات محدودة ، لكن دائرة المسموعات أكبر منها بكثير ، بينما دائرة الخواطر ليست محدودة ، فـ.. ((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ)) .

( من الجامع لأحكام القرآن )

       حينما يتوب الإنسان ، ويتوب الله عليه ، يعرف طعم التوبة ، طعم التوبة لا يوصف ، وحينما يتوب يشعر وكأنه أصبح إنساناً آخر ، بعد الصُلح مع الله ، حينما يفتح الله لك صفحةً جديدة ، ويطوي كل الصفحات ، فالإسلام يجبُّ ما قبله ، ويهدم ما كان قلبه ، إذا فُتِحَت لك مع الله صفحة جديدة تشعر أنك إنسان آخر ، لذلك يصب في قلب التائب من سعادة ، ومن تجلي ، حيث إنه يرى أنه أسعد الناس جميعاً ، فباب التوبة مفتوح ، والله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي : ((للهُ أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد)).

( من الجامع الصغير : عن " أبي هريرة " )

      أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ، إذا ضيعت شيئاً ثميناً ، ثم عثرت عليه ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد الذي أوشك على الهلاك .

      فهذه الفقرة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أن : ((يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ )) .

      الحقيقة ليس العار أن يخطئ الإنسان ، لأن الإنسان غير معصوم أولاً ، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)) .

 ( رواه الترمذي)

      ليس العار أن تخطئ ، ولكن العار أن تصرَّ على خطئك ، لذلك يفرق العلماء بين الأمي والجاهل ، فرقٌ كبير ، الأمي إنسان وعاؤه فارغ ، يقبل أيّ شيءٍ يوضع فيه ، فتعليم الأمي سهل جداً ، إنسان وعاء نفسه فارغ يتقبل منك أي شيء ، لكن الجاهل هو الذي امتلأ وعاؤه مغالطات وعلاقات غير صحيحة لا يؤكدها الواقع ، لذلك هناك مشقة كبيرة في إقناعه بالحق ، هو ينطلق من قواعد غير صحيحة ، من علاقات لا يؤكدها الواقع ، فالجاهل هو الذي يعلم ، ولكن لا يعمل بما يعلم ، أو هو الذي ينطوي على مفاهيم ، وعلاقات ، ومنطلقات خاطئة أو غير صحيحة ..

      فـ ((يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ )) ، ليس العار أن تخطئ ، ولكن العار أن تصر على خطئك ، ليس العار أن تخطئ ، ولكن العار ألا تتوب وباب التوبة مفتوح .

       هناك آيةٌ تلفت النظر ، الله سبحانه وتعالى في بعض الآيات يقول : ] ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [ .

( سورة التوبة : من آية " 118 " )

      ربنا عزَّ وجل لشدة رحمته أحياناً يلجئ العبد إلى التوبة ، يلجئه ، يضيق عليه ، يصيبه ببعض المصائب ، يحيطه بجوٍ مخيف ، يلقي في قلبه الذعر ، يلقي في قلبه الهم ، هذا التضييق هو معنى قوله تعالى : ] ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [ .

( سورة التوبة : من آية " 118 " )

         فإذا قلت لشخص : الله يتوب عليك ، لا تظن هذه الكلمة سهلة ، هذه كلمة دقيقة ، ولها أبعاد عميقة ، وربنا عزَّ وجل لا يدع المؤمن من دون أن يمحِّصه ، ومن دون أن يتوب عليه .

       فـ .. ((يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي)) .

       بعض المؤمنين الصادقين يحاسب نفسه حسابًا يوميًّا ، وحسابًا دقيقًا ، فإذا زلت قدمه ، أو أخطأ لسانه ، أو وقعت منه نظرةٌ لا ترضي الله عزَّ وجل ، أو وقعت منه كلمةٌ لا ترضي الله عزَّ وجل ، يبادر بعملٍ صالح يمحو به تلك الخطيئة ، لقول الله تعالى : ]إِنَّ الْحَسَناَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ[  .

      فمؤمن تكلم عن أخيه ، وثرثر ، وتكلم عن أخيه ، ووقع في الغيبة ، يلزم نفسه بصدقةٍ ، الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه كان إذا حلف يميناً في البيع والشراء ـ وكان تاجراً ـ وهو صادق في يمينه ، كان يلزم نفسه بمبلغٍ معين ، ثم بدأ يرفع هذا المبلغ ، إلى أن كف عن حلف اليمين في البيع والشراء ، قال عليه الصلاة والسلام ، طبعاً اليمين صادق ، لكن الأكمل لا تحلف، لكن اليمين الكاذبة كما وصفها النبي عليه الصلاة والسلام بأنها : ((الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ)) .

( متفق عليه عن أبي هريرة)

      يقول الشاعر :

لا يعرف الشوق إلا مَن يكابده    ولا الصبابة إلا مَن يعانيها

*  *  *

      إذا تاب الإنسان إلى الله توبة نصوحا ، وعاهد الله على أن يلزم نفسه بطاعة الله بكل ما أمر الله ، يلقي الله في قلبه طمأنينةً ، وتجلياً ، ونوراً لا يعرفه إلا مَن ذاقه .

      والإمام الغزالي رحمه الله تعالى يبين أن التوبة أساسها علمٌ ، وندمٌ ، وعمل ، إن صح التعبير للتوبة أركانٌ ثلاثة : العلم ، والندم ، والعمل ، أو كان يقول : علمٌ ، وحالٌ ، وعمل .

      أنت أيها الأخ الكريم تحضر مجالس العلم لتكتسب العلم ، فبالعلم تعرف أين أنت من الشرع ، هل هناك شبهة في دخلك ؟ هل هناك شبهة في إنفاق المال ؟ هل هناك معصية في البيت ؟ هل هناك مخالفة في العلاقة مع زوجتك ، مع أولادك ، مع جيرانك ، مع زبائنك ؟ هل هناك تقصير مع ربك في العبادات ؟ كيف تعرف أنك لست على الحق ؟ كيف تعرف أن هناك خللاً في حياتك ؟ لابد من العلم ، فإذا حضر الإنسان مجلس العلم ، وكما يقول بعضهم : إن بذل الوقت لحضور مجلس العلم زكاة الوقت .

      ربنا عزَّ وجل أحياناً بغلطة بسيطة يجعل وقتك يستهلك استهلاكا رخيصًا ، غلطة في التعامل مع الآلة أحياناً فتتعطل ، تبذل ثمانين ساعة لتصليحها ، مع الهم ، والحزن ، والسفر ، ودفع المال ، فلما يضن الإنسان على ربه بساعة ، أو ساعتين في الأسبوع يحضر فيها مجلس علم يتعرف إلى الله عزَّ وجل ، يتعرف إلى معاني كتابه الكريم ، يتعرف إلى معاني حديث رسول الله ، يتعرف إلى أحكام الفقه ، يتعرف إلى هؤلاء الصحابة الكرام الذين كانوا مُثُلاً عليا ، إذا ضن الإنسان بوقته ليحضر مجلس علم ، ربما ضاع من وقته ساعاتٍ طويلة مع الغيظ ، والألم ، والنكد ، فإذا حضر الإنسان مجلس العلم فكأنما زكَّى عن وقته ، لأن الوقت مال ، كيف هو مال ؟

      الذي عنده محل تجاري ، وإغلاق المحلات الساعة الثامنة ، فإذا بقي من الساعة السادسة للساعة الثامنة حتماً فيها بيع وشراء ، قد يحصل في هذه الساعتين مئة ليرة ، مئتين ، ستمئة ، بحسب نوع العمل ، فلما أغلق المحل ، وذهب إلى المسجد ليحضر مجلس العلم ، فكأنما دفع شيئاً من المال ، كان من المكن أن يقبض هذا المال ، ها هو يمتنع عن قبض هذا المال فكأنما دفعه في سبيل الله ، فلذلك حضور مجلس العلم من نوع تأدية زكاة الوقت ، والقصص حول التوفيق الذي يناله الإنسان إذا ضحى بوقته من أجل معرفة ربه ، لا تعد ولا تحصى .

       فـ  ((يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ)) ، فالتوبة علم وحال وعمل ، علم لابد من أن تعرف شرع الله من أجل أن تقيس أعمالك بهذا الشرع ، الشرع مقياس في كسب المال ، في إنفاق المال ، في العلاقات الاجتماعية ، في الحواس الخمس ، كيف أنظر ، كيف أغض بصري ماذا أسمع ، ماذا ينبغي أن أسمع ، ماذا ينبغي ألا أسمع ؟ لابد من معرفة أوامر الشرع ، فالتوبة من أركانها العلم .

      وركنها الثاني الحال ، يعني لابد من أن يشعر التائب بندمٍ شديد على ما مضى من ذنوب ، هذا الندم يؤكد صحة توبته ، وهذا الحال حال الندم لابد من أن ينقل الإنسان إلى حالٍ آخر ، أو إلى عمل ، ينطلق إلى طاعة الله ، يلغي كل معصية ، كل مخالفة ، يصحح كل مخالفة متعلقة بحقوق العباد ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :