English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

  شرح  الحديث الشريف : رياض الصالحين  : باب كثرة طرق الخير ، حديث : " الإيمان بضع وسبعون ... " : وقصة سيدنا عثمان بن عفان ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... لا زلنا في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام المتعلقة ببيان كثرة طرق الخير ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ)) .

(متفق عليه)

((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً)) ، شك الراوي في أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : بضع وسبعون أو قال بضع وستون ، هذا منتهى الدقة في نقل الأحاديث ، عَنْ الْمُغِيرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ )) .

( متفق عليه)

       فمن روى حديثاً ، وصرح أن النبي عليه الصلاة والسلام قاله ، وهو يعلم أنه لم يقله ، فليتبوأ مقعده من النار ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام رحمة بنا قال متعمِّداً ، لأن الإنسان قد ينطلي عليه قول يظنه للنبي عليه الصلاة والسلام ، وهو ليس للنبي e ، فمن روى كلاماً ، ونسبه إلى النبي خطأً من دون قصدٍ ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال : ((إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)) .

( ابن ماجه عَنْ أَبِي ذَرٍّ)

أما .. ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ )) .

( متفق عليه)

      الأحاديث أعلاها المتواتر تواترًا لفظيًا ، وبعده يأتي التواتر المعنوي ، وبعده يأتي الحديث الصحيح ، وبعده يأتي الحديث الحسن ، وبعده يأتي الحديث الضعيف  ، علماء الحديث قبلوا الحديث الضعيف في المعاملات ، في الأخلاق ، أما أن يستنبط من حديث ضعيف حكم شرعي فهذا لا يجوز ، وأما الموضوعات ؛ فهذه أحاديث باطلة لا أصل لها ، فيجب عن المسلم أن ينزِّه لسانه عن رواية الأحاديث الموضوعة ، إذاً عليه أن يتحقق ، إذاً طلب العلم واجب على كل مسلم، هذا الكلام ساقنا إليه قول الراوي : ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً)) ، ليس متأكدًا ، بضع وسبعون ، أو بضع وستون .

((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ)) .

(متفق عليه)

       ومعنى متفق عليه ، أي أن أئمة الحديث اتفقوا على صحَّته ، إذا قلت : رواه الشيخان ، أي البخاري ومسلم ، إذا قلت : متفق عليه ، أي أن أئمة الحديث اتفقوا على صحة هذا الحديث ، وبالمناسبة تحرَّ أن يكون عندك كتاب للحديث النبوي الشريف ، ترجع إليه عند الضرورة .

       فالإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة ، فأفضلها قول لا إله إلا الله ، العلماء قالوا : نهاية العلم لا إله إلا الله ، فإذا تيقنت أنه لا إله إلا الله ، لا مسير ، لا معطي ، لا رازق ، لا مانع، لا رافع ، لا خافض ، لا معز ، لا مذل ، لا قابض ، لا باسط ، إذا تيقنت أنه لا إله إلا الله ، وليس في الكون إلا الله ، وإذا تيقنت أن كل شيء ما خلا الله باطل ، إذا تيقنت أن يد الله فوق أيديهم ، إذا تيقنت أن الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ، إذا تيقنت أن بيده الخلق والأمر ، إذا تيقنت أنه إليه يرجع إليه الأمر كله فاعبده وتوكل عليه ، إذا تيقنت أن كل ما في الوجود لا يستطيعون ولو اجتمعوا أن ينفعوك بشيء حتى يأذن الله ، ولا أن يضروك بشيء حتى يأذن الله ، هذا هو التوحيد ، التوحيد يقودك إلى طاعة الله ، ونبذ ما سواه ، والشرك يقودك إلى معصية الله وطاعة من سواه ، فالذي يعصي الإله ، ويطيع المخلوق في معصية الخالق ، فهو قطعاً مشرك ، يقول الله سبحانه وتعالى :

( سورة النساء )

       في هذه الآية أمر ، ونهي ، لماذا جاء الأمر مع النهي ؟ لأن من مقتضيات الأمر ألا تعبد أحداً معه ، فإذا عبدت أحداً معه فقد أشركت فالذي يقول : لا أستطيع ، أخاف من فلان ، أخاف أن يقول الناس عني كذا وكذا ، أستحي من أن أتهم بكذا وكذا ، هذا الذي يقول هذا القول لا يعرف الله أبداً ، ولو عرفه لما عبد سواه .. ] فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ * إِنِّ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ .

(هود : الآية 55-56)

نوافل العبادات ، نوافل المعاملات ، نوافل الأعمال الصالحة ، جميع هذه النوافل ليست مقبولةً ما لم تؤدَّ الفرائض ، إنسان لا يصلي ، لكنه عمَّر مسجدًا ، لا ، لابد من أن يصلي أولاً ، التقرب إلى الله لا يكون بالإحسان من دون صلاة ، هناك تسديد ، وهدى ، ورشاد ، وتوفيق ، وتوجيه نحو ما ينفعك .

       هذا الوحي كله ، فحوى رسالات الأنبياء ، ملخص القرآن الكريم ، كلمة النجاة ، كلمة الخلاص ، كلمة الفوز ، والله فهمها سهل ، ولكن والله أن تعيشها شيء يحتاج إلى جهود جبارة ، فهم المعنى سهل ؛ لا رافع ، ولا خافض ، ولا معز ، ولا مذل ، ولا معطي ، ولا مانع ، ولا ضار ، ولا نافع إلا الله ، المعنى سهل ، لكن البطولة أن تواجه خطراً فتعتقد أن الله بيده كل شيء، أن تواجه شخصاً مخيفاً ، يخافه جميع الناس ، أنت كمؤمن أن تعتقد أن هذا الشخص المخيف الذي يخافه جميع الناس لا يستطيع أن يتحرك ولا قيد أنملة إلا بإذن الله ، هذا هو الإيمان..

( سورة الكهف )

       "لكل شيء حقيقة ، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه " ، وما من إنسان يصيبه الهم والحزن إلا لنقص إيمانه بـ : لا إله إلا الله ، ما من إنسان يقع في معصيةٍ خوفاً على حياته أو خوفاً على رزقه ، إلا لنقص إيمانه بـ : لا إله إلا الله ، ما من إنسان يصيب قلبه الفزع إلا بنقص إيمانه بـ : لا إله إلا الله ، لأن ربنا عز وجل قال :

 ( سورة آل عمران : من آية " 151" )

       لأنهم أشركوا قذف الله في قلوبهم الرعب ، الله سبحانه وتعالى يقول:

( سورة الشعراء  )

       إنه من ضعف اليقين كما قال عليه الصلاة والتسليم : ((إنه من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله ، وأن تحمدهم على رزق الله ، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله)) .

(الجامع الصغير)

       هذا هو ضعف اليقين هكذا ، الإيمان بضعه وسبعون أو بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله ، القول سهل ، ولكن الله عز وجل في نص القرآن الكريم ، وفي آية محكمة ، وفي صيغة الأمر يقول لك :

 ( سورة محمد: من آية " 19" )

       فاعلم ، يجب أن تعلم ، إذاً يجب أن تتعلم ، إذاً يجب أن تحضر مجالس العلم ، يجب أن تسأل ، يجب أن تتحقق ، يجب أن تتوثَّق ، يجب أن يبلغ علمك بهذا الموضوع علم اليقين ، وهذه قضية مصيرية ، أنا أؤكد لكم ذلك ؛ لو أن مخلوقاً يخشى بأسه أمرك بمعصية الله ، فإذا أيقنت أن هذا المخلوق بيد الله ، وأنه لا إله الله تقول : معاذ الله ، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، إذاً تنجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فإذا كان إيمانك بـ : لا إله إلا الله ضعيفاً ، فأغلب الظن أنك تنساق لطاعة هذا المخلوق في معصية الخالق ، ما الذي يحدث ؟ تغضب الله وتغضب الناس ، " من أرضى الله بسخط الناس رضي عنه الله وأرضى عنه الناس ، ومن أسخط الله برضى الناس سخط عنه الله وأسخط عنه الناس " .

       وكما جاء في الحديث القدسي : ((أنت تريد ، وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد)) .

        لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام : ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)) ، هذه العقيدة الصحيحة ، هذه فحوى العقيدة ، قال عليه الصلاة والسلام : وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ)) ، أن تزيح حجراً ، أن تزيح غصناً ، يعترض الناس في طريقهم ، أن تزيح قشرة موز ، الآن لا يوجد قشر موز ، إزاحتها أيضاً من العمل الصالح ، هذا كله من العمل الصالح ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، كأن النبي عليه الصلاة والسلام أعطاك للإيمان أعلى درجاته وأدنى درجاته ، وبين هاتين الدرجتين العليا والدنيا ، درجات لا يعلمها إلا الله ، إطعام الطعام بين هاتين الدرجتين ، لما يميط الإنسان الأذى عن الطريق فهذه صدقة ، هذا إيمان ، مؤمن أن الله سبحانه وتعالى يحب أن تخدم عباده ، مؤمن أن الله سبحانه وتعالى رب رحيم ، " والخلق كلهم عياله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله " هذا إيمانه ، إنسان أحياناً يتكلم كلمة ينصح فيها مسلم ، يشتري آلة فيقول له : انتبه إلى نوع الكهرباء التي عندك ، انتبه لئلا تحرق المحرك ، هذه الكلمة إيمان ، هذا مسلم دفع ثمن آلة من كد يمينه ، وعرق جبينه ، فلو أخطأ في استعمالها لكلفه ذلك مبلغاً كبيراً ، فتوجيه النصيحة له إيمان .

        إذا كانت إماطة الأذى عن الطريق إيمان ، إيمان بأن الله يثيبك على هذا العمل ، إيمان بأن الله يحب عباده جميعاً ، إيمان بأنك إذا خدمت عباد الله أحبك الله ، إيمان بأن هذا العمل لا يضيع ، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ)) .

(الترمذي)

فدخل في هذا الأذى عن الطريق ؛ كحجر في الطريق أزحته برجلك ، وما كلفك شيئًا ، إذا كان هذا إيمانًا فبرُّ الوالدين درجة أعلى ، إنصاف الزوجة ، أن تُعْنَى بأولادك ، أن تؤدي حق جارك ، أن تطعم الطعام ، أن تفشي السلام ، هذا كله إيمان ، فأي عمل صالح يعبِّر عن إيمانك بالله عز وجل، أن ترد غوث الملهوف ، أن ترشد الضال إلى ضالته ، أن تقود الأعمى ، أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ، من حياتنا الاجتماعية ؛ أن تعين أخاً لك على شراء بعض حاجاته ، الوقت ثمين ، أنت عندك خبرة بغرف النوم ، أخوك المؤمن مقدم على زواج ، فنزلت معه إلى السوق ، وأمضيت في السوق ساعتين ، هذا إيمان قطعاً ، أن تدرّس أخاك الضعيف في مادة معينة، أنت قوي في الرياضيات ، لك أخ مؤمن ضعيف في الرياضيات ، جلست معه تدرسه هذا إيمان .

       سبحان الله ! هذا الحديث أعطانا أعلى درجة في الإيمان ، وأعطانا أدنى درجة في الإيمان، وبين أعلى درجة ، وأدنى درجة ، درجات لا يعلمها إلا الله ، أي عمل صالح إيمان ، أي معروف إيمان ، أن تلقى أخاك بوجه طلق إيمان ، أحياناً تكون في مركبة عامة ، وأنت جالس ، وقد خرجت من عملك منهك القوى ، وما صدقت أن وجدت مكاناً فارغاً في هذه المركبة العامة ، وجلست خائر القوى ، فإذا امرأة مسلمة محجبة تقف وابنها على يدها ، ماذا تفعل أنت ؟ أن تقوم من هذا المجلس الذي كان أحد أحلامك ، وتقعد هذه المرأة مكانك هذا إيمان .

       هناك أناسٌ ، والله أنا شاكر لهم ، ولكن من أنا حتى أشكرهم ؟ أناس يخدمون في هذا المسجد ؛ ينظفون ، ينقلون ، يهيِّئون لدرس الجمعة ، ودرس الأحد ، ودرس السبت ، هؤلاء يعملون لله عز وجل ، هذا إيمان ، هذا بيت الله ، ومَن أنا حتى أشكرهم الله يشكرهم ، ألم يقل سيدنا عمر رضي الله عنه ، حينما جاءه رسول من إحدى المعارك قال :

   ـ  يا أمير المؤمنين مات خلق كثير .

   ـ قال : مَن هم ؟

   ـ قال : أنت لا تعرفهم .

   ـ قال : وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم ؟ ولو أني لا أعرفهم فالله يعرفهم .

        أحياناً في التعامل التجاري ؛ تبيع أخاك ، يأتيك أخ يريد أن يفتح محلا جديدًا ، تنصحه بالبضاعة التي يمكن أن يربح منها ، تعطيه ثمنًا يتناسب مع إمكانياته المحدودة ، هذا الحسم ، وهذه النصيحة في شراء البضاعة إيمان ، أحياناً يأتيك أخ يقول لك : أنوي أن أعمال بهذه المصلحة ، أنت تعلم أنها مصلحة رائجة جداً ، من ضعف الإيمان تقول : وماذا ترجو منها ، ليس في هذه المصلحة شيء ، ليس فيها رمق ، وتكون هي بالعكس ، إذا نصحته على أن يعمل بها ، ودللته على أسرارها فهذا إيمان ، أحياناً يبعث لك صديق ابنَه لتعلمه الميكانيك ، تكلفه بأعمال لا علاقة لها بالميكانيك ، وعند العمل الدقيق تبعده عن المحل ، هذا عدم إيمان ، لماذا بعث لك بابنه ، لماذا أعفاك من الأجرة ، من أجل أن تستخدمه في كنس الأرض ؟! يجب أن تعلمه هذه الحرفة ، وهذه الصنعة هذا إيمان ، فالإيمان يدخل بالبيع والشراء والعلاقات الاجتماعية والزوجية .

     لذلك الحديث : ((فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ)) ، وبينهما عدد لا يعد ولا يحصى من مراتب الإيمان ، أن تدعو إلى الله هذا إيمان ، أن تأمر بالمعروف هذا إيمان ، أن تنهى عن المنكر هذا إيمان ، أن تصل الرحم هذا إيمان ، أن تبيع بسعر معتدل رحمة بالمسلمين هذا إيمان ، أن تنصح المسلمين في بيعك وشرائك هذا إيمان ، إذا كان إماطة الأذى عن الطريق إيمان ، فهناك أعمال أعلى منها بكثير .

       ويقول عليه الصلاة والسلام : ((وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ)) ، أن تكون صادقاً هذا إيمان ، قال لي أخ يبيع قطع تبديل : طلب مني رجل قطعة ، فصعدت على السلم إلى مكان القطعة ، وأنا على السلم قال لي : هذه القطعة أصلية ؟ قلت له : لا ، فقال لي : هاتها ، كلمة : لا ، إيمان ، إظهار العيب في الشيء الذي تبيعه إيمان ، لذلك هذا الحديث أعطاك حدّين ؛ أعلى درجة في الإيمان ، وأدنى درجة في الإيمان ، وكأنه يقول لك : وهناك أعداد كبيرة جداً من الأعمال الصالحة ، كلها تنضوي فيما بين هاتين الدرجتين ، كأن تجمع الناس ، وتتلو سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، وتتحدث عن شمائله ، وعن أخلاقه ، وعن فضائله ، وعن دعوته ، وعن شجاعته ، وعن كرمه ، وعن حلمه ، وعن رحمته أليس هذا إيمان ، أليس هذا العمل أعظم من أن تميط الأذى عن الطريق ، أن تُعَرِّف الناس برسول الله إيمان .

        ويقول عليه الصلاة والسلام في تتمة هذا الحديث : ((وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ)) ، يعني الحياء والإيمان قُرِنا جميعاً ، فإذا ذهب الحياء ذهب الإيمان ، إذا ذهب أحدهما ذهب الآخر ، إذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء ، هذا الذي اغتسل عرياناً ، أعطاه النبي الأجرة وصرفه ، قال : ((إني أراك لا تستحي من الله)) .

       الحياء إيمان ، هذا الذي يتكلم بكلام بذيء ليس مؤمناً ، هذا الذي يلقي على الناس مزاحاً رخيصاً جنسياً لي