English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

   شرح  الحديث الشريف : رياض الصالحين  : باب الاقتصاد في الطاعة " المشقة ليست مطلوبة لذاتها " . وقصة سيدنا علي كرم الله وجهه ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... لازلنا مع الحديث النبوي الشريف ، ولازلنا في باب الاقتصاد في الطاعة .

      عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ((بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ)) .

( رواه البخاري )

نذر على نفسه أن يقوم في الشمس ، أن يقف في الشمس ؛ ولا يعرف شمس الحجاز إلا من زارها ، نذر أن يقوم في الشمس ، وألا يقعد ، ولا يستظل ، ولا يتكلم ، ويصوم ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : ((مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ)) .

( رواه البخاري )

      هذا الحديث فيه دلالةٌ كبيرة ، هذه الدلالة على أن المشقَّة ليست مطلوبةً لذاتها ، لكنك إذا أردت أن تصل إلى عملٍ عظيم ، لكنك إذا أردت أن تصل إلى مرضاة رب العالمين ، لكنك إذا أردت أن تفعل الخير ، لكنك إذا أردت أن تطلب العلم ، لكنك إذا أردت أن تفعل شيئاً عظيماً يرضي الله عزَّ وجل ، وكانت المشقَّة سبيلك إلى هذا الشيء ، فأنعِم بهذه المشقة ، وأهلاً بهذه المشقَّة ، فالمشقَّة في الإسلام ليست مطلوبةً لذاتها .

       لو أن هناك سيارةً تقلك إلى المدينة المنورة ، هل يعقل أن تذهب إليها ماشياً ؟ هل تظن أن الثواب لو ذهبت إليها ماشياً أكبر ؟ لا ، لأن هذه المشقة أصبحت مطلوبةً لذاتها ، لأن هذه المشقة أصبحت نوعهاً من تعذيب الإنسان نفسه ، والله سبحانه وتعالى غنيٌ عن تعذيب الإنسان نفسه ، لم نُخلق لنعذَّب ، ولم نُخلق لنعذب أنفسنا باختيارنا ، ولكن لو أنك أردت أن تصل إلى مجلس علمٍ ؛ وكان البرد شديداً ، والأمطار منهمرةً ، والمواصلات صعبةً ، ووقفت وقتاً طويلاً تنتظر مركبةً عامة تقلك إلى مجلس العلم فهذه مشقة ، ولكن هذه المشقة وسيلةٌ لطلب العلم ، إذاً أنْعِمْ بها من مشقة ، عندئذٍ يفوق أجر هذا الذي تحمَّل هذه المشقة أجر الذي لم يتحمَّلها ، عندئذٍ تدخل المشقة في الحساب ، في الأجر والثواب ، لا تدخل المشقة في الحساب والأجر والثواب إلا إذا كانت وسيلةً لعملٍ عظيم .

      النبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((لا بارك الله لي في يومٍ لم أزدد فيه من الله قرباً ، ولا بارك الله لي في يومٍ لم أزدد فيه من الله علماً)) .

      لو أن الإنسان باع واشترى ، وربح أموالاً طائلة في يوم من الأيام ، ولم يزدد في هذا اليوم من الله قرباً ، ولم يزدد في هذا اليوم من الله علماً ، فهذا اليوم ليس مباركاً ، هذا اليوم لا يمتد أثره إلى الدار الآخرة ، بل ينقطع أثره عند الموت ، مهما ربحت من أموال ، مهما أنجزت من أعمالا ، لكنك في يومٍ ما تقرَّبت إلى الله عزَّ وجل ، ازددت منه قرباً بعملٍ صالح ، ازددت منه علماً بتعلم شيءٍ من كتاب الله ، ازددت منه محبةً بأن تتقن عباداتك ، إذا كنت كذلك فقد ربح يومك ، وربحت تجارتك ، والنبي عليه الصلاة والسلام خاطب أحد أصحابه الكرام ، وقد جاء من مكة إلى المدينة مهاجراً ، لما وصل المدينة حدَّث النبي بما جرى له في الطريق ، تبعه أناسٌ وضيقوا عليه الخناق ، حتى افتدى نفسه بمالٍ له في مكة ، قال : لو دللتكم على مالي فأخذتموه هل تَدعوني وشأني ؟ قالوا : نعم ، قال : مالي في المكان الفلاني والفلاني ، فقال عليه الصلاة والسلام : ((ربحت تجارتك)) .

      إذاً ليست المشقة مقصودةً لذاتها ؛ إنسان يقف في الشمس بلا سبب ، وبلا طائل تقرباً إلى الله عزَّ وجل ، ليس هذا في الدين الإسلامي في شيء ، إن الله عزَّ وجل قال :

( سورة البقرة : من آية " 195 " )

     لكن إذا كان طلب العلم يحتاج إلى مشقة ، يحتاج إلى سفر ، يحتاج إلى أن تخرج من بيتك الدافئ ، لكن طلب العلم إذا كان يحتاج إلى بذل مال ، وقد يكون هذا المال أنت بحاجةٍ إليه ، فبذل هذا المال ، بذل هذا الوقت ، تحمُّل هذه المشقة ، هذه مشقةٌ جعلتها وسيلةً لعملٍ عظيم ، لو أن إنساناً طلب منك أن تعاونه في إنجاز قضية ، فذهبت معه صيفاً أو شتاءً ، وتحملت في هذه المساعدة المشقة ، هذه المشقة تؤجر عليها أضعافاً مضاعفة .

      إذاً النقطة الأساسية في هذا الحديث أنه لا يجوز أن يسعى المؤمن إلى مشقةٍ بلا هدف ، لا يجوز أن يحمِّل نفسه مشقة لا طائل منها ، لأن المشقة ليست مطلوبةً لذاتها ، يمكن أن تكون المشقة وسيلة لعلمٍ ، أو لعملٍ ، أو لقربة ، أو لجهادٍ ، هذا كله تحسب عندئذٍ هذه المشقة بثوابٍ كبير لا يعلمه إلا الله .

      لذلك النبي عليه الصلاة والسلام بينما كان يخطب ، إذا هو برجلٍ قائمٍ ، يبدو أنه قائمٌ في الشمس ، فسأل عنه فقالوا : أبو إسرائيل ، اسمه أبو إسرائيل ـ نذر أن يقوم في الشمس ، وألا يقعد ، ولا يستظل ، ولا يتكلم ، ويصوم ، فأن تنذر لله ألا تقف في الظل ، هذا إلقاءٌ بيديك إلى التهلكة ، أن تَنْذر لله أن تقوم في الشمس ، هذا إلقاءٌ بيديك إلى التهلكة ، لذلك النبي قال : مروه فليتكلم .. ليس في ديننا صيامٌ عن الكلام ، ليس في الشريعة الإسلامية صيامٌ عن الكلام ، مروه فليتكلم ، وليستظل ، وليقعد ـ لكن ـ وليتم صومه " .لأن الصوم قربةٌ من الله عزَّ وجل.

       ما أردت من هذا الحديث إلا أن ننطلق منه إلى هذه الحقيقة الأساسية ، يجب ألا تُستهدف المشقة لذاتها ، أما إذا كانت طريقاً إجبارياً ، أو وسيلةً وحيدةً لبلوغ مرتبةٍ عند الله ، الصيام فيه مشقة ؛ لكنه أمرٌ تعبدي ، وأمرٌ إلهي ، يجوز أن يكون الجهاد في سبيل الله شاقاً ، لكنْ هناك هدفٌ نبيل ، وهو نشر الإسلام في الخافقين ، فحينما خرج الصحابة الكرام من بلادهم ، وفتحوا مشارق الأرض ومغاربها ، لا شك أنهم تحملوا مشقةً كبيرة ، بل هي كبيرةٌ كبيرة ، لكن هذه المشقة كانت وسيلةً إلى عملٍ عظيم الله سبحانه وتعالى يثيب عليها ويتقبلها .

*  *  *  *  *

      عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فَخُذُوا عَنِّي فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ)).

(الترمذي)

       ربنا عزَّ وجل أمرنا بأشياء ، ونهانا عن أشياء ، وسكت عن أشياء ، فالحكمة التي نستشفُّها من الذي سكت عنه ، لا تقل عن الحكمة التي نستشفها من الذي أمر به ، ولا تقل عن الحكمة التي نستشفها من الذي نهى عنه ، فهناك أمرٌ ، وهناك نهيٌ ، وهناك سكوت ، فالذي سكت الله عنه يجب أن نسكت عنه ، فكلما سألت في هذا الموضوع ضاقت عليك الأمور ، بنو إسرائيل جعلهم الله لنا عبرةً ، أُمروا أن يذبحوا بقرة ، فقط ، لو أنهم مسكوا أية بقرة وذبحوها لأجزأتهم ، قالوا : ما لونها ؟

( سورة البقرة : من آية " 70 " )

      ما زالوا يسألون عن هذه البقرة إلى أن ضاقت الدائرة ، وأصبحت هذه الصفات لا تتوافر إلا في بقرةٍ واحدة ، طلب صاحبها ثمناً فوق الخيال ، لذلك ضيق بنو إسرائيل على أنفسهم بكثرة السؤال ، الشيء الذي سكت الله عنه يجب أن تسكت عنه ، والذي أمر به يجب أن تبحث عنه ، والذي نهى عنه يجب أن تبحث عنه لتكون عابداً لله عزَّ وجل ، لتكون عند الأمر والنهي .

      لذلك عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فَخُذُوا عَنِّي فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ)) .

(الترمذي)

      كان سيدنا عمر مع أصحابه في مكانٍ ، وكانوا بحاجةٍ إلى الوُضوء ، رأوا غدير ماءٍ ، فسأل بعضهم صاحب هذا الغدير :

   ـ هل ترد السباع هذا الغدير ؟

   ـ فقال سيدنا عمر : يا صاحب البركة لا تجبنا .

        لأن الأصل في الأشياء الإباحة ، أنت إذا بعت حاجةً لست مكلفاً أن تسأل المشتري : ماذا ستفعل بها ؟ صحن يباع ، هل ستستخدمه في وضع طعامٍ محرم ؟ لست مكلفاً أن تسأله هذا السؤال ، هذا الشيء لم تطالب به ، لذلك الإنسان أحياناً يترك الأشياء الواضحة البيِّنة ، ويتَّبع الشبهات فيقع فيها ، فالإنسان عليه أن يكون أديباً مع الله عزَّ وجل ، أن يأتمر بما أمر الله ، وأن ينتهي عما نهى عنه الله ، والشيء الذي سكت الله عنه ، يجب أن تعلم علم اليقين أن في السكوت عنه حكمةً ما بعدها حكمة .

       ((اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فَخُذُوا عَنِّي فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ)) .

       لكن لما يكون للإنسان عمل تجاري ، أو عمل مهني ، وهناك أسئلة كثيرة تتعلق بحرمة المال أو بحلِّه ، هذه الأسئلة ليست من هذا الباب ، مهما سألت فيما يتعلق بتحريك الحلال فأنت تعبر عن ورعك ، "وركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلِّط " ، لكن أشياء غيبية ، أشياء متعلقة في الجنة والنار ، لو بالغت في السؤال عنها ، هذه الأسئلة مضيعةٌ للوقت ، فقد صحّ في الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ : ((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ)) .

( متفق عليه)

      فالشيء الذي أخبرنا الله عنه نكتفي بما أخبرنا عنه ، ولا نزيد ، لا نسأل ، لا نستفهم ، لا نستوضح ، الله سبحانه وتعالى أخبرنا عن الجنة ، وذكر في هذا الإخبار أوصاف الجنة ، أنت تريد هذه المرأة مَن سيتزوجها في الجنة ؟ يا أخي الرجل له من الحور العين ما يكفي ، فهذه المرأة ما الذي لها ؟ أسئلة كثيرة متعلقة بالجنة ، والله سبحانه وتعالى ذكر في هذا الباب آياتٌ محدودة ، حكمة الله عزَّ وجل اقتضت أن تكون هذه الموضوعات محدودةً في القرآن حول الجنة والنار ، فليس هناك من طائل في أن تطرح أسئلةً في هذا الموضوع أنت في غنىً عنها ، يا ترى سيدنا يوسف بعد ما خرج من السجن ، وصار عزيز مصر ، هل تزوج امرأة العزيز ؟ والله لا أدري ، الله سبحانه وتعالى سكت عن ذلك ، ونحن أيضاً يجب أن نسكت عن ذلك ، لأن هذا الشيء خارج المغزى .

      كنت أضرب مثلاً : أن إنسان أراد أن يعلم إنسانًا مقومات التجارة الناجحة ، فسرد له قصة قال له : فلان الفلاني ، أو أعرف شخصاً اختار محلاً تجارياً في المكان المناسب ، واختار بضاعة مناسبة ، وكانت معاملته لطيفة ، وأسعاره معتدلة ، وما باع ديناً ، ولا رفع السعر ، فربح أرباحاً جيدة ، واشترى بيتاً ، وتزوج ، أنت تريد أن تعلمه أنه لابد من أن تختار الموقع الجيد لمحلك التجاري ، ولابد من أن تختار البضاعة الجيدة ، والسعر المناسب ، ولا ينبغي أن تبيع ديناً، وينبغي أن تكون لطيفاً ، وما شاكل ذلك ، فسألك هذا السائل : هذا الشخص الذي حدثتني عنه أهو طويلٌ أم قصير ؟ هذا لا علاقة له بالموضوع ، ولا بالمغزى ، هذا السؤال يدل على أنك لم تفهم المغزى .

       فأحياناً ربنا عزَّ وجل يذكر قصة ، وتنتهي القصة عند حدثٍ معين ، أنت تريد أن تعرف ماذا وقع بعد ذلك ، هذه الوقائع لا علاقة لها بالمغزى ، ربنا عزَّ وجل كلامه موجز ، وربنا عزَّ وجل يتكلم فيما له علاقة بالمغزى ، أما فيما ليس له علاقة ، حتى كُتَّاب القصة يقولون : التفصيلات لا تُذكر إلا إذا كانت في خدمة القصة ، فإذا لم تكن في خدمة القصة فهي عبءٌ عليها، عندنا جزئيات كثيرة ، فإما أن تذكر هذه الجزئيات ، وتكون في خدمة القصة ، أو أن تصبح هذه الجزئيات عبئاً على القصة ، فالقصد أنه بالإسلام في ناحية العملية ، يا ترى قالوا عن الشيخ محي الدين : ( الشيخ الأكفر ) ، وقال عنه الصوفيون : ( سلطان العارفين ) أيهما أصح ؟ الجواب :

( سورة البقرة )

     هذا مضيعةٌ للوقت ، هذا من شأن الله عزَّ وجل ، هذا الرجل العارف بالله له عند الله مقام لا يرفعه مدح المادحين ، ولا يضعه ذم الذامِّين ، له عند الله مقام ، لذلك ماذا جرى في ( صفين ) ، ماذا جرى في موقعة (الجمل ) أصحيح ما قاله المؤرخون ؟ هذه موضوعات لا تقدم ولا تؤخر ، ولا تجدي ، أنت في زمنٍ محدود .

     لما يستيقظ الإنسان صباح كل يوم يقول له اليوم : يا ابن آدم أنا خلقٌ جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني قبل ألاّ أعود ، تزود مني فإني لن أعود إلى يوم القيامة ، فالوقت خطير ، لذلك الإنسان يشبه وضعه تماماً لو كان عنده امتحان بعد يومين في كتاب مقرر ، وفي مكتبته ألف كتاب ؛ قصص ، كتب تاريخ ، كتب سير، كتب في المغازي ، كتب علمية ، فلو أنه أمسك كتاباً من هذه الكتب لا علاقة له بالامتحان بعد يومين ، وطالعه ، واستمتع به ، أليس بهذا العمل غير حكيم ؟ طبعاً إنه غير حكيم ، لأن الكتاب المقرر مهم جداً .

     هذا الذي أريد أن أقوله ، هناك موضوعات في الإسلام لا تقدم ولا تؤخر ، مهما طرحت فيها أسئلة ، مهما تلقيت الإجابات الصحيحة ، إنها موضوعاتٌ ثانوية ، للإسلام جوهر ، فاجعل همك أن تصل إلى جوهر الإسلام ، اجعل همك أن تضع يدك على جوهر الدين ، اجعل همك أن تحقق الهدف من وجودك في هذه الدنيا ، اجعل همك أن ترتقي أنت لا أن تمدح زيداً أو عُبيداً ، ارتقِ أنت إلى الله عزَّ وجل ، فالحديث عن السابقين ، وعن خلافاتهم ، وعن مشكلاتهم ، هذا الحديث لا يقدم ولا يؤخر.

      فالنبي عليه الصلاة والسلام قال : ((اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فَخُذُوا عَنِّي فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ)) ، يعني كونوا عمليين ، ولا تكونوا حالمين ، كن عمليًا ، أنت في زمن محدود ، والموت على الأبواب ، ولابد من أن نموت ، وسوف تحاسب على أعمالك كلها ، أما لو ضيَّعت أشهرًا في موضوع مضى ، خلاف بين بعض المذاهب مثلاً ، خلاف بين أصحاب رسول الله ، لو أمضيت كل عمرك في هذا الموضوع ماذا تستفيد ؟ شيء وقع ، وانتهى ، عليك أن تبحث عن عملٍ يُجْدي ، ويصلح للعرض على الله عزَّ وجل .

*  *  *  *  *

     والحديث الثالث والأخير ، عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ : وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ ، فَقَالَ رَجُلٌ : إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : ((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ &