English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

شرح أحاديث شريفة " احتجت الجنة والنار فقالت النار فِيَّ الجبارون والمتكبرون ... " ، الأحد 31 /07 /2005 لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة و العلم ، و من وحول الشهوات إلى جنات القربات .

أيها الإخوة ، لازلنا في إتحاف المسلم بما في الترغيب والترهيب من صحيح البخاري ومسلم ، والحديث اليوم رواه الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( احْتَجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ، فَقَالَتْ النَّارُ : فِيَّ الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ ، وَقَالَتْ الْجَنَّةُ : فِيَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَمَسَاكِينُهُمْ ، قَالَ : فَقَضَى بَيْنَهُمَا إِنَّكِ الْجَنَّةُ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ ، وَإِنَّكِ النَّارُ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ ، وَلِكِلَاكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا  )) .

[ مسلم ، أحمد ]

هذا الحديث أيها الإخوة الكرام منطلق لموضوع دقيق جداً ، وهو : الناس يتميزون بماذا ؟ خذ ألف إنسان ، فيهم قلة يتميزون إما بالقوة ، أو بالغنى ، أو بالعلم ، القوى الأساسية في الحياة أن تكون ذا منصب رفيع بإمكانك بجرة قلم أن تحق حقاً ، أو أن تبطل باطلاً ، أو أن تكون ذا مال وفير ، أو أن تكون ذا علم غزير ولا تنسى دائماً أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف ، هذا جانب ، أو أن يكون الإنسان فقيراً ضعيفاً ليس ملماً بحقائق الحياة ، إذا أردت أن تنخل الناس إلى زمرتين الأولى أقوياء وأغنياء وعلماء ، والثانية ضعفاء وفقراء ، ومحدودو العلم ، والإنسان لو ابتعدنا عن موضوع الكسب والسعي قد يسعى الإنسان بأقصى جهده ، وينتهي به الأمر إلى أن دخله محدود ، فهو فقير ، وقد يسعى الإنسان بكل ما أوتي من قوة ، وقد ينتهي به السعي إلى أنه ضعيف مستضعف في الأرض ، أو أن يكون قوياً غنياً ، الدرس اليوم لأن المنطلق الجبارون والمتكبرون والضعفاء والمساكين ، يا ترى بشكل صريح ونصوح أيهما أقرب لسعادة الإنسان أن يكون غنياً أم فقيراً ؟ قوياً أم ضعيفاً ؟ متفوقاً في العلم أو محدودو الثقافة ؟

الشيء الذي يحير أيها الإخوة الكرام أن مئة فقير ، أو مئة ضعيف ، أو مئة إنسان ثقافته محدودة احتمال النجاة من هؤلاء الأصناف الثلاثة بالمئة سبعون أو ثمانون ، أما أن تكون قوياً أو غنياً أو مطلعاً اطلاعاً مخيفاً فاحتمال النجاح قد يكون عشرة في المئة أو عشرين في المئة لماذا ؟ لأن القوة تغري ، معك قوة فالذي يرفع رأسه أمامك تسحقه ، لا تقبل ذماً ، ولا نقداً ، ولا لفت نظر ، والغني يشتري بماله ضمائر الناس جميعاً ، كل شيء يحل بالمال ، وللعوام كلمة لا أطيق سماعها : الدراهم مراهم ، فالإنسان إذا اعتمد على ماله ضل ، وإذا اعتمد على قوته ذل ، وإذا اعتمد على معلوماته أيضاً وقع في خطأ كبير ، لذلك الضعف لعله أقرب إلى النجاة من القوة والكفاية ، لا أقول : الفقر ، كاد الفقر أن يكون كفراً ، الكفاية أقرب إلى النجاة من الغنى الفاحش ، والمعلومات التي تحتاجها لسلامتك في الدنيا أقرب إلى الإيمان من أن تكون مطلعاً اطلاعاً مخيفاً ، وكل شيء عندك له تبرير ، وكل شيء عندك له تعليل ، وكدت بهذه الثقافة الواسعة جداً أن تستمرئ ما هم عليه أهل الدنيا من نعيم مقيم ، لكن بالمقابل ، بالمقابل كلما ارتقت مرتبتك في الدنيا قوة أو مالاً أو علماً اتسعت أمامك فرص العلم الصالح ، هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام : (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف )) .

[مسلم]

القوي كما قلت قبل قليل : بجرة قلم يحق حقاً ، ويبطل باطلاً ، يقر معروفاً ، ويزيل منكراً ، والغني له هيبة كبيرة ، بماله يوفق بين زوجين ، بماله يزوج الشباب ، بماله يقيم مآتم ، ينشئ ميتماً ، يحل مشاكل اليتامى ، بماله يؤلف بين القلوب ، إذاً المال قوة ، والعلم قوة ، والمنصب قوة ، فإذا كنت في هذه الثلاثة في أحدها ، أو فيها كلها فأنت أمامك فرص للعمل الصالح كبيرة جداً ، وهذا الذي قلته في بعض الخطب أن الممكنين في الأرض أتاح الله لهم من فرص العلم الصالح ما لم يتح للملايين المملينة من غيرهم ، لذلك سيدنا يوسف قال تعالى :

 

[ سورة يوسف ]

أنت من دون منصب ، أو من دون مال ، أو من دون علم لا تستطيع أن تفعل شيئاً ، ولأن الآخرة أساسها العمل الصالح ، فرص العمل الصالح تضعف ، وتضعف ، وتضعف إذا كنت فقيراً محتاجاً محدوداً ضعيفاً مغلوباً على أمره ، لا تستطيع حركة ولا سكنة ، ولا كلمة تنطقها في سبيل الله ، إذاً النبي عليه الصلاة والسلام  قال : (( ما رزقتنا فيما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب )) .

[ورد في الأثر]

إذا كنت قوياً ، يا رب اجعل قوتي في سبيلك ، إذاً أنت بالمال قد تنشئ ميتماً ، قد تنشئ مستشفى ، قد تنشئ داراً للمعاقين ، قد تقوم بأعمال تلهج الألسنة بالدعاء لك بالمال .

والله أيها الإخوة الكرام ، لو يعلم الأغنياء كيف يمكن أن يصلوا إلى أعلى مرتبة في الجنة بأموالهم ، المشكلة الكبيرة أن الذي أعطاه الله مالاً يظن واهماً أن هذا المال من أجل أن يبالغ في متعه الحسية ، ومن أجل أن يشعر من حوله أنه فوقهم وأنه في مرتبة من النعيم والترف لا يطمحون إليها ، وبالتعبير الآخر يكسر قلوبهم ، أما إذا كان مؤمناً يجعل من المال أداة لحل مشكلات الأمة ، هناك مشكلات أيها الإخوة الكرام في العالم الإسلامي مشكلات ما لم ننهض بحلها فالله لا يحبنا .

إن فتاة تمشي في الطريق تخاطب الله ، يا رب هذا المجتمع ظلمني ، أنا أخاف منك ، أنا محجبة ، يا رب أنا أحبك ، أنا أحفظ كتاب الله ، هؤلاء الشباب يبحثون عن فتاة متفلتة تعرض بضاعتها في الطريق ، تبحث عن شارٍ لها ، لا تبحث عن إنسان يريدها ، تبحث عمن يستمتع بها بلا قيد ، ولا شرط ، ولا تبحث عن رجل يكون أباً لأولادها .

أيها الإخوة الكرام ، أقول لكم من أعماق قلبي : ما لم يتحسس الإنسان بما يعانيه المسلمون فليس منهم هذا المتقوقع والمنهزم ، والمنسحب ، والذي لا يفعل شيئاً إلا أن يوزع ألقاب الصلاح والطلاح على الناس ، هذا إنسان يمقته الله عز وجل .

أقول لكم كلمة : ما لم تفكر في حل بعض مشكلات الأمة ، عندك بيت زوج به شاباً مؤمناً ، خذ منه أجرة معقولة ، تلقَ الله بهذا العمل ، يتعهد طالب علم تعطيه معاش موظف عندك من دون دوام ، عنده ثلاثة موظفين صاروا أربعة ، واحد طالب علم ، قال له : تفرغ للدراسة ، وكن داعية ، و ادع إلى الله ، ولعل الله يرحمني بك ، دائماً نفكر بالرفاه ، بتوسيع البيت ، بتبديل السيارة ، بالذهاب إلى أماكن جميلة ، بزيارة المطاعم ، بأكل الطعام الطيب ، أما هؤلاء المسلمون الفقراء الضعفاء فلا تفكر فيهم ، ألا تفكر بأولادهم ؟ والله هناك مآسٍ بالمجتمع يتفطر لها قلب الإنسان ، والأغنياء ، بعضهم ، لا أقول جميعهم ، بعضهم والله هناك أغنياء مؤمنون تشتهي الغنى منهم من تواضعهم ، ومن أدبهم ، ومن اعتدالهم في الإنفاق ، ومن يدهم الكريمة على الفقراء ، لكن أحياناً تجد الإنسان إذا زاد ماله قسا قلبه ، وإذا اعتلى منصباً رفيعاً أصبح كالصخر ، لا يرحم أحداً ، ولا يحل مشكلة أحد .

فلذلك أيها الإخوة الكرام ، (( احْتَجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ، فَقَالَتْ النَّارُ : فِيَّ الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ ، وَقَالَتْ الْجَنَّةُ : فِيَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَمَسَاكِينُهُمْ )) ، ضعفاء في الدنيا ، دائماً وأبداً احفظوا هذه القاعدة : من يضحك أولاً يضحك قليلاً ، ومن يضحك آخراً يضحك كثيراً ، ليست البطولة أن تضحك أولاً ، البطولة أن تضحك آخراً ، لأن الضحك الأخير يستمر إلى أبد الآبدين ، قال تعالى :

[ سورة المطففين ]

أما الذي شرد عن الله عز وجل فقال تعالى :

[ سورة الانشقاق ]

[ سورة الانشقاق ]

 

إذاً اجهد أن تضحك آخراً ، يأتي الطفل إلى الدنيا وكل من حوله يضحك ، وهو يبكي وحده ، أما إذا وافته المنية فكل من حوله يبكي ، إن كان بطلاً فليضحك وحده ، إذاً الذي نستفيده من هذا الكلام أنك إذا كنت قوياً يجب أن توظف هذه القوة في إحقاق الحق ، وإبطال الباطل ، في نصرة المظلوم ، في إنصاف الفقير ، إعطاءه حقه ، وإن كنت غنياً فينبغي أن تعلم علم اليقين أن هذا المال يمكن أن يرقى بك إلى أعلى عليين ، قال تعالى :

 

[ سورة الروم ]

كلام من هذا ؟ كلام الله كلام خالق الأكوان ماذا نستنبط منه ؟ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله من الذي سينتصر ؟ قال تعالى :

[ سورة الروم ]

الروم هل كانوا مسلمين ؟ كانوا أهل كتاب ، وكانوا مشركين ، لماذا يفرح صحابة رسول الله وهم خير البشر ، ماذا نستنبط ؟ الصحابة الكرام بنص هذه الآية يفرحون بنصر الروم على الفرس ، الروم أهل كتاب ، الفرس يعبدون النار ، هذه الآية أصل في النسبية ، إنسان ليس كما تريد ، وليس كغيره من الأشرار ، بل بين بَين ، بينك وبينه قواسم مشتركة ينبغي أن تنفتح عليه ، أما العزلة التي أحاط المسلمون أنفسهم عزلة شديدة ، وتكفير الناس جميعاً ، هذا ماذا سبب ؟ أن المسلم في الأرض اليوم هم عند أهل الأرض قاتل مجرم ، العزلة الشديدة والبعد عن الاتصال ، والبعد عن الأخذ بالنسبية جعل المسلمين في عزلة في العالم كله .

وقد تعجبون أيها الإخوة أن اليهود في أمريكا لا يزيدون على ستة ملايين فقط ، وسياسة هذه الدولة بأدق تفاصيلها بتوجيه اليهود كما ترون وتسمعون ، أقول هذه : الكلمة دائماً أيها الإخوة الكرام ، أعداء المسلمين يتعاونون ، وبينهم خمسة بالمئة فقط من القواسم المشتركة ، والمسلمون يتقاتلون ، وبينهم خمسة وتسعون بالمئة من القواسم المشتركة ، أقول لكم هذه الكلمة من أعماق قلبي : ما لم تتعاون مع المؤمنين ، ما لم تجمد الخلافات الجزئية التي لا تقدم ولا تؤخر فلست مؤمناً ، ما لم يكن انتماؤك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً ، ما لم تتعاون فهناك شك في إخلاصك ، الذي يحقق مكاسب من العمل في الحقل الديني هو يتاجر في الدين ، وينتفع به ، ويركب هذه الموجة ، أما الذي يتعاون مع إخوانه فهذا دليل إخلاصه ، أنت مخلص ، إذاً متعاون ، أنت تتنافس ، وتبني مجدك على أنقاض الآخرين ، هذا ينبئ بعدم إخلاصك لله عز وجل ، وهذا الكلام أقوله أيها الإخوة الكرام لأننا في أمسّ الحاجة إليه ، قلت في الخطبة كلاماً له صلة بهذا الموضوع ، قلت : من هم أعداء المسلمين ؟ نحن جميعاً نتوهم العدو التقليدي من ليسوا مسلمين ، والحقيقة قالوا بعد انهيار الكتلة الشرقية : لم يبق أمامنا من عدو إلا الإسلام ، تصريح رسمي لشخصيات في أعلى المناصب في العالم الغربي ، لم يبق أمامنا من عدو إلا الإسلام ، مع أنهم أعداء ، لكنهم مكشوفون ، أعداء لكنهم يعملون في وضح النهار ، أعداء لكننا محصنون منهم ، لأن خططهم مكشوفة ، خطرهم محدود ، أنت مهيأ أن هذا الإنسان عدو مبين ، ويريد أن يبني مجده على أنقاضك ، أنا أرى العدو الذي يعمل على هدم هذا الدين هو الذي فهم الإسلام فهماً معيناً ، وأصر عليه ، وكفّر من كل من خالفه في هذا الرأي ، وهذا الذي جعل وحدة المسلمين مستحيلة ، ومادامت وحدة المسلمين مستحيلة فعدونا يتاجر بتفرقنا ، ويبني قوته على أشلائنا وتفرقنا ، فلذلك يمكن أن تأخذ هذه الآية :

 

[ سورة الروم ]

 

نصر من ؟ نصر أهل الكتاب ، وهم مشركون ، بينهم قواسم مشتركة ، فأنت لما تفتح حوارًا مع الأطراف ، وتكتفي بالقواسم المشتركة ، وتنميها ، وتتعاون أما أن تعزل نفسك ، وأن تبقى في قوقعة ، وفي قمقم ، وأنت تتوهم أنك في العلياء ، وكل من حولك في الحضيض ، هذا وهم في وهم ، وهذا لا يقدم ولا يؤخر .

أيها الإخوة الكرام ، أن تكون قوياً هذه نعمة ومزلق ، وأن تكون غنياً هذه نعمة ومزلق ، وأن تكون مطلعاً على علوم أهل الأرض اطلاعاً واسعاً هذه نعمة ومزلق ، واحتمال النجاح مع القوة والغنى أقل من احتمال النجاح مع الضعف والفقر ، هذا كله يؤكده قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما عرض عليه جبريل أن يكون نبياً ملكاً ، أو أن يكون نبياً عبداً ، قال : بل نبياً عبداً أجوع يوماً فأذكره ، وأشبع يوماً فأشكره ، قريب من هذا الكلام أنه إذا جاء شخص من طبقة فقيرة من أسرة حظها من المال قليل ، لكن فيها قيم ، والله الذي لا إله إلا هو أرى أسراً تشتهي أن تكون في دخلهم المحدود على أخلاقهم العالية ، وعلى اتصالهم بالله عز وجل ، وعلى قربهم من الله ، وعلى سعادتهم التي أضفاها الله على حياتهم ، فنحن هنا في هذا المسجد من أجل أن نتلمس طريق السلامة والسعادة ، أن نتلمس العلة التي من أجلها جئنا إلى الدنيا ، أن نتلمس المهمة التي أنيطت بنا في الدنيا ، اخرج من ذاتك ، اخرج إلى خدمة الخلق تكون حبيب الحق ، اخرج إلى خدمة الخلق يلقِ الله محبتك في كل إنسان ، هذا معنى قوله تعالى :

[ سورة طه : 39]

يعني أحبك عبادي ، وما أخلص عبد لله إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو له بالمودة و الرحمة ، بعد ذلك مسكين فقير فقط حوالي أربعين أو خمسين سنة في حياته ، ما قيمة هذه السنوات أمام الأبد ؟ طبعاً يوجد أفكار مجردة يصعب أن نتمثلها ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام سيد الفصحاء ، سيد البلغاء ، كلامه أفصح كلام ، تصويره ، نحن عندنا عبارة مباشرة ، عندنا عبارة غير مباشرة ، العبارة غير المباشرة هي العبارة التصويرية ، فقد تقول مثلاً : تكاثرت عليّ المصائب ، كلام فصيح بلغة صحيحة ، بلغة فصحى ، تكاثرت عليّ المصائب ، لكن بعض الشعراء قال :

بلاني الدهر بالأرزاء حتـى         فؤادي في غشاء من نبـــال

فكنت إذا أصابتني ســهام          تكسرت النصال على النصـال

أي بلاني الدهر بالأرزاء ، أي بالمصائب حتى فؤادي في غشاء من نبالي ، فكنت إذا أصابتني سهام لم يعد هناك مكان من كثرة المصائب ، لم يبق مكان .

شخص ذهب إلى جريدة لينشر نعوة ، فأبلغ أنه لا يوجد أماكن ، الأماكن كلها ملئت ، اتصل بالمدير العام فكتب لمدير التحرير تنشر هذه النعوة إن بقي مكان هكذا العبارة ، فهذا كتب النعوة ، وآخر شيء في النعوة أدخل الله الفقيد فسيح جنته ، بعد ذلك إن بقي مكان ، عبارة لغوية فصيحة تكاثرت عليّ المصائب ، يوجد عبارة أدبية ، النبي عليه الصلاة والسلام هل استخدم أسلوب التصوير ؟ قال : (( ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس بمياه البحر )) .

[ورد في الأثر]

 اذهب إلى البحر ، واركب قارباً من طرطوس إلى أرواد ، وأمسك بإبرة ، واغمسها بماء البحر ، واسحبها ، كم من الماء حملت ؟ هذا الذي تحمله الدنيا من الآخرة ، فالذي عاش في الدنيا فقيراً ، و نجا إيمانه عاش في الدنيا ضعيفاً ، و كان مؤمناً صادقاً ، و مات مؤمناً ، ماذا بقي له ؟ الأبد ، وهو في جنات تجري من تحتها الأنهار ، وهذا الذي استطاع أن يأخذ معشار هذه القطرة ، ويستمتع بها في الدنيا ، وانتهى ، بقي أمامه النار إلى أبد الآبدين ، من هو الرابح ؟ إياك ، ثم إياك ، ثم إياك أن توازن بين شخصين دون أن تدخل الآخرة على كل منهما ، يوجد بالدنيا أغنياء ، يوجد بالدنيا أقوياء ، يوجد أصحاب وسامة رائعة ، يوجد أصحاب طلاقة لسان ، أصحاب ذكاء ، و قد قيل : إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه ، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين .

فنحن إذا قرأنا الأحاديث الشريفة نجد أحياناً تصويراً رائعاً جداً ، (( ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس بمياه البحر )) .

أيها الإخوة الكرام ، إذاً اعلم علم اليقين الآن إذا كنت ذا دخل محدود فأنت ممتحن به ، وإذا كنت ذا دخل غير محدود فأنت ممتحن به ، إن كنت قوياً أنت ممتحن بالقوة ، وإن كنت ضعيفاً أنت ممتحن بالضعف ، إن كنت طليق اللسان أن ممتحن بطلاقة اللسان ، وإن كنت ضعيف البلاغة والإلقاء فأنت ممتحن بها ، اعتقد يقيناً أن امتحانك في شيئين ، فيما أعطاك الله ، وفيما زوى عنك  .

الآن النجاح في الامتحان السلبي ، النجاح بالضعف ، أو النجاح بالفقر ، إذا انتهى بك إلى الجنة فأنت في أعلى عليين ، والرسوب في الغنى والرسوب في القوة إذا انتهى بالإنسان إلى جهنم وبئس المصير فهو في أسوأ حال ، فالبطولة أن تنجح في الامتحان ، وربما كان النجاح في امتحان الفقر أهون من النجاح في امتحان الغنى ، وربما كان النجاح في امتحان الضعف أهون من النجاح في امتحان القوة ، القوة تغر ، وتضر ، وتمر ، والدنيا كلها تغر ، وتضر ، وتمر ، ولكن الآخرة هي العطاء الحقيقي ، ولا يليق بكرم الله أن يكون عطاؤه في الدنيا ، الدنيا زائلة ، عرض حاضر ، يأكل منه البر والفاجر ، والآخرة وعد صادق ، يحكم فيه ملك عادل .

أيها الإخوة الكرام ، قضية الحظوظ ، الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء ، أنت كيف إذا كان عندك شهادة ثانوية ، عندي كيمياء ، وفيزياء ، ورياضيات ، عندي علوم ، ترى هذه المواد شيئًا صارخًا ، والله موادك مع الله أخطر من هذه المواد ، امتحنك بالصحة ، إذا كان الواحد صحيحًا يقدر أن يفكر ، أن يصلي ، يقدر أن يقرأ القرآن الكريم ، يقدر أن يأتي إلى الجامع ، يقدر أن يعمل عملاً صالحاً ، يقدر أن يرعى أيتاماً ، مادمت صحيحاً فكل شيء ممكن ، فلما قال الله عز وجل  :

[ سورة التكاثر ]

بعضهم قال : الماء البارد ، هذا سوف نسأل عنه ، لكن بعضهم قال : نعيم الصحة ، هذا نعيم ، ونعيم الفراغ ، هناك أعمال ثماني عشرة ساعة ، تشعر بدوام ثقيل إلى درجة لا تحتمل ، الذي عنده بعد الظهر فراغ يجلس في جامع مع إنسان يحبه ، يعمل عملاً صالحاً ، يطالع كتاباً ، يقرأ القرآن ، يخدم إنساناً ، يعمل عملاً صالحاً ، هذا إنسان سعيد جداً .

يا أيها الإخوة الكرام ، النعيم الفراغ ، والنعيم الصحة ، والنعيم الأمن ، ليس ملاحقًا ، الملاحق لو كان مختفياً في بيت ، وطرق باب البيت ينخلع قلبه ، أما أنت افتحوا الباب ، تسافر