English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

شرح أحاديث شريفة " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة... " ، الأحد 07 /08 /2005 لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل و الوهم إلى أنوار المعرفة و العلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

أيها الإخوة الكرام ، لازلنا في إتحاف المسلم بما في الترغيب والترهيب من صحيح البخاري ومسلم ، والحديث اليوم رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، شَيْخٌ زَانٍ ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ )) .

[مسلم]

أيها الإخوة الكرام ، هذا الحديث منطلق لموضوع دقيق في الأخلاق ، أن كل إنسان بحاجة إلى خُلق معين ، كيف ؟ الورع حسن ، الورع قيمة راقية جداً ، لكن في العلماء أحسن ، أي ألزَمُ صفة للعالم أن يكون ورعاً ، لأنك يمكن أن تنتفع من مهندس أو طبيب ، أو عالم ذرة أو عالم فلك أو عالم رياضي ، تنتفع به ، ولا تلقي بالاً إلى سلوكه و انضباطه ، تريد علمه فقط ، لكن لا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن ينتفع بعالم الدين إلا إذا كان مطبقاً لما يقول ، لذلك يقول الإمام علي كرم الله وجهه : " قوام الدين والدنيا أربعة رجال ، عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه " ، كم شخصًا ؟ عامل مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه .

الآن هناك حركة ، فإذا ضيع العالم علمه ، أي لم يستعمل علمه ، لم يكن ورعاً ، استنكف الجاهل أن يتعلم ، ما الذي يزهد الناس في التدين ؟ أن يروا إنساناً متديناً ، وليس مستقيماً ، متديناً ، أي يصلي ، و يؤدي العبادات ، أما بالتعامل فليس مستقيماً ، مثل هذا الإنسان أنا أسميه منفراً ، " قوام الدين والدنيا أربعة رجال ، عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه ، فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم ، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره " .

وهذا الذي يحصل ، إذا بخل الغني بماله أنفق المال على ملذاته ، وعلى أساليب حياته التي لا تعقل ، يأتي الفقير فيعتنق الإلحاد من أجل أن يأكل ويشرب ، يبيع الفقير آخرته بدنيا غيره ، يتعاون مع الظالم ، لأن المال قوام الحياة ، إذا بخل الغني المسلم .

صدقوا أيها الإخوة الكرام ، حقيقة مرة ، أن باحثة اجتماعية زارت السجون ، والتقت بالذات بالمنحرفات ، واللواتي حكم عليهن بالسجن ، المفاجأة الخطيرة جداً أن الفتيات المنحرفات لسن فاسدات ، لكنهن فقيرات ، لذلك أغنياء كل البلدة سيحاسبون أمام الله حساباً عسيراً ، لأنهم بخلوا بمالهم ، فاضطر الفقير أن يبيع آخرته بدنيا غيره ، واضطرت الفتاة أن ترتزق بثدييها ، لذلك الورع حسن ، لكن في العلماء أحسن ، والحياء حسن ، الحياء من أروع الصفات ، لكن في النساء أحسن ، لأن من علامات آخر الزمان أن ينزع الحياء من وجوه النساء ، وأن تذهب النخوة من رؤوس الرجال .

الفتاة لا تستحي ، تبدي كل ما عندها من زينة ، ولا تستحي ، ولا تخجل ، والفتاة قد تحد النظر في الرجل ، وقد تقسو في الكلمات ، وقد ترفع صوتها ، ينزع الحياء من وجوه النساء ، وتذهب النخوة من رؤوس الرجال .

يمشي مع زوجته بثياب فاضحة ، كل خطوط جسمها واضحة ، ولا يستحي ، أو يمشي مع ابنته ، أو يسمح لزوجته أن تقف في الشرفة بثياب فاضحة ، من هو الديوث ؟ الذي لا يغار على عرضه ، أو يرضى الفاحشة في أهله .

لعل قبول الفاحشة نسبتها قليلة جداً بين الرجال ، أما الذي لا يغار على عرضه فالنسبة كبيرة جداً ، والديوث لا يريح رائحة الجنة .

إذاً لذلك الورع حسن ، لكن في العلماء أحسن ، الحياء حسن ، لكن في النساء أحسن ، التوبة حسنة ، لكن في الشباب أحسن ، ما من شيء أحب إلى الله من شاب تائب ، إن الله ليباهي الملائكة بالشاب التائب ، يقول : انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي .

أيها الإخوة الكرام ، جميل جداً أن ترتاد بيوت الله ، لكن جميل جداً جداً أن تكون شاباً ترتاد بيوت الله .

كنت مرة في مدينة إسلامية ، في بلد إسلامي ، صليت المغرب في مسجد ، المفاجأة أن كل المصلين فوق الثمانين ، عندنا في الشام ظاهرة رائعة جداً ، أن رواد المساجد من الشباب ، يعج المسجد بالشباب ، وريح الجنة في الشباب ، والتوبة حسنة ، لكن في الشباب أحسن .

شاب تائب ، إذا كان من إنسان يُغبَط فهو شاب نشأ في طاعة الله ، طبعاً إذا كان الإنسان متقدمًا في السن يرتاد بيت الله شيء جميل ، بارك الله به ، و كثّر من أمثاله ، لكن الإنسان بعد مضي سبعين ثمانين سنة أمضاها في الجهل ، وفي التفلت ، الآن ليس أمامه إلا القبر ، فاضطر أن يأتي إلى المسجد ، فرق كبير بين أن يأتي للمسجد ، وهو شاب في ريعان الشباب ، و بين من يأتي إلى المسجد ، و قد ذهبت عنه كل شهواته وغرائزه ، ولم يبق أمامه إلا القبر ، فاضطر أن يأتي إلى المسجد .

فالبطولة بالشاب ، بالمناسبة إخواننا الكرام ، عندما الشاب يأتي إلى بيت الله مبكراً ، ويشكل حياته تشكيلاً إسلامياً ، يرتاح طوال حياته ، اختار زوجة مؤمنة صالحة ، اختار حرفة إسلامية صحيحة أو مشروعة ، لا يوجد عنده مشكلة مع نفسه ، لو أن إنسانًا تعرف إلى الله متأخراً يكون قد أهمل أهله ، واختار حرفة لا ترضي الله ، واختار زوجة لم تقنع بما قنع ، هو في أواخر حياته .

إذاً الورع حسن ، لكن في العلماء أحسن ، الحياء حسن ، لكن في النساء أحسن ، التوبة حسنة ، لكن في الشباب أحسن ، العدل حسن ، لكن في الأمراء أحسن .

وهذا يقودنا أيها الإخوة الكرام إلى موضوع دقيق ، أن هناك عبادة الهوية ، أنت من ؟ أنت قوي ، العبادة الأولى إحقاق الحق ، أنت غني ، العبادة الأولى إنفاق المال ، أنت عالم ، العبادة الأولى إلقاء العلم ، هذه عبادة الهوية ، أي لا يقبل من الإنسان الغني جداً يذكر الله باليوم خمسة آلاف مرة ، ولا يؤدي حق المال ، إنسان له مع إنسان مليون ليرة ، وبالغ في المماطلة ، وفي الكذب ، وفي التأجيل ، وفي التسويف ، الذي وضع معه هذا المبلغ فقير ، فاضطر أن يتصل به مرة يوم الجمعة ليطالبه بالمبلغ الذي له عنده ، فقال له بطريقة لا تحتمل : كيف تتصل بي في يوم الجمعة ، وهو يوم خلوتي مع الله ؟ أنا كان تعليقي ، سامحوني قلت له : قل له : تضرب أنت والخلوة التي لك ، اذهب ، وأدِّ المليون ليرة أولاً ، بعد ذلك نسمي لك خلوة مع الله ، ما هذه الزعبرة ؟ قال له : كيف تتصل بي في يوم الجمعة ، وهو يوم خلوتي مع الله ؟ وأنت آكل عليه مليون ليرة ، وهو في أمسّ الحاجة لها .

فلذلك عبادة الهوية إن كنت غنياً إنفاق المال ، لذلك مطل الغني يحل عرضه ، لك أن تتكلم عنه ، ولا شيء عليه ، معه ولا يعطيك .

الآن ، و الصبر حسن ، لكن في الفقراء أحسن ، لا يوجد أجمل من فقير متجمل ، فقير صابر ، لا يتضعضع أمام غني ، متجمل ، تحسبه غنياً من التعفف :

[ سورة البقرة : الآية 273]

لذلك كان السلف الصالح يبحثون هم عن الفقير ، وأقول لكم كلاماً دقيقاً جداً : لأن الله عز وجل في القرآن الكريم بيّن أن هذه الصدقات لمن تحسبه غنياً من التعفف :

[ سورة البقرة : الآية 273]

هو لن يسألك ، و لن يتضعضع أمامك ، و لن يطلب منك ، إذاً عليك أن تبحث أنت عنه ، صار هناك واجب حتمي استنباطي من قوله تعالى :

[ سورة البقرة : الآية 273]

إذاً ينبغي أن تبحث أنت عنه .

وهناك معنى آخر :

[ سورة الذاريات : الآية 19]

من هو السائل ؟ الذي يقتحم عليك ، من هو المحروم ؟ الذي يستحي أن يسألك .

لذلك ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس ، فإن الأمور تجري بالمقادير ، ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته ، فتكيده أهل السماوات والأرض ، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني ، أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، و قطعت أسباب السماء بين يديه .

اجعل لربك كل عزك        يستـقر و يثبـــت

فإذا اعتززت بـمن          يموت فإن عزك ميت

من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ، كن متماسكاً الله الغني ، الله لا ينسى أحداً من فضله .

و الله مرة زارني إنسان ، ضيفته قطعة حلوى ، أمسك القطعة ، وأكل أول قطعة منها ، و قال : سبحان من رزقنا هذا ، ولا ينسى من فضله أحداً !!

إذا أنت تجملت ، و لم تلح ، و لم تسأل ، و لم تقتحم على الناس ، و لم يكن ظلك ثقيلاً عليهم ، هل الله ينساك ؟ ولا ينسى من فضله أحدا .

لا ينساك ، لك عنده رزق ، اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس ، فإن الأمور تجري بالمقادير ، والصبر حسن ، لكن في الفقراء أحسن .

أيها الإخوة الكرام ، ورد في بعض الكتب ، ليس حديثاً ، أنا أسميه من الأثر ، أن أحب ثلاثاً ، و حبي لثلاث أشد ، أحب الطائعين ، و حبي للشاب الطائع أشد ، شاب في مقتبل الحياة كالمرجل طاقة ، و حيوية ، و غرائز ، و شهوات ، و آمالا ، كل هذه الطاقة ، و كل تلك الشهوات ضبطها وفق منهج الله ، أنا في الحج رأيت رجلاً أيقنت أنه من أوربا من هيئته  و لونه ، فإذا هو من ألمانيا الغربية ، يمشي مع من أعرفه ، سألته عنه ، قال لي : هذا إنسان ألماني غربي سكن عنده طالب سوري ، وعنده فتاة جميلة ، اشتهى هذا الأب أن يلمح هذا الطالب مرة واحدة ينظر إلى ابنته ، دهش ، فحاوره وأقنعه بالإسلام فأسلم ، هذا الطالب ما تكلم و لا كلمة ، إلا أنه غض بصره عن محارم الله ، أكبر عالم رياضيات ملحد بسان فرانسيسكو كان يقول له أستاذه في الجامعة : اخرج من القاعة ، ولك علامة تامة ، لأنه كان يربك أستاذه من شدة تفوقه ، ويوم كان طالباً في التعليم الثانوي انتقد أستاذ الديانة في أمريكا طبعاً فطرده أبوه من البيت فاعتنق الإلحاد ، وصار علماً من أعلام الإلحاد هناك ، فكان أستاذه الذي علمه يستعين به في بعض القضايا في الرياضيات عنده طالبة من الشرق الأوسط محجبة حجاباً كاملاً ، و الوقت صيف ، و الفتيات في أمريكا شبه عرايا ، فأرسلها إلى هذا الأستاذ الملحد كي يجيبها عن بعض الأسئلة ، هذا الملحد نظر إليها ظاهرة غريبة ، الفتيات عرايا في الصيف ، ما بال هذه الفتاة محجبة حجاباً كاملاً ، و الحجاب عبء على الفتاة ، و لا سيما في الصيف ؟ لكن عبادتها تلك أنا أسميها عبادة إحصان ، عبادة إعفاف الشباب ، كيف نحن عندنا عبادة اسمها الجهاد ؟ والجهاد ذروة سنام الإسلام ، الفتاة لها عبادة خاصة بها ، و لو أن فيها بعض العبء ، لكن هذه العبادة أقصر طريق إلى الجنة ، أنا أسميها عبادة إعفاف الشباب ، حينما تستر مفاتنها عن الشباب ، و تريحهم قليلاً تكون قد أدت أجمل ما خصها الله به من مفاتن .

فهذه الفتاة محجبة حجاباً كاملاً ، هو يحتقر الشرق الأوسط ، وجد فتاة شرق أوسطية في أيام الصيف محجبة حجاباً تاماً ، يقول في كتابه : و الله ما تجرأت أن أحدق في وجهها ، و رغبت أن أخدمها بكل حاجتها ، وشعرت أنها إنسانة قديسة ، و تتمتع بقناعات تنفرد بها .

ماذا فعل هذا الملحد ؟ عكف في اليوم نفسه على قراءة القرآن ، إلى أن وصل إلى قوله تعالى :

[ سورة يونس : الآية 92]

قال : هذا غلط ، واتصل بصديقه موريس بوكاي في فرنسا ، وقال له : تفضل ، تقول : إن الكتب المقدسة لا يوجد بها أخطاء ، هذا القرآن ، قال له : هذا فرعون الذي ذكره الله عز وجل  أنا رممت جثته بنفسي موجود حتى الآن ، وآثار الملح في فمه ، وكل الدلائل تؤكد أنه مات غرقاً .

الآن جفري لنك ، هذا الأستاذ الملحد ، أكبر داعية في أمريكا إسلامي ، هذه الفتاة لم تنطق بكلمة ، لكن حجابها دعوة .

أنا أؤكد لكم أيها الإخوة الكرام ، حجاب الفتاة دعوة ، صدقك دعوة ، أمانتك دعوة ، عفتك دعوة ، لطفك دعوة ، إنصافك دعوة ، عدلك دعوة ، المؤمن أكبر داعية دون أن يشعر ، صادق ، إن حدثك فهو صادق ، إن عاملك فهو أمين ، إن استثيرت شهوته فهو عفيف ، لا يتورط :

[ سورة يوسف : الآية 23]

لذلك أحب الطائعين ، و حبي للشاب الطائع أشد ، فرق كبير ، زعيم قريش أبو سفيان فيما تروي بعض الروايات أنه وقف بباب عمر ساعات ، ولم يؤذن له ، و هذا زعيم قريش أكبر شخصية في قريش ، الذي آلمه أن صهيباً وبلالاً يدخلان ، و يخرجان بلا استئذان ، فلم دخل عليه قال له : يا أمير المؤمنين ، زعيم قريش يقف في بابك ساعات طوالاً ، وبلال وصهيب يدخلان بلا استئذان ، فقال له كلمتان ، قال له : أنت مثلهما ؟

فلذلك شاب نشأ في طاعة الله ، و قال بعض علماء القلوب : " من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة " .

 أحب الطائعين ، و حبي للشاب الطائع أشد ، أحب الكرماء ، وحبي للفقير الكريم أشد ، المؤمن الفقير زرته ، عنده أربع برتقالات ، يضعها في صحن ، تفضل ، يدعوك إلى الطعام الذي عنده ، المؤمن لا يبخل بماله أبداً ، والله يوجد إخوة كرام دخله لا يكفيه أسبوعين ، له صديق أخ في الله فَقَدَ عمله ، أعطاه نصف ما عنده ، أعرف و الله إخوة إذا زاروا أخاً لهم ، وعلموا أنه لا يملك شيئاً من المال إن ذهب ليأتي بالماء وضعوا في جيبه المال دون أن يشعر ، لأنه عفيف جداً .

وأحب الكرماء ، وحبي للفقير الكريم أشد ، حدثني أخ عمل لي ورقة الأسبوع الماضي أن طفلاً في الجامع معه مئة ليرة ، يبدو من مقتنياته سمع عن صندوق العافية فصرفها ، ودفع خمسين ليرة ، هذه الخمسون يمكن أن تسبق عشرة آلاف ليرة عند الله : هكذا قال عليه الصلاة و السلام ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ... )) .

[النسائي]

ودرهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفق بعد مماتك ، متى تشعر بقيمة الإنفاق ؟ وأنت شاب ، هذه الألف ليرة لها معنى ، أما شخص معه احتشاء ، ومعه جلطة ، ومعه خمسون مرضًا ، وهو بالفراش ، الألف لا قيمة لها ، المال كله لم يعد له قيمة ، يجب أن تنفق وأنت صحيح شحيح ، المال يفعل معك كل شيء ، أحب الطائعين ، و حبي للشاب الطائع أشد ، أحب الكرماء ، وحبي للفقير الكريم أشد ، وأحب المتواضعين ، و حبي للغني المتواضع أشد .

و الله أيها الإخوة الكرام ، يوجد أغنياء مؤمنون تشتهي الغنى من تواضعهم ، ومن سخائهم ، ومن حبهم للناس ، ومن أعمالهم التي لا تعد ولا تحصى .

أنا ـ والله ـ أعجب أشد العجب من إنسان معه وسائل أن يصل إلى أعلى مراتب الجنة ، ويبخل ، كل واشرب ، واسكن في بيت ، واقتنِ الحاجات الأساسية أنت وأهلك ، وهذا الفائض الكبير يمكن أن تصل به إلى أعلى درجات الجنة ، لكنك لا تفعل .

معقول يا إخواننا من شخص أمضى حياته في العلم ، أربعون سنة في طلب العلم ، قال له : بمَ نلت هذا المقام ؟ سليمان بن عبد الملك قال لعطاء بن أبي رباح ، فقال له : باستغنائي عن دنيا الناس ، وحاجتهم إلى علمي الذي قطعت له أربعين عاماً .

يأتي إنسان غني بماله فقط يساوي العالم ؟ هكذا النبي قال ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ ، رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ ، وَ آنَاءَ النَّهَارِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَ آنَاءَ النَّهَارِ )) .

[البخاري]

كنت مرة في لبنان ، رجل محسن كبير طبيب ترك مستشفيات ومصحات ودور عجزة ودور للمعاقين ، ولبنان كلها تلهج باسمه ، وتوفي ، وتولت الأوقاف إدارة هذه المؤسسات الكبيرة ، هذا الذي يبقى .

فلذلك أيها الإخوة الكرام ، وأحب المتواضعين ، و حبي للغني المتواضع أشد ، وأبغض ثلاثاً ، وبغضي لثلاث أشد ، أبغض العصاة ، و بغضي للشيخ العاصي أشد ، أي مراهق في الستين ، ليس من المعقول ، تجد شخصاً سخيفاً يبالغ بالزينة ، تزين ، وتجمل ، لكن يوجد وضع معقول ، أما المبالغة بالزينة ، وكأن الجنس إلهه يعبده من دون الله ، وأبغض ثلاثاً ، و بغضي لثلاث أشد ، أبغض العصاة ، و بغضي للشيخ العاصي أشد .

(( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، شَيْخٌ زَانٍ ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ )) .

وأبغض ثلاثاً ، وبغضي لثلاث أشد ، أبغض العصاة ، وبغضي للشيخ العاصي أشد ، وأبغض المتكبرين ، وبغضي للفقير المتكبر أشد ، ما عنده شيء لا يتكلم معه ، تجد شخصاً لا يملك علماً ، و لا فهماً ، و لا مالاً ، و لا شيء ، وهو  متكبر ، شيء لا يحتمل ، قد يتكبر إنسان ، و هو يتربع على ثروة كبيرة جداً ، الأمر اختلط عنده ، قد يتكبر الإنسان ، وهو  يحتل منصباً رفيعاً جداً ، قد يتكبر الإنسان ، و معه أعلى شهادة باختصاص نادر ، نوعاً ما مقبول ، أما لا علم ، و لا فهم ، و لا حكمة ، و لا مال ، و لا شيء ، و مع ذلك متكبر .

وأبغض المتكبرين ، و بغضي للفقير المتكبر أشد ، الآن ، و أبغض البخلاء ، و بغضي للغني البخيل أشد ، غني يدفع المبالغ الطائلة دون أن يشعر .

 والله مرة رجل محسن كبير شفاه الله الآن مريض ، أراد أن يبني مسجداً في منطقة لا يوجد بها مساجد ، و كلف أحد إخواننا أن يشتري أرضاً ، والأرض اشتراها مناسبة ، مساحتها مناسبة ، و شكلها مناسب ، و اتجاهها مناسب ، و جاء هذا المحسن الكبير ليرى الأرض ميدانياً ، والسعر مناسب ، قال له : ثلاثة ونصف مليون ، فوقع شيك بمليونين ، أعطاه لصاحب الأرض ، صاحب الأرض آذن بالمدرسة ، ورثها من شهر ، عنده ثمانية أولاد ، دخله أربعة آلاف ، فقير جداً ، لكن ورث هذه الأرض من شهر ، فلعل الله ينفعه بثمنها ، فقال له : ثلاثة ونصف ، هذان مليونان اثنان ، أين التتمة ؟ قال له : التتمة عند التنازل ، قال له : ما التنازل ؟ قال له : هذه الأرض سوف يبنى عليها مسجد ، فحينما تذهب إلى الأوقاف ، و تكتب تنازلاً عندئذ نعطيك التتمة ، قال له : مسجداً ! فأخذ الشيك ، و مزقه ، قال له : و الله أستحي من الله أن أبيع أرضاً لتكون مسجداً ، أنا أولى منك أن أقدمها لله عز وجل .

يقول هذا الغني المحسن : و الله ما صغرت في حياتي أمام إنسان كما صغرت أمام هذا الفقير ، كيف أنه استحيا من الله أن يبيع أرضاً تكون في النهاية مسجداً ؟!

والآن المسجد قائم ، ومئذنته أعلى مئذنة في المنطقة .

وأبغض ثلاثاً ، و بغضي لثلاث أشد ، أبغض البخلاء و بغضي للغني البخيل أشد .

أيها الإخوة الكرام ،  طبعاً هذا الكلام مستوحى من هذا الحديث الصحيح :  (( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، شَيْخٌ زَانٍ ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ )) .

عائل أي فقير .

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi