English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
 

الدرس   23 / 32  من الشمائل  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع         : السيرة النبويَّة :  شمائل الرسول صلى الله عليه  : مشاورته لأصحابه .

تفريغ المهندس  : عبد العزيز كنج عثمان .

التدقيق اللغوي    : الأستاذ غازي القدسي والأستاذ أحمد مالك .

التدقيق النهائي   : المهندس غسان السراقبي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثالث والعشرين من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى مشاورته صلى الله عليه وسلم لأصحابه ، وهذا الدرس أيها الإخوة من أدق الدروس التي يتصل موضوعها بحياتنا اليومية ، قال تعالى يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم :

( سورة آل عمران : من آية " 159 " )

       فالله سبحانه يأمر النبي أن يشاور أصحابه ، مَن هو النبي ؟ سيد الخلق ، وحبيب الحق ، أوتي الفطنة ، سيد ولد آدم ، يوحى إليه ، معصوم ، ومع كل هذه الخصائص ، ومع كل هذه الميزات ، ومع عصمته ، ومع رجاحة عقله ، ومع أن الوحي يُصَبُّ على صدره ، ومع كل ذلك أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه ، قال :

 

( سورة آل عمران )

       فما الذي يعنينا مِن هذا ؟ ما الحكمة التي وراء المشاورة ؟ في كلام الله عز وجل حِكَمُهُ التي لا تعدُّ ولا تحصى ، لماذا أمر الله النبي أن يشاور أصحابه ؟ قال : أولاً لأن في مشاورة أصحابه تطييباً لنفوسهم ، أي أنك حينما تأمر ، وعلى الطرف الآخر أن ينفذ ، يشعر أنه أداةٌ بيدك ، أما حينما تشاوره تُشْعِرُه أنه شريكك ، وهذا من الأساليب التربوية ، كان عليه الصلاة والسلام يستشير أصحابه في الغزوات ، معنى ذلك أن الصحابة الكرام حينما يشيرون عليه أن يخرج للقاء العدو ، ويخرجون معه ، لا يشعرون أنهم أدوات ، هم شركاء .

      فالمشاورة من شأنها أن تطيِّب نفوس الذين تشاورهم ، فأنت ترى أن الحكمة أن تفعل كذا في بيتك ، لو سألت زوجتك ما قولك يا فلانة في هذا الأمر ؟ فإذا قالت : والله نِعْمَ الرأي ، فإذا بدأت أن تفعله فلا تشعر أنها مأمورة بل هي شريكة ، ما قولك يا فلان أن نفعل كذا ؟ فإذا أجابك إلى رأيك وفَعَلَه ، يفعله عن طيب نفسٍ ، فأول حكمةٍ من حكم مشاورته صلى الله عليه وسلم أن يطيِّب نفوس أصحابه .

      الله عز وجل حينما أمر عباده أمرهم وبيَّن لهم حكمة أمره ، وأيضاً حينما يأمر الخالق أمراً ، يأمر عباده أمراً ويبيِّن لهم حكمته ، فإنه يُطيِّب قلوبهم بهذا الأمر ، هذه واحدة ، والشيء الذي يقولـه النبي عليه الصلاة والسلام هو ذاته الذي قاله تعالى ، قال مرةً لأبي بكرٍ وعمر : ((لَوِ اجْتَمَعْتُمَا فِي مَشُورَةٍ مَا خَالَفْتُكُمَا)) .

( من مسند أحمد : عن " أبي بكر وعمر " ) 

       ما معنى هذا الكلام ؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما يسأل أصحابه ، أصحاب الرأي الراجح ، أصحاب العقل السديد ، يقول : أنا لو استشرت أبا بكرٍ وعمر لا أخالفهما ، وهذا دليل أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار أصحاباً ليشاورهم من أصحاب العقول الناضجة ، وهو بهذا يُعَزِّزُ رأيه برأيهم ، فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ : ((مَنْ لَمْ يَشْكُرْ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرْ الْكَثِيرَ وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ وَتَرْكُهَا كُفْرٌ وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ)) .

(أحمد)

       طبعاً أنت رأيت هذا الرأي ، وهو على صواب لا شك ، لو سألت إنسانًا آخر وأشار عليك بالرأي نفسه ، فأنت بهذا تتقوى على هذا الرأي ، أنت رأيت ، والحق معك ، والحُجَّة قوية، أما إذا جاءك صديق ، واستشرته ، وأشار عليك بما أنت صانع ، تشعر بالأُنس ، تشعر أن رأيك سديد ، هذا اسمه التقوِّي ، ولو كنت على حق ، ولو أصبت في رأيك ، حينما تسأل من حولك ، وتستشيرهم ، ويدلون لك بالرأي نفسه ، هذا مما يقوِّي رأيك .

     إذاً أول حكمة من حكم المشاورة تطييب نفوس أصحابه ، والحكمة الثانية أن النبي صلى الله عليه وسلم يَتَقَوَّى برأيهم .

    أخ يسألني سؤالاً ، أعرف الجواب ، وأعطيه الجواب والدليل ؛ الآية أو ، الحديث ، ورأي الفقهاء ، أكون مرة في نزهة لقاء مع إخواننا العلماء ، أقول : ما قولكم في هذا الموضوع ؟ يجيبون كما أجبت ، أشعر براحة ، أتقوَّى ، هذا الذي أفتيت به يُفتي به غيري ، وغيري ، وغيري ، فالإنسان أحياناً يتقوى بأخيه ، أنا رأيت أنّ هذا هو الجواب ، وأنّ هذا هو الدليل ، وأنّ هذه هي الآية ، وهذا رأي الإمام أبي حنيفة كذلك ، فهو قوة لرأيي ، وحينما أرى أن أُناسًا آخرين يفتون بما أفتي أشعر بأُنس ، أشعر بطمأنينة ، أشعر أني مع المجموع ، أنني مع جماعة المؤمنين ، الإنسان دائماً لا يختَرْ رأيًا ضعيفًا ، ولا رأيًا مُفْرَدًا ، ولا حُجة ضعيفة ، ولا رأيًا شاذًا ، عليه أن يكون مع جمهور العلماء ، ومع جمهور المسلمين، ومع الأكثرية، فَعَنْ  أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ)) .

(ابن ماجه)

      لا تجتمع ، ويجب أن تعلموا علم اليقين أن النبي صلى الله عليه وسلم معصومٌ بمفرده ، بينما أمته معصومةٌ بمجموعها ، لا تجتمع على خطأ ، فأنت حينما تقرأ التفاسير، يقول لك : قال الجمهور ، فكن مع الجمهور ، كن مع الأكثرية ، طبعاً الأكثرية ليس من عامة الناس ، بل المقصود من جماعة المؤمنين ، لأن الأكثرية من الناس على ضلال ..

 

( سورة يونس : من آية " 36 " )

      إذا قلت : كن مع الأكثرية أقصد بها أكثرية المسلمين ، وإذا قلت لك مرة : كن مع الأقلية ؛ مع أقلية الناس المؤمنة ، الكثرة غير مؤمنة .

      إذاً أولاً تطيب نفوسهم ، وثانياً تتقوى برأيهم ، أنت على حق ، لكن سبحان الله السؤال يُعطي أُنسًا ، يعطي قوة ، يعطي ثقة بالنفس .

      والأخطر من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما شاور أصحابه تنفيذاً لأمر الله عز وجل ، فهو إنما يُشَرِّع لأمته من بعده ، أي أنَّه هو معصوم لا يخطئ ، والوحي يسدده ، والله يؤيده ، ورجاحة عقله لا حدود لها ، والتوفيق الإلهي يحالفه دائماً ، لكن هؤلاء الذين سيأتون من بعده ، من أمته من أمراء أو من علماء ، ليسوا في مستواه ، قد يخطئون ، قد يلتبس عليهم الأمر ، إذاً هم في أشد الحاجة إلى المشورة ، فقد سَنَّ لهم المشورة ليكون قدوةً لهم ، إذاً رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم غنيٌ عن آراء أصحابه ، لأنّ رجاحة عقله ، وعصمته ، والوحي الذي يأتيه يغنيه عن مشاورة أصحابه ؛ إلا أنه شاور أصحابه ليكون قدوةً لمن بعده من العلماء والأمراء ، هو حينما شاور أصحابه كان مُشَرِّعاً في مشاورة الأصحاب .

      كلكم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صَلَّى الظهر يومًا ركعتين ، ركعتين فقط ، فقيل له : ((أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ النَّاسُ نَعَمْ ـ أي صليت ركعتين فقط ـ فسأل النبي أصحابه ، طلبًا للتواتر ، فتبيَّن فعلاً أنّه صلى ركعتين ، قال : إنما نُسِّيتُ كَي أَسُن)) .

( من صحيح البخاري : عن " أبي هريرة " بغير زيادة "إنما نسيت ....." )

      فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم في كل أيام بعثته ما نسي ولا مرة ، كيف يَسُنُّ لنا سجود السهو ؟ ليس إذًا من طريق إلى ذلك ، لهذا قال الله عز وجل :

( سورة الأعلى )

       إلا ما شاء الله لحكمةٍ تشريعية ، أي يجب أن ينسى كي يشرِّع لنا سجود السهو ، فمقامه فوق النسيان ، لكن أنساه الله عز وجل لحكمةٍ تشريعية راجحة .

       أيضاً عندما شاور النبي أصحابه ، طبعاً تطييبًا لخاطرهم ، وتقوَّى بهم ، ولكنه قطعاً غنيٌ عن رأيهم ، وعن توجيههم ، وعن خبرتهم لأنه معصوم ، ومعه الوحي ، وله من رجاحة عقله ما يغنيه عن عقولهم ، ومع ذلك شاورهم كمشرِّع ليكون قدوةً لهم .

       تذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم اقترض من يهوديٍ من أهل الكتاب ، وقد يقول إنسان ضيِّق التفكير : أيعقل أن يقترض النبي من يهوديٍ وأصحابه حوله يفدونه بأرواحهم وبمهجهم ؟! الجواب سهل جداً : هو ما اقترض من هذا الكتابي لحاجة ، أو لأن أصحابه يقصرِّون في حقه ؛ لكن أراد أن يكون مشرِّعاً ، لك أن تتعامل مع أهل الكتاب ، أنت الآن لو دخلت لمحل صاحبه غير مسلم ، من أهل الكتاب ، أيجوز أن تشتري منه ؟ نعم يجوز ، ولا شيء في ذلك ، يجوز أن تشتري منه ويجوز أن تبيعه ، لولا أن النبي تعامل مع أهل الكتاب لما جاز لك أن تفعل ذلك ، فالنبي مُلزم من قِبَل الله عز وجل أن يكون قدوةً ومشرعاً .

      وهذا مثل أوضح من ذلك ، في نظركم أيهما أشدُّ شجاعة ؛ سيدنا النبي الذي كان يقول أصحابه : ((كان إذا حمي الوطيس واحمرَّت الحدق اتَّقينا برسول الله ، فلم يكن أحدٌ أقرب إلى العدو منه)) ، أي أن شجاعة أصحابه مجتمعين لا تعدل جزءًا من شجاعته صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك كيف هاجر النبي ؟ هاجر مُساحلاً ، وتخفَّى ، ودخل إلى غار ثور ، وأمر من يأتيه بالأخبار ، ومن يأتيه بالزاد ، ومن يمحو الآثار ، لماذا فعل النبي هذا ؟ لماذا لم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما فعل عمر ؛ هاجر متحدياً المشركين ، قال : (من أراد أن تثكله أمه ، أو أن ييتم ولده فليحقني بهذا الوداي) ، الإنسان قد يعجب ، يا رب أيهما أشد شجاعةً ، نبيُّك المُرسل أم هذا الصحابي الجليل ؟ صحابيٌ يتحدى كفار قريش ، والنبي يتسلل ، ويتخبأ ، ويذهب إلى غار ثور ، ويقيم فيه أيامًا ثلاثة .

      الجواب سهل جداً : لو أن النبي هاجر كعمر ، لعُدَّ اقتحام الأخطار واجباً ، ولكان الأخذ الحيطةً حراماً ، ولأَهْلكَ أمَّته من بعده ، فهو مشرِّع ، كل أفعاله تعد تشريعاً ، كل شيء يفعله تشريعٌ إلى يوم القيامة ، لذلك فالنبي أخذ الحيطة ، وأخذ بالأسباب ، ولم يتحد قريشاً ، ذهب إلى غار ثور ، مكث فيه أياماً ثلاثة ، كلَّف من يأتيه بالأخبار ، من يمحو الآثار ، من يأتيه بالزَّاد ، استأجر خبيراً غير مسلمٍ ، رجَّح الخبرة .

       أحياناً يكون الطبيب غير مسلم مختص بهذا المرض ، والمرض عُضال ، أخي أنا لا أتعامل مع غير المسلمين ، النبي سيد الخلق استأجر خبيرًا في الطريق مشركًا ، أحياناً يجب أن تقصد الخبرة لذاتها ، عندك قضية عويصة ، علَّة في الجسم حيَّرت الأطباء ، وجاء طبيب غير مسلم متخصص بهذا المرض ، فينبغي أن تستفيد من خبرته ، لأن الحياة غاليةً عند الله وعند الناس .

      على كلٍ فالنبي مشرِّع ، فعندما استشار أصحابه شرَّع لنا أن نستشير، شرع للأمراء من بعده ، وللعلماء من بعده أن يستشيروا ، وفي موقف عملي أبلغ من ذلك ـ وهذا في الحقيقة يشبه موضوع صلاة الظهر ركعتين ـ النبي الكريم في موقعة بدر اختار موقعًا ، تقول : يا رب ألم يكن من الممكن أن ترسل له جبريل ليخبره عن الموقع المناسب ؟ هذا ممكن ، يا رب لمَ لمْ ترسل له جبريل ؟ ألم يكن من الممكن أن تلهمه الموقع المناسب إلهاماً ؟ نعم ممكن ، لمَ لمْ يكن ذلك ؟ اختار موقع ، اجتهد النبي واختار موقع ، فجاء صحابي في أعلى درجات الأدب ، أعلى درجات الغَيْرَة ، أعلى درجات الحُب ، وسأل النبي سؤالاً يقطر أدباً ، قال : ((يا رسول الله هذا الموقع وحيٌ أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمكيدة ؟ ، الصحابي دقيق جداً ، لو أن هذا المكان وحي لما كان له أن ينبس ببنت شفة ، قال له : بل هو الرأي والمكيدة ، فقال : يا رسول الله ليس بموقع ، بكل بساطة ، بكل تواضع ، بكل عفوية ، من دون تشنُّج ، من دون أن يرى النبي أن هذا انتقاصاً من قدره ، من دون أن يُهمل هذا الذي نصح ، من دون أن يحطِّمه ، من دون أن يطرده ، قال له : أين الموقع المناسب ؟ قال : هناك ، فأعطى النبيُّ أمرًا بنقل الجيش إلى ذاك الموقع .

       هذه القدوة ، كان عليه الصلاة والسلام قدوةً لأمته من بعده ، فإذا جاءك إنسان مخلص ، غيور ، جاءك ناصحاً ، بيَّن لك الحجة والدليل ، إيَّاك أن تستعلي عليه ، إياك أن ترفضه ، إياك أن تدير ظهرك له ، إياك أنْ تفعل ما يحطِّمه لأنه تجرَّأ ونصحك ، بل بالعكس .

     أيها الإخوة ـ دققوا فيما سأقول ـ الذين يمدحونك لا يرفعونك ، لكن الذين ينتقدونك هم الذين يرفعونك ، كلما انتقدك إنسان بشيء تتلافاه وترقى وتعلو ، وكلما مدحك إنسان ، تطمئن إلى سلوكك ، فلن ترقى عندئذٍ ، هذا قول سيدنا عمر لا يغيب عن ذهني إطلاقاً : (أحبُّ ما أهدى إلي أصحابي عيوبي) ، هذا حال الإنسان المؤمن ؛ يقبل النصيحة ، ويصغي إليها ، ويشكر صاحبها ، لا يحتقره ، ولا يعنفه ، ولا يهجره ، ولا يَعدُّ هذا تجرُّؤًا عليه ، أبداً ، اشكره على نصيحته .

      إذاً كان عليه الصلاة والسلام يشاور أصحابه ليكون عملُه سنةً من بعده ، فهو المشرِّع .

       أخرج البيهقي عن الحسن رضي الله عنه ، أنه  قال في هذه الآية :

 

( سورة آل عمران : من آية " 159 " )

       قد علِم الله تعالى ما برسول الله صلى الله عليه وسلم حاجةٌ إليهم ، لكنه أراد أن يَسْتَنَّ به مَن هم بعده ، فأنت الآن كتطبيق عملي ؛ لك أسرة ، فما مِن مانع للأمور الأساسية أن تستشير زوجتك ، وليس في هذا من غضاضة ، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم استشار أم سلمة في صُلح الحُديبية ، فأشارت عليه ، ونفذ مشورتها ، لا مانع أن تستشير الأولاد الكبار عندك ، تطيِّب نفوسهم ، وتتقوى برأيهم ، وتشعرهم أنهم شُركاء ، وفوق هذا وذاك تعلمهم أن يتواضعوا في مستقبل حياتهم ، وتعلمهم أن يشاوروا ، وتعلمهم أن يقبلوا المشورة والنصيحة .

      إخواننا الكرام ؛ الذي يقبل النصيحة التي تُسدى إليه بإخلاص ، ليس أقل أجراً من الذي يُسديها ، أنت نصحت ، فلك أجر ، لكن هذا الذي يقبل هذه النصيحة بأدبٍ جَم ، ويثني عليك ، ليس أقل أجراً منك ، يجب أن تعلم أنك إذا نصحت فلك أجر ، وإذا قبِلت النصيحة فلك أجر ، عوِّد نفسك أنْ تقول لأيِّ ناصحٍ : جزاك الله عني كل خير ، إلا إذا كان هناك التباس ، أو خطأ ، فَهمٌ خطأ ، فتقول : أنا لم أقصد ذلك ، هذا الذي قصدته .

       وروى ابن عدي والبيهقي في الشُعَبِ بسندٍ حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :((لما نزلت وشاورهم في الأمر قال عليه الصلاة والسلام : أما إن الله ورسوله لغنيَّان عنها ، ولكن جعلها الله تعالى رحمةً لأمتي ، فمن استشار منهم لم يعدم رُشداً ، ومن تركها لم يعدم غَيًّا)) .

       أنت ممكن أن تقتبس خبرة خمسين سنة بسؤال ؟ طبعاً ممكن أن تقتبس خبرة خمسين سنة بسؤال أديب لرجل خبير في عمله ، عالم بالتجارة ، بالصناعة ، قبل أن تُقبل على المشروع ، خذ رأي أهل الرأي من المؤمنين الصادقين ، استشرهم .

      أيضاً من حِكَمِ المشاورة أن الذي تشاوره ترفع قدره ، وتشعره أن رأيه مقبول ، وأن له دوراً في هذه الأسرة ، أو في هذه المؤسسة ،  أو في هذه المدرسة ، أو في هذا المستشفى ، إذا كان مديرًا عامًا في مستشفى سأل الأطباء مَن حوله : ما قولكم في كذا وكذا ؟ هذه يسمونها الآن إدارة ديموقراطية ، إدارة ناجحة ، لكن في قول :

 

( سورة آل عمران : من آية " 159 " )

       لكي لا تنقلب المشاورة إلى فوضى ، وإلى تمزُّق ، وإلى تعطيل أعمال ، وإلى مُهاترات ، نحن نستشير ، ونأخذ الرأي ؛ ولكن ضرورات القيادة تقتضي في بعض الحالات أخذَ رأي الناس ، ولكن افعل الذي تراه صواباً بعد أن تستأنس بآرائهم ، فالشورى هل هي مُعْلِمة أم ملزمة ؟ في الإسلام مُعْلِمَة ، لأن :

     

إلا إذا كان المستشار ليس متمرِّساً في هذا العلم ، فيجوز لإنسان يستشير علماء في قضية فقهية ، فإذا كانت بضاعته في الفقه ضعيفة ، يصبح رأي المستشار مُلزماً ، إذا كان في القضية التي يستشير فيها ليس مُلِمَّاً بها ، تصبح المشورة مُلْزِمَةً وليست مُعلمةً .

      يقول بعضهم في هذا المجال كلامًا طيبًا : إن الاستبداد في الرأي يجعل العقلاء كالمفقودين ، والمختارين كالمكْرَهين ، إذا استبدَّ إنسان برأيه وحوله عقلاء ، يلغي عقلهم بهذه الطريقة ، فالطريقة المستبدة تلغي عقل العقلاء واختيار المختارين ، المختار ينقلب إلى مُضطر ، والعاقل ينقلب إلى غبي حينما تستبد برأيك .

      روى الشافعي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ((ما رأيت أحداً أكثر مشاورةً لأصحابه من النبي صلى الله عليه وسلم)) .

      وهناك نقطة مهمة غابت عنا ، أن القائد إذا استشار ، مثلاً مدير مدرسة ، مدير مستشفى ، مدير مؤسسة ، رب أسرة ، رب عمل ، تاجر ، لو استشار من حوله ما الذي يحدث ، غير تطييب قلوبهم ، وغير التقوِّي برأيهم ، وغير أن تعلي مكانهم ؟ في استشارتهم هدف تربوي كبير وهو أنك حينما تستشير مَن حولك تتعرف إلى عقولهم ، تتعرف إلى وجهات نظرهم ، تعرف صاحب العقل الراجح من صاحب العقل المحدود ، تعرف بعيد النظر من قاصر النظر ، تعرف المخلص من غير المخلص ، أنت حينما تستشير ، تمتحن من دون أن يدري هؤلاء أنك تمتحنهم.

     إذاً الاستشارة مهمة ، والله عز وجل وصف المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم ، فقال تعالى:

 

( سورة الشورى : من آية " 38 " )

       وقال له :

 

( سورة آل عمران : من آية " 159 " )

       معنى ذلك أن الشورى يجب أن تغدو جزءًا من حياة المؤمن .

       ولا شك أن كل واحدٍ منكم في حياته العملية ، أحياناً أسديت له نصيحةٌ ثمينة ، واستفاد منها فائدة عظمى ، وكان عليه أن يبالغ في الثناء على من أشار عليه بهذه النصيحة ، وأنت حينما تتقبَّل هذه النصيحة ، وتثني على أصحابها ، تشجِّع هذا السلوك القويم الذي جاءت به السنة المطهرة ، ونطق به القرآن الكريم .

       وبعدُ ؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام حثَّ أصحابه على الاستشارة ، فكان عليه الصلاة والسلام يحثُّ على الاستشارة ، ويرغِّب فيها ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال عليه الصلاة والسلام : ((المستشير مُعان ، والمستشار مؤتمن ، فإذا استشير أحدكم فليشر بما هو صانع لنفسه)) .

( من كشف الخفاء : عن " عائشة " )

       واسمحوا لي أن أذكر هذه الأمثولة : لو أنّ شخصًا سألك عن شاب ؟ فقلت له : هو جيد أو ممتاز ، فقال لك : أزوِّجه ابنتي ؟ قلت له : زوِّجه ، قال لك : بالله عليك لو طلب ابنتك هل تزوِّجه إيَّاها ؟ فإذا كنت أنت في قرارة نفسك لا تزوِّج ابنتك لهذا الشاب ، فينبغي أن تقول له : لا أزوِّجه إياها ، فالأولى أن تنطق بالحق وألا تُجامل ، المستشار مؤتمن ، يقول عليه الصلاة والسلام : ((المستشير مُعان والمستشار مؤتمن ، فإذا استشير أحدكم فليشر بما هو صانع لنفسه)) .

( من كشف الخفاء : عن " عائشة " )

       بعض تُجَّار الأقمشة يكون لديه لون كاسد ، أو نوع من القماش كاسد ، فهذا التاجر يخيِّط بنطالاً لنفسه من هذا القماش ، وكلما سأله زبون : بالله عليك هل هذا النوع جيِّد ؟ يقول له : تفضل انظر فأنا لابس منه ، يكون هو لابس منه لكي يُصَرِّفه ، هذه خيانة ، كثير من الأشخاص يستعمل الحاجة ويقول : أنا أستعملها ، فأنت لك مصلحة في استعمالها ، مَن استشار فليُشِرْ بما هو صانع لنفسه حقيقةٌ ، وليس استعراضاً ، أو خبثاً ، أو مكراً ، لا ، بل حقيقةً .

      العلماء قالوا : المشورة أن تستخلص حلاوةَ الرأي وخالصَهُ من خبايا الصدور ، كما يشور العسل جانيه ، كأنك تأخذ العسل من الخلية ، أنت حينما تستشير مؤمناً صادقاً خبيراً ، كأنما تأخذ العسل من صدره ، تأخذ الرأي السديد .

      منذ يومين أخ كريم بعد إلقائي درسًا في مسجد الطاووسيَّة قال لي : لقد اشتريتُ أرضًا ، وبعد ما تملكتها جاء من يدَّعي أن بعضاً منها ملكه ، ونازعني ، وأنا رجعت للبائع ، وقدم لي وثائق غير كاملة ، أقيمت دعوى ربحتها ، والأرض كلها بحوزتي ، لكنني لست مرتاحاً ، إلا أن بعضاً منها لا يملكه الذي باعني إيَّاها ، مع أنني ربحت الدعوى ، لكنّي قلقٌ منذ ثلاث سنوات ، ثم قال : ثم توفِّي الذي باعني ، فماذا أفعل ؟

     قلت له : القضية سهلة ، القسم الذي شككت فيه ، بعه ، وتصدق بثمنه ، فإن كانت الأرض لك كُتبت لك هذه الصدقة في صحيفتك يوم القيامة ، وإن كانت لغيرك كتبت لك في صحيفته ، وأنت بهذا نجوت من القلق ، طبعاً لأن البائع مات ، ولو كان حيًّا لأعطيتَه إياها ، ويتصرف فيها ، ولقد تأثر السائل تأثراً لا حدود له ، فهذا الحل كان غائبًا عنه ، فهو يعاني من القلق طيلةَ ثلاث سنوات ، لأنه يظنّ أنه آكل مالاً حرامًا ، فحكم المعتدي على أرض ، لو اغتصب شبراً منها ، فالمغتصِب شبرًا في جهنم فكيف بدنمين ؟ كان قلقًا مضطربًا ، هذا الحل مريح ، تصدق بهذا المبلغ ، إذا كانت الأرض لك فالصدقة لك ، وإن كانت هذه الأرض لغيرك كتبت في صحيفة غيرك ، ونجوت أنت من الإثم ، وانتهى الأمر ، فلا شيء إلاّ وله حل ، وإذا بحثتَ عن الحل وجدتَه .

       وفي بعض الآثار : " نقِّحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أموركم بالمشاورة " ، أي أن أجمل جلسة هي مذاكرة العلم ، عليك قضية ، خذ رأي الآخرين ، اسألهم عن دليلهم ، عن حجَّتهم، وازن بين رأيك ورأيهم ، نقَّحت عقلك بالمذاكرة ، واستعينوا على أموركم بالمشاورة ، لكن ليس لك حق أن تستشير أي إنسان ، فاعرف مَنْ تستشير . 

( سورة الكهف )

       يجب أن تستشير المؤمنين ، العلماء قالوا : المستشار يجب أن يكون أميناً محترماً ، ناصحاً ، ثابت الجأش ، غير معجبٍ بنفسه ، ولا متلِّونٍ برأيه ـ أي سويعاتي ـ ولا كاذبٍ في مقالِهِ ، ولا محباً لهذا الأمر الذي يستشار فيه ـ كأن يكون هو مأخوذ بالحدائق ، وسألته : هذه الحديقة لي ، ولجاري ماذا أفعل ؟ يقول لك : خذها ، مادام مغرماً بالحدائق ، فينبغي ألا تستشير إنساناً غارقاً في حب هذا الشيء الذي تستشيره به ـ لأنه يغلبه الهوى ، ولا متجرداً عن الدنيا ـ شخص بعيد عن الدنيا ، ساكن بصومعة ، قلت له : هذا المحل التجاري في خلاف بيني وبين صاحبه . فيقول لك : أعطه له ، وأنت عندك أولاد ، فإذا كان لك يجب أن يبقى لك ، وإذا كان الإنسان بعيدًا عن موضوع الاستشارة ، بعيدًا بُعدًا شديدًا ، فهذا صعب أن يعطيك رأيًا صحيحًا ، وإذا كان غارقًا في حُب الشيء صَعُب عليه أن يعطيك رأيًا صحيحًا ، الأول بُعدُه الشديد يُعمِّي عليه الحقيقة ، والثاني قُربُه الشديد يعمِّي عليه الحقيقة ـ ولا تستشِر بخيلاً بقضايا مالية ـ يقول لك : " ضب قرشك ولا ترد عليه" ، البخيل لا يستشار ، إياك أن تستشير بخيلاً أو مغرماً في موضوع الاستشارة ، أو بعيداً عن موضوع الاستشارة ـ يجب أن تستشير الأمين ، المحترم ، الناصح ، ثابت الجأش غير المعجب بنفسه ، وغير المتلون برأيه ، ولا الكاذب في مقاله .

      وعن أبي مسعود رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

 

((المستشار مؤتمن، وهو بالخيار ، إن شاء تكلَّم ، وإن شاء سكت ، فإن تكلم فليجتهد رأيه)) .

( من كشف الخفاء : عن " عائشة " )

     أي أنك بإمكانك ، أن تعتذر عن إبداء الرأي ، ولعل السكوت جواب ، أنت مؤتمن ، فإذا نشأت فتنة كبيرة من إبداء الرأي ، يجب أن تعتذر عن قبول الاستشارة ، أما أن تفتي ، أو أن تشير بما لست قانعاً به ، أو أن تفتي أو أن تشير بخلاف ما تعلم ، فهذه معصيةٌ كبيرة ؛ فاحذَرْ أن تشير بخلاف ما تعلم .

      وروى الطبراني عن أنسٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((ما خاب من استخار ولا ندم من استشار)) .

       الاستخارة لله عز وجل ، والاستشارة ـ الآن دققوا ـ لأولِي الخبرة من المؤمنين . لا يكفي أنْ يكون مؤمنًا ، ولا يكفي أنْ يكون خبيرًا ، لأولي الخبرة من المؤمنين ، إذا كان الخبير غير مؤمن فلن ينصحك ، قد يتعارض نصحه لك مع مصلحته فلا ينصحك ، والمؤمن غير الخبير يفتي لك بشيء وهو جاهل ، فالاستخارة لله عز وجل ، والاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين .

      وأخيراً : " من استشار الرجال استعار عقولهم " ، تستعين بعقل تراكمت فيه خبرات خمسين سنة ، تشتريه كله بكلمة لطيفة : ما قولك في هذا الموضوع يا سيدي ؟ من استشار الرجال استعار عقولهم .

      فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يترجم هذا الدرس عملياً في حياتنا اليومية ، عوِّد نفسك أنْ تستشير ، عوِّد نفسك أنْ تسأل ، تجس النبض ، تأخذ رأي من حولك ، تأخذ رأي الخبراء ، الأتقياء ، المؤمنين ؛ في زواج ، في تجارة ، في سفر ، إياك أن تستبد بالرأي ، إذا استبْددتَ برأيك وقعت في شر عملك .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi