English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
 

الدرس   07 / 32  من الشمائل  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع         : السيرة النبويَّة :  شمائل الرسول صلى الله عليه وسلَّم (خلقه العظيم) .

تفريغ المهندس   : عبد العزيز كنج عثمان .

التدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي والأستاذ احمد مالك .

التدقيق النهائي: المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السابع من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ، وننتقل اليوم إلى خُلقه العظيم ، بعد أن تحدثنا عن كمال عقله ، وعن كمال علمه .

       أيها الإخوة الكرام ؛ الأصل في هذا الموضوع قول الله عزَّ وجل في سورة القلم :

( سورة القلم )

       يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع أصحابه ، فرأوا في الطريق إنساناً مجنوناً ، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه سؤال العارف فقال : ((من هذا ؟ قالوا : مجنون ، قال : لا ، هذا مبتلى ، المجنون من عصى الله)) .

      أي إن العقل السليم يجب أن يهدي صاحبه إلى معرفة الله ، وإلى طاعته ، ويمكن أن تمتحن عقلك امتحاناً دقيقاً ، فكلما هداك إلى الله كان عقلك أرجح ، لذلك ورد في الحديث الشريف: أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً)) .

       هنا نقف أمام مشكلة محيِّرة ، قد تجد إنسانًا يحمل أعلى شهادة ؛ بورد مثلاً ، متفوقًا في اختصاصه تفوقًا مذهلاً ، أحد فلتات العصر في اختصاصه كما يقال ؛ في الآداب ، في العلوم ، في الفيزياء ، في الرياضيات ، وتراه لم يعرف ربه ، وهو غارقٌ في المعاصي ، وقد يشرب الخمر ، ولا يصلي ، فكيف توفق بين هذه الظاهرة ، وبين أن الدين هو العقل ، وأنه من لا عقل له لا دين له ؟

       هذه المشكلة أشار إليها بعض العلماء إشارة لطيفة ، فميَّز بين العقل والذكاء ، وقال : "الذكاء يتعلق بالجُزئيات ، والعقل يتعلق بالكليات " .

      ما كل ذكيٍ عاقلاً ، ولا يسمَّى الإنسان عاقلاً إلا إذا عرف الله ، لا يسمى الإنسان عاقلاً إلا إذا أدرك كليَّات الحياة ، لماذا أنت في الحياة ؟ لذلك لا تؤخذ بإنسانٍ متفوق في اختصاصه وهو يعصي الله ، هذا لا يسمى عاقلاً ، بل يسمى ذكياً ، والله سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغةٍ أرادها جعل أحطَّ الحيوانات من أذكى الحيوانات ، الحيوانات التي تعيش في المجاري هي من أذكى الحيوانات ، وهناك دراسات تؤكِّد أنها تتمتع بذكاء يندر مثيله من بين الحيوانات ، فالذكاء وحده ليس قيمةً يعتدُّ بها في ميزان المكارم .

        إذاً النبي عليه الصلاة والسلام :

( سورة القلم )

( سورة هود )

      يجب أن تشعر أيها الأخ الكريم بنعمة الله عليك ، فإذا تفضَّل الله عليك بمعرفته ، وطاعته، إذَا تكوّنتْ لديك فكرة صحيحة عن خالق الكون ، وصار عندك فكرة صحيحة عن منهجه ، ففي الأعم الأغلب عندئذٍ أنت مستقيم على منهج الله عزَّ وجل ، فلا تأكل مالاً حرامًا ، ولا تعتدي على أعراض الناس ، بل تعرف حدك فتقف عنده ، وهذه نعمةٌ عُظمى ، بل هذه النعمة المطلقة المُطلقة ..

 

( سورة الفاتحة )

       المغضوب عليهم هم الذين عرفوا وعصوا ، والضالون لم يعرفوا ، ولم يطيعوا ، والذين أنعم الله عليهم هم الذين عرفوا ربهم ، وأطاعوه ..

( سورة الأحزاب : من آية " 71 " )

       فالبطولة ألاّ يتأثر الإنسانُ بكلام الآخرين ..

( سورة يوسف )

       فعامة الناس ؛ تائه ، ضال ، شارد ، جاهل ، لا يعلم ، فالناس يعظمون أرباب الأموال ، يعظِّمون الأغنياء ، الأقوياء ، يعظمون من أوتوا حظوظاً من الدنيا كبيرة ، ولكنهم قد لا يأبهون لمؤمن خشع قلبه ، واستنار عقله ، وضبط سلوكه .

       طبعاً موطن الثقل ، أو موطن الشاهد في هذه الآية :

( سورة القلم )

       على صبرك على هؤلاء ، وعلى دعوتك إليهم ، أجر غير مقطوع .

( سورة القلم )

       اسمحوا لي أيها الإخوة أن أقول لكم : الدين بمجمله خلقٌ حسن ، و هناك أحاديث كثيرة صحيحة تزيد عن خمسين حديثًا ، تؤكِّد أن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً ، وأن أكمل المسلمين إسلاماً أحسنهم خلقاً ، وأن الخلق الحسن ذهب بالخير كله ، وأن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب النار الثلج ، الخلق الحسن هو الدين .

       السبب أنّ الإنسان أيها الإخوة مخلوقٌ لحياةٍ أبدية ، ثمن هذه الحياة الأبدية أن ينهى النفس عن الهوى ، والخلق الحسن هو ضبطٌ للهوى ..

( سورة الليل )

( سورة النازعات )

       الشجاعة معاكسة لميل حب السلامة ، السخاء معاكس لميل حب المال ، أداء العبادات يتناقض مع راحة الجسم ، فلو أردت أن تعدد تكاليف الدين لوجدت أن الدين كله عملية ضبط للنزوات والأهواء ، فكلما كان ضبطك أشد كان مقامك أعلى عند الله عزَّ وجل .

       فحقيقة الدين تتوافق مع الفطرة ، ولكنها تتناقض مع الطبع ، الجسم يحب الراحة ، والتكليف أن تصلي ، الجسم يحب أن يقبض ذوات الخمسمائة من الليرات ، والتكليف أن تدفع ، الجسم يحب أن يتسلَّى ، ويلهو بأحاديث الناس وقصصهم ، والتكليف أن تسكت ، الجسم يحب أن ينظر إلى المحرَّمات ، والتكليف أن تغض البصر.

        فالخلُق الحسنُ ضبط للنزوات ، ضبط للشهوات ، ضبط للأهواء ، فإذا أردت أن تلخص الدين كله ، فالدين خلُق حسَن ، والإنسان الذي لا دينَ له يأكل ما يريد ، يتكلم ما يشاء ، يذهب إلى حيث يشاء ، يعطي نفسه كل أهوائها، الدين إنسان منضبط ، وغير الدين إنسان متفلت .

        قلت يومًا في خطبة جمعة : الناس رجلان ؛ موصول منضبط محسن ، ومقطوع متفلت مسيء ، ولن تجد إنساناً ثالثاً ، على الرغم من أن هناك تقسيمات كثيرة كثيرة كثيرة ، يقول لك : الشمال والجنوب ، والشرق والغرب ، والعنصر الآري والعنصر السامي ، والسود والبيض والملونون ، والدول المتخلفة ، والنامية ، والمتقدمة ، والشعوب ذات البنية الخاصة ، وصنفوا الشعوب تصنيفات عديدة ، فهناك أغنياء وفقراء ، وأقوياء وضعفاء ، ومثقفون وغير مثقفين ، كل هذه التقسيمات تنتهي يوم القيامة إلى فريقين ؛ إنسان أول :

( سورة الليل )

وإنسانٌ آخر :

( سورة الليل )

إنسانٌ أول :

( سورة النازعات )

وإنسان آخر : ((وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ)) .

(رواه الترمذي)

       إنّها عملية فرز في صنفين ، قلت هذا مفصلاً في درسٍ سابق : إنّ الناس مؤمن وكافر ، مشرك وموحِّد ، منضبط ومتفلت ، محسن ومسيء ، مستقيم ومنحرف ، مخلص وخائن ، مقسط وظالم .

( سورة القلم )

      أي إنّ وصف ربنا عزَّ وجل جامع مانع ، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن أعظم الخطباء على الإطلاق ؟ نعم ؟ أما إنّه كان أعظم المحدثين ؟ فنَعَمْ ، ما كان أعظم العلماء ؟ نعم ، وأعظم القادة ، وأعظم المتكلمين ، لكن الله حينما وصفه فبماذا وصفه ؟ :

( سورة القلم )

       وصفه الوصف الذي يرفعه ، فإذا أوتي شخصٌ مقدرة كلامية ، أو ذاكرة قوية ، أو محاكمة جيدة ، قد يتفوق ، ولكنه لا يرقى عند الله إلا بخلقه العظيم ، ولو تتبعت ما في السنة النبوية الشريفة لوجدت أن الخير كله في الخُلُق العظيم .

        وقد ذكرت لكم كثيراً أن هذه الآية :

( سورة القلم )

       (على) تفيد الاستعلاء والتمكُّن ، أي إنّ النبي عليه الصلاة والسلام متمكن من خلقه العظيم، لكن بعض الذين أحياناً يتخلَّقون بأخلاق جيِّدة فبعدَ بعد صراع ، وبعد انتصار على أمرٍ صغير ، يقول لك : عانيت معاناة شديدة ، ثم انتصرت على نفسي ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فخُلُقُه العظيم يعني أنه متمكن .

       هذا وصف عام ..

( سورة القلم )

       وبعد ، فما هو إذًا هذا الخلُق ؟      

       إذا دخلنا في التفاصيل ، ما هو هذا الخلق ؟  فعَنِ الْحَسَنِ قَالَ سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : ((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ)) .

(رواه مسلم ، وأحمد ، واللفظ له)

 فالقضية سهلة ، وأرجو الله سبحانه وتعالى إذا قرأنا القرآن أن نقيس أنفسنا بآياته دائماً ، فمثلاً أين أنتَ من قوله تعالى :

( سورة الأنفال )

       أين أنت من هذه الآية ؟

( سورة البقرة )

       أين أنت من هذه الآية ؟

( سورة المؤمنون )

       ثمّ أين أنت من هذه الآية ؟

( سورة الفرقان )

       هذا الذي أرجوه من الله عزَّ وجل ، إذا قرأت القرآن أن تسأل هذا السؤال الدائم : أين أنا من معاني هذه الآية ؟ أنا مع من ؟

( سورة البقرة : من آية " 222 " )

       هل أنت من التوابين ؟

( سورة التوبة )

       إن الله يحب الصادقين ، إذا قرأت القرآن دائماً اسأل نفسك : أين أنت من هذه الآيات ؟ النبي صلى الله عليه وسلم كما قالت السيدة عائشة ((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ)) .

(رواه مسلم ، وأحمد ، واللفظ له)

يغضب لغضبه ، ويرضى لرضاه  .

      فمثلاً أنت زوج ، متى تغضب في البيت ؟ إذا لم يكن الأكل جاهزاً ، أما إذا كان خروج ابنتك لا يرضي الله عزَّ وجل فأنت متساهل ، والتساهل شديد ، ففي أمور خروج بناتك ، وأمور إقامة الحدود ، وأمور إقامة الشرع تتساهل ، ولكنْ في موضوع الطعام والشراب تغضب ، الأكمل أن تغضب إذا انتهكت حرمةٌ من حرمات الله عزَّ وجل ، لذلك يغضب لغضبه ويرضى لرضاه ، وما الذي يغضبك كفي عملك ؟ إنْ لم يدفع لك إنسانٌ تغضب !! فهذه علاقة غير صحيحة ، وكذلك قد يكون لديك علاقة ربوية ولا تغضب لها ‍‍! متى يكون خلقُك القرآن ؟ إذا غضبت لغضب القرآن ، و رضيت لرضاه .

       ومرةً ثانية ، إذا قرأت القرآن فاسأل نفسك هذا السؤال دائماً : أين أنا من هذه الآية ؟ أنا مع من ؟

( سورة الشورى )

       أنت مع من ؟

( سورة النحل )

       أنت مع من ؟ كلما قرأت آيةً صنِّف نفسك مع إحدى فقراتها .

       وروى ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت : ((كان أحسن الناس خلقاً ، كان خلقه القرآن ، يرضى لرضاه ، ويغضب لغضبه ، لم يكن فاحشاً ولا متفحِّشاً ، ولا صخَّاباً في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ثم قالت : اقرأ :

إلى عشر آيات ، فقرأ السائل ، فقالت : هكذا كان خلق رسول الله)).

      كأن درسنا اليوم اقرأ القرآن ، ودائماً وازن بين أخلاقك والوصف القرآني للمؤمنين ، فإذا تطابقا فهذه نعمة الله العظمى ، إذا كان الفارق بسيطًا فحاوِلْ أن تقلِّل من هذا الفارق ، إلى أن تطابق أخلاقك مع وصف القرآن الكريم لأخلاق المؤمنين .

        وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ((ما كان أحدٌ أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال : لبيك ، فلذلك أنزل الله تعالى:

      

لبيك ، تواضعٌ مع الناس لا تصده أبراج عاجية ، ولا تمنعه حواجز شكلية ، ما دعاه أحدٌ من الناس أو من أصحابه أو من أهل بيته إلا قال : لبيك ، فلذلك أنزل الله تعالى :

      

       أحياناً يدعوك فقير فيجب أن تلبي ، ويدعوك إنسان ضعيف الشأن في المجتمع فيجب أن تلبي ، فكلما كنت متواضعًا مع الناس ؛ مع فقرائهم ، مع مساكينهم ، مع الطبقة الدنيا من المجتمع ، تألَف وتؤْلَف ، تعطي وتأخذ ، فأنت على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

       عن عمر رضي الله عنه أن رجلاً نادى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ، وفي كل مرةٍ يردُّ عليه النبي ويقول : لبيك لبيك " ، أحياناً الإنسان يُقرع جرسُ بيتِه ، فينتظر قليلاً ، يتجاهله صاحب البيت ، يتوضأ ، لكنه عليه الصلاة والسلام نودِيَ ، ثلاث مرات ، وفي كل مرة يقول له: " لبيك لبيك ، لبيك لبيك ، لبيك لبيك ".

        إخواننا الكرام ؛ دققوا في هذه الفكرة : إذا سمح الله عزَّ وجل لك أن تكون في خدمة عباده ، فيجب أن تقوم بهذا العمل على أتمِّ وجه ، وإذا  طلب الإنسان من الله عزَّ وجل أن يكون باباً له ، فعليه أن يكون مع الناس بأعلى درجات التواضع والخدمة ، لأنه كما قال بعض الصالحين : " يا رب ، لا يطيب الليل إلا بمنجاتك ، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك " .

          أي إنّ أساس الدين أنّ هذا الخالق العظيم خلقك ، ولم تكن شيئاً مذكوراً ، فأنعم عليك بنعمة الإيجاد ، ثم أنعم عليك بنعمة الإمداد ، وأخيرًا عليك بنعمة الهدى والرشاد ، وأنت لا تملك إلا أن تخدم عباده اعترافاً بهذا الفضل ، فأساس الدين خدمة الخلق تقرباً للحق ، ولا تميز بين عبدٍ وعبد ، كلهم عبادٌ لله عزَّ وجل ، ولا سيما أنك إذا خدمت غير المسلمين ، ورأوا من كمالك ، ومن رحمتك ، ومن اهتمامك ، ربما جلبتَهم إلى هذا الدين ، وإذا أسأت إليهم نفَّرتهم عن هذا الدين .

       وروى البخاري عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ)) .

       أما أحسن الناس وجهاً ليس المقصود به الجمال المادي ، المقصود أن الإنسان إذا صفت سريرته ظهر هذا الصفاء في وجهه ، تنظر إلى وجهه فترتاح له ، قد يكون ملوَّنًا ، لكنك تشعر أنّ فيه صفاء ، تشعر أنّ فيه روحانية ، وفيه تألق ، فيه نور ، لا أقصد أبداً جمال الصورة المادية ، أقصد أنك إذا نظرت إلى مؤمن رأيت في وجهه نوراً ، رأيت في وجهه صفاءً ، رأيت في وجهه تألُّقاً ، هذا التألق وذاك الصفاء وهذا النور انعكاس لصفاء نفسه ، ونورانيَّة قلبه ، وكمال خلقه ، هذا معنى كونِ النبي عليه الصلاة والسلام أحسنَ الناس وجهاً ، وأحسنهم خلقًا ، ويضاف إلى ذلك أن وجه النبي عليه الصلاة والسلام كان كالبدر ، كان من أجمل الوجوه ، إضافة إلى النورانية ، وإلى التألُّق والصفاء ، كان من أجمل الوجوه خَلْقًا .

وأحسن منك لم تر قط عيني     وأكمل منك لم تلد النساءُ

خلقت مبرَّأً من كل عيبٍ...     كأنك قد خلقت كما تشاءُ

*  *  *

       بالمناسبة في حياة كل واحدٍ منا ثلاث شخصيات ؛ شخصيةٌ يكونها هو ، وشخصيةٌ يكره أن يكونها ، شخصيةٌ يتمنَّى أن يكونها ، قل لي ما الشخصية التي تتمنى أن تكونها أَقُلْ لك من أنت ؟ أحياناً إنسان ينظر إلى تاجر كبير ، مكاتب فخمة ، سيارات ، أجهزة ، صفقات كبيرة ، عنده موظفون كُثُر ، أحلامه تنصب على هذا النموذج ، وقد يكون الإنسان في جامعة ، وفي وظيفة متواضعة يرى أستاذًا ذا كرسي مثلاً ، يداوم ساعتين أو نحوهما ، له مكتب فخم ، والطلاب حوله ، وله مؤلفات ، فهذا هو الشخصية التي يتمنى أن يكونها هذا الشخص مثلها .

       أما المؤمن وأقول لكم هذا الكلام بدقة بالغة ، المؤمن لا يتمنى إلا أن يكون على أثر هذا النبي العظيم ، وإذا دخل بيته وعمل عملاً ، فليتساءل : يا ترى هل كان النبي يفعل هذا ؟ إذا عَامَلَ أخًا ، يا ترى أهكذا علمنا النبي ؟ دائماً يقيس سلوكه بسلوك النبي ، لأن الشخصية الأولى التي يتمنى أن يكونها المؤمن أن يكون على منهج النبي عليه الصلاة والسلام .

       قال الرواة : " فهو عليه الصلاة والسلام أجمل خلق الله خَلْقاً وأكملهم خلُقاً ، بل هو فيّاض المكارم والكمالات " .

       في مسند أحمد وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ)) .

(أحمد)

وفي رواية أخرى : إنما بعثت معلماً ، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) .

      هذا حديث خطير ، وهذه اللام لام التعليل ، أي أن علة بعثته صلى الله عليه وسلم ، غرس القيم الخُلقية في المجتمع البشري ، معنى ذلك أنّ العلم في الإسلام وسيلة وليس غاية ، فإذا انحرف الإنسان ظن أن العلم وحده هو كل شيء ، فيحقق ، يمحص ، يدرُس ، يحفظ ، يؤلِّف إلى أن يغدو أحد أقطاب زمانه ، لكن ليس لديه أيّ استقامة في سلوكه ، أو ليس لديه أيّ عمل صالح ، وليس عنده قلب متألق بحبِّ الله عزَّ وجل ، فلم يعرف جوهر الدين ، وأنّ جوهر الدين الخلقُ العظيم ، لأنه ثمن جنة الله عزَّ وجل إلى أبد الآبدين .

       وروى الإمام مالك في الموطأ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ)) .

      الإمام أحمد في مسنده : ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ)) ، لكنَّ رواية الإمام مالك في الموطأ : ((بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)).

      قال الإمام الجنيد : " إنما كان خلقه عظيماً لأنه لم يكن له همةٌ سوى الله تعالى " ، تحليل دقيق ، إذا كانت للإنسان مطامح دنيوية ، مآرب دنيوية ، يتخلق بأخلاق تتناسب مع هذه المطامح، ويقول لك : دبَّرت نفسي ، ألف قلبة ولا غلبة ، إذا كانت مطامح الإنسان دنيوية ، يتخلق بأخلاق تناسب هذه المطامح ، أما إذا كان الإنسان ليس له همةٌ إلا الله سبحانه ، فهذا هو الهمُّ العظيم ، وهذا التوجُّه الكبير له خلقٌ يناسبه ، أمّا الشخص المادي فلا تهمه سمعته ، بل يهمه أن يحصِّل أكبر مبلغ ممكن بأقل جهد ممكن .

       إنّ الإنسان الذي همُّه الله ، همه تقريب الناس من الله ، همه الدعوة إلى الله ، همه تحبيب الناس بهذا الدين ، تجد أخلاقه تتناسب مع هذا الهم ، يتواضع لهذا الهدف الكبير ، يتطامن لهذا الهدف السامي ، يرحم الناس لهذا الهدف ، يعفو عنهم لهذا الهدف ، يعطيهم لهذا الهدف ، يبذل من وقته وجهده وماله لهذا الهدف ، صار البذل ، والعطاء ، والكرم ، والرحمة، والتساهل ، والعفو ، والحلم ، أخلاقَ مَن كان همُّه الله .

       من كان همُّه الربحَ تجده حريصًا ، يحاسب ، يتشدد ، الذي همه الدعوة إلى الله عزَّ وجل يتخلق بأخلاق تتناسب مع هذا الهم العظيم مِن دون أنْ يشعر ، لذلك فالإمام الجنيد قال : " إنما كان خلقه عظيماً لأنه لم يكن له همٌ سوى الله تعالى " .

       في قول آخر : "إنّ النبي عليه الصلاة والسلام جمع مكارم الأخلاق التي جاءت بها الأنبياء قبله " ، كل المكارم الأخلاقية التي جاء بها الأنبياء قبله جمعها النبي صلى الله عليه وسلم وزاد عليها .

       والله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة آل عمران  : من آية " 159 " )

       الآيات القرآنية أحياناً لها وجوه عديدة ، فحينما أودع الله في قلب النبي هذه الرحمة ، من نتائج هذه الرحمة اللين مع عباد الله ، الرحمة تساوي اللين ، والقسوة تساوي الغلظة ، الرحمة أساسها الاتصال بالله ، اتصال ، رحمة ، لين ، انقطاع ، قسوة ، فظاظة ، وهذه الآية قانون :

      

بسبب الرحمة التي في قلبك لنت لهم ، هذه الآية لنا نحن المؤمنين ، كلما حصلت على مزيد رحمة من الله عزَّ وجل لانَ قلبك للناس ، فترحمهم ، وتعفو عنهم ، وتأخذ بيدهم ،و تتجاوز عن أخطائهم ، وتتمنى لهم السعادة ، بسبب هذه الرحمة التي استقرَّت في قلبك عن طريق الاتصال بالله عزَّ وجل لنتَ لهم ، ولو لم تكن في قلبك هذه الرحمة لكنت قاسياً معهم ، فإذا كنت قاسياً معهم نفروا منك ، انفضوا عنك ، آية دقيقة ؛ اتصال ، رحمة ، جذب ، انقطاع ، قسوة ، نفور ، إذا أردت أن يجتمع الناس حولك فارحمهم ، تواضع لهم ، تجاوز عن سيِّئاتهم ، خذ بيدهم ، أعطهم ، ابذل لهم من وقتك، من جهدك ، من علمك ، إذا أردت أن ينفض الناس من حولك  كن قاسياً معهم ، هذه الآية قانون :

      

الباء سببية ، بسبب الرحمة التي استقرت في قلبك لنت لهم ، ولو لم تستقر هذه الرحمة في قلبك لقسوت عليهم ، فإذا قسوت عليهم لكنت ..

      

          هذا معنى أوّل ، أمّا المعنى الثاني : فأنت على أنك نبيٍ ، وعلى أنك مرسل ، وعلى أنت معصوم  ، وعلى أنك يوحى إليك ، وعلى أنك مؤيدٌ بالمعجزات ، مع كل هذه الميزات ..

      

فإذا لم يكن الإنسان معصوماً ، ولا يوحى إليه ، وليس مؤيداً بالمعجزات ، ولا هو نبي ولا هو رسول ، وكان فظًّا وغليظًا مع الناس ، فهذا الذي جمع كل هذه الصفات ، لكن ينفضّ الناس مِن حوله ، وينبذونه .

      

لو لم تكن للإنسان أيّة ميزة ، وكان فظًّا وغليظًا ، فهذا ما أنزل الله به من سلطان .

     لكن كان عليه الصلاة والسلام ، ليِّن الجانب ، سهل الخلق ، حسن المعاشرة مع الأهل والأصحاب وسائر الناس ، يعطي جليسه حظاً كبيراً من الانبساط والملاطفة وحسن المقابلة .

       روى الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كَانَ إِذَا وَصَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((... أَجْوَدُ النَّاسِ كَفَّا وَأَشْرَحُهُمْ صَدْرًا وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ ...)) .

      أيها الإخوة ؛ أرجوكم ألاَّ تظنوا أن هذا وصفٌ للنبي فقط ، بل هذا هدف لنا جميعاً ، فإذا قرأت أن النبي كان أصدق الناس لهجةً ، يجب عليك ألاّ تكذب أبداً ، لا تقل : عندي أولاد ، وأنا مضطر ، هكذا مصلحتي ، فالله هو الرزاق ، لا تصغر نفسك ، فالصادق كبير موَقَّر ، وأكبر مطبٍّ يقع فيه المسلمون كلما قرأ عن صفات رسول الله يقول : هذا نبي ، من قال لك : إنك لست مأموراً أن تكون على شاكلته ؟ " إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين " .

      ما هو جهاد النفس والهوى ؟ التوفيق المستمر دائماً بين أخلاقك ، وأخلاق النبي ، هذا جهاد النفس والهوى ، فكان أجود الناس صدراً ، وأصدقهم لهجةً ، وألينهم عريكةً ، وأكرمهم عشرةً .

      وروى البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : ((لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا)) .

((يا داود ذكِّر عبادي بإحساني إليهم ، فإن النفوس جُبِلتْ على حب من أحسن إليه)) .

       لا تقدر كداعية أنْ تستقطب الناس ، وأنْ تجمع الناس إلا بالخلق الحسن ، لا بالعلم ، العلم ضروري ، وشرط لازم لكنه غير كافٍ ، ومتى يصغي الناس إليك ؟ إذا أُعجِبوا بأخلاقك ، عندئذٍ يصغون إليك ، فأنت قبل أن تلقي العلم على الناس و تعلِّمهم عليك أن تكون ذا خلقٍ حسن، فأحياناً الإنسان تكون أخلاقه غير مكتملة ، فينصح والدَه مثلاً ، فوالدُه يقسو عليه ، أما لو أنّ الأب رأى ابنه في كمال ، ومع هذا الكمال قدّم نصيحة أديبة لأَصبحت مقبولة ، لا تقدر أن تؤثر بالآخرين إلا بالخلق الحسن ، ولا تستطيع أن تجعل الناس يصغون إلى كلامك إلا إذا أحسنت إليهم .

      قالوا : ومن لطفه صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يقابل أحداً بما يكره ، هناك أناس تجد عندهم شدّة في مواجهة الناس على أخطائهم ، يقول مثلاً : أنت كاذب ، فهذه ثقيلة ، أما لو قلت : كأن ليس هناك دقة في وصفك ، فهذه كذلك ككلمة كذَّاب ، ولكنها ألطف ، أو تقول : أنا أظن الأمر خلاف ذلك ، ويغلب على ظني أن الأمر خلاف ذلك ، معناها كذاب ، لكنها ملطفة كثيراً ، فالإنسان أحياناً كلما ارتقت نفسه ينتقي أجمل العبارات ، والله عزَّ وجل قال :

( سورة فصلت )

        كلمة " أحسن " اسم تفضيل ، وأنتَ أيها المسلم عليك أنْ تتنقي أجمل العبارات ، ومن لطفه صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يقابل أحدًا بما يكره .

     عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : ((لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ)) .

(رواه البخاري)

       فالسلف الصالح كانوا يقولون عند معاتبتهم شخصًا : اللهم ارضَ عليه ، فلان أغضبني ، سامَحَه الله ، تجد كلمات أحياناً من امرأة أمية ، لكن ليس عندها كلمة قاسية ، حتى لو أنها عتبت على ابنها ، حتى لو أنها غضبت عليه : الله يسامحه ، الله يبعث له الهناء ، واللهِ الكلام اللطيف جميل ، " ماله تربت جبينه" ، اللهم صلِّ عليه ، والحقيقة أن الإنسان بالكلام الطيب تلين له القلوب ، والفرقُ بين الذي يحسن والذي يسيء الكلمةُ الطيبة ، النبي قال: ((الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ)) .

( البخاري : عن " أبي هريرة " )

       يمكن ألاّ تشعر بهذه القيمة أمام أندادك ، أحياناً يكون صاحب محل عنده صانعون ، مدير مؤسسة عنده موظفون ، مدير مدرسة عنده مدرسون ، مدير مستشفى عنده ممرضون مثلاً ، لا تعرف قيمة الكلمة الطيبة إلا القمّة ، أحياناً مدير مستشفى رأى ممرضًا أو آذنًا : كيف الصحة يا بني ، إن شاء الله أنت مرتاح ؟ يظل شهرًا ذائبة نفسُه ، لم يكلفك شيئًا ، شعر أنك أب له ، فالكلمة الطيبة من معلم لتلميذ ، من طبيب إلى مريض ، من مدير إلى موظف ، من أب إلى ابن، أحياناً يكون عندك خادم ، أو بجوارك إنسان ضعيف ، الكلمة الطيبة لكلٍّ منهما صدقة .

     ذات مرة كنتُ قد ذكرت لكم عن قريب لي كان في العربية السعودية يعمل في التدريس ، قال لي : عندنا فراشون - أي خَدَم ، وبلُغَتِنا أذَنة ، هؤلاء يأتون من دول بعيدة ، وراتبهم أحدهم خمسمئة ريال بالشهر ، ويعملون أشق الأعمال ، هذا الفراش ليس تابعاً للمدرسة ، بل هو تابع لشركة تنظيفات ، وهناك شركات للتنظيف عندها موظفون يأتون من بلاد آسيا الجنوبية الشرقية - فهؤلاء الذين ينظفون المدرسة ، لهوانهم على مَن في المدرسة من مدرِّسين ، ومن طلاب لا يسلِّمون عليهم أبداً ، كأنهم ليسوا من بني البشر ، فأحدهم كان ينظِّف غرفة المدرسين ، وزميل مدرس ، صب كأس الشاي ليشربها ، فقرع جرس الدرس ، يبدو أن هناك دقة بالغة ، فما أحبَّ أن يتأخر ، فقال للفراش : تفضل ، وليس هذا مبادرة منه ، لكن قرع الجرس ، وكان قد صبَّ كأس الشاي ، هذا الذي أخذ كأس الشاي وشربها ، هذا العمل فعل في نفسه فعل السحر ، أنّ المدرِّسَ ضيَّفه كأس شاي .

      ففي اليوم التالي قال له : ما الذي حملك على أن تفعل هذا ؟ قال له : أنا مسلم ، وأنت أخ في الإنسانية ، وأنا عندي درس ، ثم جرى بينهما صار حوار ، فهذا الفراش تبيَّن أنّه يحمل ماجستير في الكيمياء ، أحضروه إلى البيت ، وأتوا له بقاموس دائرة معارف باللغة الأجنبية فقرأ فيه بطلاقة ، سألوه أدقَّ الأسئلة ، فكان كلامه صحيحًا ، وتحاوروا معه ، وبعد خمسة أو ست جلسات أسلم ، وأسلم من معه ممن حوله .

      كأس شاي تقدِّمه لإنسان بتواضع وبأدب فتغيِّر منهج إنسان !! فمَا أبْعدَ المسلم عن مستوى رسالته ، هذه القصة أرويها لأن الكلمة الطيبة صدقة ، كما قال عليه الصلاة و السلام .

      حدثني أخ من إخواننا ، واللهِ لا أرويها فخراً ، قال لي : اشتريتُ بيتًا بمدينة دوما ، ولنا جار كلما شعَر أنّي بالبيت أنقل الأغراض يُحضر لنا إبريقًا من الشاي ، مرتين ، وقد أعانه في نقل الأغراض ، قال له : والله أنا شاكر لك ، لكن لا يوجد معرفة سابقة ، فقال له : أنا أذهب إلى المسجد ، وأنت معنا فيه ، وقد كان لا ينتبه إليه ، قال له : كيف جئت إلى المسجد ؟ فقال : واللهِ جرَّني شخصٌ جرًّا ، والأستاذ سلَّم عليّ باحترام فأحببتُه ، هذا سلام باهتمام فقط ، فقلت : يا رب سلام باهتمام فقط ربط إنسانًا بمسجد ؟! وأنا لا أذكر القصة ، إلا أنّه قال لي : هذا جارنا ، فقلت له : أهلاً وسهلاً ، الله يعطيك العافية ، عينك عليه ، لم يكلفني غير الكلمات ، لكن اهتمامك بالأشخاص مردودُه كبير ، فالكلمة الطيبة صدقة ، والسلام بحرارة تكسب بهما صديقًا مؤمنًا ، فإذًا لا تضنَّ بابتسامة ، ولا بسلام حار ، ولا بمصافحة ، لا بسؤال عن الصحة ، لا بتعزية ، لا بمواساة ، بعيادة مريض ، كلها تنمي العلاقات ، وتجعل المسلمين كتلة واحدة ، أخوك مرض يجب أن تزوره ، تزوج يجب أن تهديه هدية ولو كانت بسيطة ، بعشرين ليرة ، لا أقول هدية ثمينة ، لكن لها اعتبارها ، فيها معنى المودة ، تهادوا تحابُّوا ، ممكن أن تقدِّم له شيئًا لا يذكر ، هذه إمكانيتُك ، ليس لك عنده ، ولكنها عربون مودة .

       على ذكر الكلمة الطيبة صدقة ، إذا دخلت البيت ، فقل : السلام عليكم ، كان الصحابة إذا سار اثنان منهم معًا ، وفرّقت بينهما شجرة بعد أن يلتقيا مرة ثانية ، يقول أحدُهما للآخر : السلام عليكم ، نكون مع بعضنا ثم ندخل إلى السيارة ، السلام عليكم ، واللهِ شيء جميل ، فمتى دخل بيتَه فليقل : السلام عليكم ، جلس فليقل : بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم ليسِّلم ، يقول الشيطان لمَن معه : ليس لكم هنا مبيت ، وإنْ سمَّى صاحبُ البيت قال الشيطانُ : ليس لكم عشاء ، فإنْ لم يسلم قال : أدركتم المبيت ، فإنْ لم يسمِّ قال الشيطانُ : أدركتم العشاء ، فكل الليل خلافات و مشاجرات ، أما لو قال : السلام عليكم لذهب الشيطان مهزومًا مخذولاً ، فالكلمة الطيبة صدقة ، كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس لطفاً .

       روى أبو نعيم في الدلائل عن أنسٍ رضي الله عن قال : ((كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس لطفاً ، والله ما كان يمتنع في غداةٍ من عبدٍ ولا أمةٍ تأتيه بالماء ، فيغسل وجهه بالماء وذراعيه ، وما سأله سائلٌ قط إلا أصغى إليه ، فلا ينصرف حتى يكون هو الذي ينصرف عنه، وما تناول أحدٌ يده قط ، إلا ناوله إياها ، فلا ينزع صلى الله عليه وسلم يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها منه)) .

       كان إذا صافح لا يسحب يدَه حتى يسحب الذي صافحه يدَه ، وإذا ويُقبِل على محدِّثُه حتى ينصرف عنه محدِّثُه ، هذه خلقه عليه الصلاة و السلام .

***

       ننتقل إلى انبساطه صلى الله عليه وسلم مع الأهل وذوي القُربى ، فروى مسلم في صحيحه عن سعدٍ بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه أنه قال :(( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كريم العشرة مع زوجاته وسائر أهله ، يلاطفهنّ ويمازحهنّ ، ويعاملهنّ بالود والإحسان)) .

      الإنسان العظيم خارج بيته عظيم ، أما في بيته فواحد من أهل بيته ، كان إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً ، فإذا كان الإنسان روحُه مرِحة مع أهل بيته ، ومع أولاده ، فهذه علامة نجاحه في زواجه ، أهلك أقرب الناس إليك، ما الذي يمنعك أن تكون مرحًا معهم ؟ اسمع من طُرفهم في مدرستهم ، أنت حِّدثهم عن طرفًة لطيفة ، كن لطيفًا ، داعبهم ، لاعبهم ، تكلم معهم كلامًا طيبًا ، كان عليه الصلاة والسلام كريم العشرة مع زوجاته وسائر أهله ، يلاطفهن ويمازحهن ، ويعاملهن بالود والإحسان .

    عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ))  .

     عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ)) .

( رواه الترمذي )

      وعن عباسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((خيركم خََيركم للنساء)).

 

      عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا)) .

( رواه الترمذي )

       يبدو من خلال هذه الأحاديث التي تؤكِّد أن علامةَ الخُلق الحسن الخلُقُ الحسن في البيت ، والسبب أن الإنسان خارج البيت مراقَب ، من زملائه ، ممن دونه ، من مرؤوسيه ، من عامة الناس ، والإنسان بحكم فطرته حريص على سمعته ، فحرصه على سمعته ، وعلى انتزاع تقدير الآخرين يدفعه لملاحظة نفسه و سلوكه ، قلت لكم في درس سابق : إن الإنسان بحاجةٍ ماسة إلى التقدير ، بأنْ يقدِّره الآخرون ، هذه حاجة اجتماعية عند الإنسان . فلهذه الحاجة الاجتماعية ، ولتقدير الآخرين تجده خارج البيت لطيفًا ، فيعتذر إنْ أخطأ ، يحاول أنْ يعمل عملاً جيدًا ، لكن أين المكان الذي ليس فيه رقابة ؟ البيت ، ففي البيت لا رقيبَ إلا الله عزَّ وجل ، لذلك قال عليه الصلاة والسلامِ : ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ)) .

( من سنن الترمذي : عن " عائشة " )

       وقال : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا)) .

(الترمذي)

             واللهِ ؛ الذي أرجوه لكم أن تكون بيوتكم جنة ، يكون بيته صغيرًا لكنه جنة ، الأكل خشن لكنه في الجنة ، ليس هناك فخامة لكن يشعر أنّه في الجنة ، فالجنة لا تأتي من الأثاث الفخم،  ولا من الأقواس ، ولا من الثريات ، ولا من البراد المليء بالحاجات ، لا ، فالجنة مودة بينك وبين زوجتك ، مودة ، حب ، رحمة ، احترام متبادل ، مشاعر مشتركة ، هذه هي الجنة ، فمِنَ الممكن أن يكون لك بيت متواضع ، صغير ، أثاثه بسيط ، والأكل خشن ، ولكن المودة موجودة بين الزوجين ، والله عزَّ وجل يقول :

( سورة الروم : من آية " 21 " )

       هذا تصميم الله عزَّ وجل ، هذا المخطط الإلهي ، هذا الأصل في الزواج المودة والرحمة، فأعجز إنسان من عجز أن يكون سعيداً في بيته ، هناك ظروف صعبة خارج البيت ، هناك قُوى لا تملكها ، قد تكون موظفًا ، ولك رئيس صعب في الوظيفة ، إنْ أحسنتَ لم يقبل ، وإن أسأتَ لم يغفر ، إن رأى خيراً كتَمَه ، وإن رأى شراً أذاعه ، سيئ ، أما بيتك فهو مملكتك ، فالإنسان إذا لم يكن مرتاحاً خارج البيت فلا أقلَّ من أن يكون داخل البيت مرتاحًا ، لأنه لو توافرت السعادة داخل البيت ، لامتصَّتْ كلَّ المتاعب خارجه ، أما في الداخل فجحيم ، وفي الخارج جحيم ، والله إنها لحياةٌ لا تطاق ، أنا أدعو إخواننا الكرام بقدر الإمكان ، وبحسب السُّنة أنْ يجعل بيته جنة ، بالتسامح مرة ، وبالعطف مرة ، وبالنصيحة مرة ، وبالخدمة مرة .

       وروى ابن سعدٍ عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت : كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيته ؟ تكلمي لنا عنه ضمن بيته ، ففي الخارج معروف هو رسول الله ، ولكننا نريد أخلاقه في وسط البيت ؟ قالت : ((كان ألين الناس بساماً ضحاكاً لم يُر ماداً رجليه بين أصحابه وذلك لعظيم أدبه وكمال وقاره)) .

     عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ((خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ - أي صغيرة - لَمْ أَحْمِلْ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ - فالمعنى أي أنها كانت جلد وعظم - فَقَالَ لِلنَّاسِ تَقَدَّمُوا فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ لِي تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ فَسَكَتَ عَنِّي حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ ـ سمنت قليلاً -وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ لِلنَّاسِ تَقَدَّمُوا فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَجَعَلَ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ هَذِهِ بِتِلْكَ * أي تعادلا ، "هذه بتلك)) .

(رواه أحمد)

      هذه لها معنى كبير ، نزل إلى مستواها وكانت جارية ، هذا النبي العظيم ، سيد الخلق ، حبيب الحق ، جاءه القرآن ، حمل عبء الرسالة ، فلا أحدَ أعظم منه في العالَم ، أعظم شخص أنيطت به أكبر رسالة ، ومع ذلك عنده زوجة صغيرة جارية ، قال : تعالَيْ أسابقك ، فما الذي يمنعك أنْ تكون مرحًا في البيت ، لطيفًا ، صاحبَ دعابة ، صاحبَ نكتة ، بسَّامًا ، ضحَّاكًا ، تتساهل ؟ هذا ممَّا يجعلك أسعد الناس ، وهكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام .

       وكان عليه الصلاة والسلام يعين أهله في الأمور البيتية ، وهذه أيضاً نحن مقصرون فيها، كان يعين أهله في الأمور البيتية ،  لكنْ بعض الناس يرى إذا أراد أنْ يحقِّق رجولته فيجب ألاّ يتحرك أيَّة حركة في البيت ، بينما النبي على عظمته كان يعين أهله في الأمور بيته .

      وروى البخاري عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ : ((مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ)) .

      وفي هذا تنبيه للأمة أن يسيروا على هذا الكمال ، ولا يكونوا من جبابرة الرجال ، خاصةً مع الأهل والعيال .

       وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء خيراً في مناسباتٍ متعددة ، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ)) .

       أنا والله أشعر أيها الإخوة إذا كان الإنسان مع أهله - ولا زلنا بصدد معالجة موضوع الأهل - يعيش في مودة ، في حب ، فالله يرزقك ، والله يفرح بهذين العبدين ، لأن الشغب ، والشقاق والخصومات تفكِّك الحياة الزوجية و، تصرف الإنسان عن صلاته ، وإنْ صلاّها صلاَّها متوتِّرَ النفس ، ودائماً في حالة هياج وغضب ، لذلك قال : ((اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ)) .

       وفي سنن الترمذي وابن ماجة حَدَّثَنَا عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَّرَ ، وَوَعَظَ فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةً فَقَالَ : ((أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا)) .

       فالنبي يوصيك بهن ، فإذا كنتَ تحبُّ شخصًا كثيرا ، فقدْ يكون في دائرة عملك مديرٌ مهم، وعندك موظف دونك ، وقال لك : هذا عينك عليه ، هذا وصيتي عندك ، واللهِ تعتنِي به عناية بالغة ، فكرامةً لعينِ المدير  تكرم مرج عيون ، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أوصاك بالنساء ، هذه امرأة ضعيفة ، قد تكون مزعجة ، لكنك أنت أعلى منها ، أنت أوسع منها ، بطولتك ليست مع امرأة متفوقة في الكمال ، بطولتك مع امرأة مزعجة ، وباحتوائك وامتصاصك لانفعالاتها وحركاتها الهوجاء تعبِّر عن كمالك .

      وإن شاء الله نتابع حديث الشمائل النبوية ، فهذا الموضوع مهمٌّ ، والنبي عليه الصلاة والسلام مهمَّتُه الكبرى في كونُه القدوةَ لنا ، وهذا الوضع الكامل ، دائماً نحن نوازن بين واقعنا وبين هذا النبي العظيم ، بهذا الخلق الكريم ، ونحاول أنْ نقلد ، نحاول أنْ نتقدم ، ونحاول أنْ نوفِّق سلوكنا مع سلوك النبي عليه الصلاة والسلام .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi