English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

سيرة أمهات المؤمنين : السيدة عائشة(3) الدرس  3/ 5  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع             : غيرتها من زوجات النبي وغيرتهن منها .

تفريغ المهندس        : عبد العزيز كنج عثمان .

التدقيق اللغوي        : الأستاذ غازي القدسي والأستاذ احمد مالك .

التدقيق النهائي        : المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

         أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس الثاني عشر من سير الصحابيِّات الجليلات ، ومع أمهات المؤمنين رضوان الله تعالى عليهنَّ أجمعين ، ومع الدرس الثالث من دروس السيدة عائشة رضي الله عنها.                                        

لقد احتلَّت السيدة عائشة رضي الله عنها مكانةً كبيرةً في بيت النبي ، مما جعل أنظـار الصحابة تتجه بإعجابٍ وإكبارٍ ، واحترامٍ وإجلالٍ نحو بيت أم المؤمنين الثالثة السيدة عائشة ، لما خصَّها الله تعالى من الفضائل والمُكرُمات مما أثار غيرة ضرائرها ؛ أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أجمعين .

      ما الغيرة ؟ خصيصة في النفس البشريَّة ؛ أودعت فيها لصالح النفس، الإنسان إذا كانت الغيرة التي في نفسه تدفعه إلى الفضائل ، وهي في الأصل حياديَّة ، يمكن أن تدفعك إلى أن تنافس أخاك في شأن الآخرة ، أو يمكن أن تدفعك الغيرة إلى أن تنافسه في شأن الدنيا ، إذا نافسته في شأن الآخرة كانت غيرةً محمودة ، وإن نافسته في شأن الدنيا كانت غيرة مذمومة ، هي حياديَّة يمكن أن تستخدمها سلماً ترقى به ، أو دركاتٍ تهوي بها .

      فالغيرة أمر فطري في كل إنسان ، هي في النساء أوضح ، لكن لها حالات طبيعيَّة ؛ ولها حالات مرضيَّة ، الحالات الطبيعيَّة لصالح الإنسان ، كم من إنسانٍ حفظ كتاب الله لأنه أصابته الغيرة من حافظٍ آخر ، كم من إنسان سلك طريق الإيمان لأنه أصابته الغيرة من قريبٍ ، أو صديقٍ ، أو جارٍ تفوَّق عليه في الإيمان .

      أنا أضرب لكم مثلاً واضحاً جداً ، كنت أُدعى كل عام لميتمٍ من أشهر مياتم دمشق ، هذا الميتم إدارته تدعو كبار أغنياء االشام ، ويقام حفل عشاء في رمضان ، وتلقى الكلمات تحث هؤلاء الأغنياء ـ أهل اليسار ـ على البذل والتضحية ، كنت أكلَّف كل عام بأن ألقي كلمة أحث بها الإخوة المؤمنين ، الذين امتنَّ الله عليهم بوفرة المال .

      طبعاً حينما نفتح باب التبرُّعات يقول فلان : أنا أدفع مئة ألف . يقول زميله : أنا أدفع مئتين. في ربع ساعةٍ أو أقل يجتمع ستة أو سبعة ملايين، وفي العام الماضي ارتأت إدارة الحفل أن توزع على الإخوة المدعويين استمارة ورقية ، كل واحد يكتب كم يتبرَّع من دون إعلام ، فكان المبلغ ثمانمئة ألف، فالفرق واضح جداً ، والإنسان أحياناً يندفع للعمل الصالح بدافع الغيرة ، هذه غيرة لصالح الإنسان .

      أنا أؤكد لكم أنه ما من واحد من الإخوة الحاضرين ، الإخوة المؤمنين إلا اندفع إلى عملٍ صالح ، أو إلى طاعةٍ لله ، أو إلى إقبالٍ على الله ، أو إلى تفوقٍ في العلم بدافع غيرةٍ أصابته من أخٍ قريبٍ له ، صديقٍ ، جار ، فالغيرة خصيصة من خصائص النفس البشرية ، حيادية إن استخدمتها في أمر الآخرة كانت سلَّماً ترقى به ، وإن استخدمتها في أمر الدنيا كانت دركاتٍ تهوي بها ، فإذا غرت من أخيك في جمع المال ، ونافسته في جمع المال ، وضيَّعت دينك وآخرتك ؛ كانت هذه الغيرة في غير موضعها ..

( سورة البلد )

( سورة الزخرف )

      يجمعون المال بدافع الغيرة من بعضهم بعضاً ، فكل خاصةٍ في الإنسان ، كل خاصةٍ على الإطلاق هي حياديَّة ، يمكن أن توظِّفها في الحق ويمكن أن توظفها في الباطل ، يمكن أن توظفها في أمر الآخرة فترقى ، ويمكن أن توظِّفها في أمر الدنيا فتهلك .

     إذاً الغيرة موجودة بكل إنسان ، أما إذا انصبَّت في شأن الدنيا أصبحت حسداً ، وإن انصبَّت على أمر الآخرة كانت غبطةً ، قد تجد إنساناً تفوَّق عليك فتغبطه وتسعى سعيه ، تغبطه وتقتفي أثره ، تغبطه وتنافسه ، هذه منافسة محمودة ..

( سورة المطففين )

( سورة الصافات )

      المرأة تغار ، ولو أنها كانت لا تغار لسقطت من عين زوجها ، لماذا يحبها زوجها ؟ لأنها تغار عليه ، لا تحتمل أن يميل إلى امرأةٍ أخرى ، هذه خاصَّة ، الأزواج أحياناً يتألَّمون من غيرة زوجاتهم ، أما لو تصوروا العكس أنه ذهب ، وسهر ، وخالط ، ولم تتكلَّم ولا كلمة ، يشعر أنها لا تحبه ، وقد تخرج من قلبه ، فالغيرة صفةٌ متمكنة في بني الإنسان وهي في النساء أوضح ، فلها وضعٌ طبيعي ولها وضعٌ مرضي .

     الوضع المرضي أن امرأةً تعرف زوجها مؤمناً ، مستقيماً ، لا يحيد لا يمنةً ولا يسرةً ؛ ومع ذلك إذا اتصلت به امرأةٌ على الهاتف لا يقر لها قرار، هذه غيرة مرضيَّة ينبغي أن تُعالج لتبرأ منها .

*  *  *

      لكن حينما جاءت هذه السيدة الفاضلة ـ السيدة عائشة ـ إلى بيت النبي في المدينـــة ، الصحابة الكرام عرفوا أنها بنت السيد الصديق رضي الله عنه، وهو من أحب الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، وكانت شابةً ذكيةً ، على مستوى رفيعٍ جداً من العقل والفهم ، اتجهت أنظار الصحابة إلى هذا البيت الثالث ؛ بيت السيدة عائشة .

     أمهات المؤمنين وقعن في الغيرة ، وهذا الشيء من طبيعة المرأة ، والنبي عليه الصلاة والسلام عبَّر عن هذه الحقيقة فقال :

" اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ " *

( من سنن أبي داود : عن " السيدة عائشة " )

     أنت مكلَّف أن تعدل بين الزوجات ، هذا العدل التام ، أما العدل المُطلق ليس في وسعــك ، ولا في طاقتك ، ولن تستطيعه .

     في صحيح البخاري يروي لنا هشامٌ عن أبيه رضي الله عنه قال :

" كان الناس يتحرَّون بهداياهم يوم عائشة ... " .

     فهي زوجة جديدة أدخلت على قلب النبي السرور ، بعد أن ماتت زوجته الوفيَّة السيدة خديجة، وجاءت من مكة إلى المدينة ، وسكنت في غرفةٍ من غُرف المسجد ، فصارت الأنظار تتجه إلى هذا البيت فقال :

" فكان الناس يتحرَّون بهداياهم يوم عائشة ، قالت عائشة : فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن : يا أم سلمة والله إن الناس يتحرَّون بهداياهم يوم عائشة ، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة ، فمري النبي صلى الله عليه وسلَّم أن يأمر الناس أن يُهدوا إليه حيث ما كان ، أو حيث ما دار ".

      أنا أقول لكم هذه الكلمة : الإنسان لأنه بشر ، تجري عليه كل خصائص البشر ، فإذا انتصر على نفسه يرقى .

      نساء النبي عليه الصلاة والسلام كل منهن امرأةٌ مستقيمة ، لكنها تحكمها خصائص النساء . مرَّة أهدت السيدة صفيَّة أهدت إلى النبي طبق طعامٍ طيِّب ، السيدة عائشة ما تمكَّنت أن تخفي غيرتها ، فأمسكت الطبق وكسرته، فالنبي عرف طبيعة المرأة فورد عنه :

" غضبت أمكم غضبت أمكم " .

     فأحياناً الإنسان لا ينبغي أن يُطالب زوجته أن تكون مثله ؛ هو رجل، وله إدراكٌ واسع ، وله طبيعةٌ خاصة ، وهي لها طبيعة خاصة هكذا فطرها الله عليها .

      فذكرت أم سلمة ذلك للنبي ، قالت : " فأعرض عني ، فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني ، فلما كانت الثالثة ذكرت له فقال : " يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة " .

      وهنا في نقطة دقيقة ، الله عزَّ وجل قال :

( سورة النساء : من آية " 32 " )

      في الكون عدلٌ مطلق ، وربنا حكمته مطلقة ، وأفعاله كلها حكيمة ، فأنت إذا رأيت أن الله سبحانه وتعالى أعطى إنساناً شيئاً ؛ ينبغي ألّا تحقد ، وألا تحسد لكن لك أن تغبط ، ولك أن تسير في الطريق الذي سار فيه ..

ملك الملوك إذا وهب    قم لاتسألَنَّ عن السبب

الله يعطي من يشاء..     فقف على حدِّ الأدب

*  *  *

" يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل عليَّ الوحي وأنا في لحاف امرأةٍ منكن غيرها " .

      فيبدو أن هذه الزوجة الطاهرة كانت من أقرب الزوجات إلى الله عزَّ وجل ، ومن أعلمهن بكتاب الله .

      وبعدُ فقد تجد شخصاً اجتهد اجتهد اجتهد ، وبذل وقته وماله وجهده في سبيل الله ، والله عزَّ وجل رفع ذكره ، أعلى شأنه ، أنت ينبغي أن تسلك سبيله لا أن تحسده ، ينبغي أن تسلك سبيله لا أن تحاول أن تنتقص منه ، لا أن تحاول أن تسفِّه آراءه ، إن رأيت في إنسان ميزة فقل إن الله يعطي من يشاء ، فقف على حد الأدب .

      ثم إن أمهات المؤمنين حاولن محاولةً ثانية مع السيدة فاطمة رضي الله عنها ، أن تكلِّم أباها النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخصوص ، فلم تُجدِ محاولتها شيئاً .

      فقد روى مسلمٌ في صحيحه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلَّم قالت :

" أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلَّم فاطمة بنت رسول الله إلى رسول الله ، فاستأذنت عليه وهو مضطجعٌ ، فأذن لها ، فقالت : يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة وأنا ساكتة ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلَّم : أي بنيَّة ألستِ تحبين ما أحب ؟ ... " .

     طبعاً ، فلا يمكن إلا أن يعدل النبي بين زوجاته ، لأن النبي مرةً قال له أعرابي : اعدل يا محمد . فقال له النبي صلى الله عليه وسلَّم :

" ويحك من يعدل إذا لم أعدل ؟ " .

( من صحيح البخاري : عن " أبي سعيد " )

     لكن الله عزَّ وجل ما كلَّفنا فوق ما نطيق ، الإنسان صاحب الفطنة ، وصاحب الأدب الجَم ، وصاحب الخُلق الرفيع ، هذا تميل إليه دون أن تشعر ، هذه سنة الله في خلقه ..

" جبلت النفوس على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها " .

     مثلاً ، شخص دائماً ينتقدك ، يحاول أن يعارضك ، يحاول أن يطعن في تصرفاتك ، فهل ينتظر منك أن توده مودة عالية ؟ بينما إنسان آخر أديب جداً ، لطيف جداً ، في خدمتك دائماً ، فشيء من طبيعة البشر أن تميل إلى هذا المحسن الأديب الذي يتحرَّى راحتك ، والإنسان الثاني الذي يتهجَّم عليك فنفسك تنفر منه بشكل طبيعي ، لذلك فالنفس لها قوانين ، أنت كإنسان مكلَّف أن تعدل العدل التام ، أما العدل المطلق فهذا لا تستطيعه لا أنت ولا غيرك ، لأن النفوس جبلت على حب الكمال ، على حب الجمال ، على حب النوال .

      الإنسان يحب الجمال والكمال والنوال ، النوال العطاء ، الذي يعطيك تحبه ، والذي تـراه كاملاً تحبه ، والذي منحه الله شكلاً جميلاً تحبه .

      فأحياناً يكون شخص عنده ابن له تألُّق ، تجد الأب يميل إليه أكثر من إخوته ، لكنه مكلَّف أن يعطي أولاده بالسواء ، مكلَّف أن يمنحهم العطف بالسواء ، لأن هذا القلب بيد الله عزَّ وجل ، وقد عبَّر عن ذلك النبي عليه الصلاة والسلام :

" اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ " *

( من سنن أبي داود : عن " السيدة عائشة " ) 

" ... أي بنيَّة ألستِ تحبين ما أحب ؟ قالت : بلا . قال : فأحبي هذه ـ أي عائشة ـ " .

      فأنا أقف عند هذه النقطة قليلاً ... مثلاً : شاب له أب ، هذا الشاب يتهجّم على أبيه ، يبدو سوء أدب من هذا الشاب ، ومحاسبة شديدة ، وعدم احترام ، وابن ثانٍ في غاية الأدب ، والإخلاص ، والاحترام ، والتلبية ، أينتظر الأول الأقل أدباً ، والأقل خدمةً من الأب أن يحبه محبة رائعة . هذا الشيء مضحك ، الأب إنسان ويميل إلى حيث يرى الفضل ، والأدب ، والعطف ، والرحمة ، والخدمة ، فأنت لا تطالب الناس أن يحبوك محبةً لا تساوي عملك .

      وهذا إنسان بعقله قصور ، الذي ينتظر من الناس أن يمحضوه حبهم ، وإخلاصهم ، وتفانيهم وهو يسئ إليهم ، هذا شيء مستحيل ، هذه طبيعة النفس البشريَّة ، إن أردت أن تنعقد حولك القلوب فأحسن إليهم ، والإنسان الكامل يملك القلوب ، بينما الإنسان القوي يملك الرقاب ، وشتَّان بين أن تملك القلوب وبين أن تملك الرقاب ، بونٌ شاسع بين الحالتين .

     فمثلاً زوج قاسٍ ، يحب نفسه ، أينتظر من زوجته أن تموت في حبه، لا لن تموت في حبك، ولن تهتمَّ بك ، إن لم تهتم بها فلن تهتم بك ، إن لم ترع حقوقها فلن ترعى حقوقك ، فكن واقعياً ، كن منطقياً .

     فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فرجعت إلى أزواج النبي فأخبرتهن بالذي قاله ، وبالذي قال لها النبي صلى الله عليه وسلَّم ، فقلن لها : " ما نراكِ أغنيتِ عنا من شيء ، فارجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم فقولي له : إن أزواجك ينشدنك ـ أي يسألنك ـ العدل في ابنة أبي قحافة " . فقالت فاطمة : " والله لا أكلمه فيها أبداً " .

     النبي يتصرف بالعدل المطلق ، بالعدل التام بين زوجاته ؛ لكن أين قلبه يميل ؟ هذه لا يملكها أحد .

     ثم أرسلن زينب بنت جحشِ زوج النبي صلى الله عليه وسلَّم ، وكانت تضاهي عائشة عند رسول الله في الحظوة والمنزلة ، فتكلَّمت في ذلك فلم تُجْدِ في كلامها شيئاً . ثم قال عليه الصلاة والسلام معلناً مكانة زوجه عائشة : " إنها ابنة أبي بكر " .

      أرأيتم إلى هذا الوفاء ؟ : " إنها ابنة أبي بكر " . فالإنسان أحياناً يتألَّم أشد الألم حينما يمحض كل إخلاصه ، وكل حبه ، وكل خدمته لإنسان ثم ينسى له هذا الإنسان ذلك كله ، أما النبي فهو أوفى الأوفياء ، ما من إنسان أعطى النبي عليه الصلاة والسلام كل اهتمامه كسيدنا الصديق ، وهذه ابنته ، وبالتعبير العامي ـ كرامةً لعين تكرم مرج عيون ـ فلأنها بنت أبي بكر لها عند النبي حظوةٌ خاصَّة .

*  *  *

      والسيدة عائشة أيضاً تغار من أمهات المؤمنين ، كانت أمهات المؤمنين يغرن على رسول الله من عائشة ، وكانت عائشة بينهن أشدهن غيرةً عليه منهن ، وعذرها أنها أول من تفتَّح قلبها لحب النبي صلى الله عليه وسلَّم بعد خديجة ، حيث كانت خطبتها بعد وفاة خديجة رضي الله عنها، وأنها أصغرهنَّ سناً ، وما تزوَّج عليه الصلاة والسلام بِكراً غيرها. فلديها أسباب لِتزهو على ضرَّاتها ؛ أصغرهن سناً ، وبنت أحب الخلق إليه، وكانت الوحيدة بينهن بِكراً من بين أزواج النبي عليه الصلاة والسلام.

     فهذا الدرس له معنى ، بكل بيت مشكلة ، والنبي بشر ..

( سورة الكهف : من آية " 110 " )

       طرق رجل باب سيدنا عمر ليشكو له زوجته ، فسمع صياحاً ، فولَّى هارباً ، سيدنا عمر سمع الباب يطرق ثم توقَّف الطرق ، فخرج فرأى أعرابياً ، فدعاه ـ ناداه ـ رجع ، لمَ طرقت وانصرفت ؟ قال له : جئتك أشكو مما أنت منه تشكو .

     إخواننا الكرام ... إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل  فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء .

     الدنيا مركَّبة على المشكلات ، مركبة على بعض النقص رحمةً بالإنسان ، تصور لو أن الدنيا جاءتك كما تريد لكرهت والله لقاء الله ، ثم والله ، لكن ما الذي يدعونا إلى أن نشتاق إلى لقاء الله عزَّ وجل ؟ فالدنيا المتعبة التي لا تستقيم لإنسان إطلاقاً ، إن جاءت من جهة تذهب من جهة ، إن منحت المال فليس عندك من الأولاد ما يستأهلون هذا المال ، وإن جاءك الأولاد الأبرار قد لا تجد المال الكافي لهم ، وإن حظيت بزوجةٍ صالحةٍ لا تُنجب ، وإن أنجبت قد يكون أولادها على غير ما تريد ، وإن كان الأولاد على ما تريد هناك علَّةٌ في الصحة ، فما من إنسان اكتملت دنياه ، ولو أنها اكتملت لكره الناس لقاء الله عزَّ وجل ، فأحد الأسباب في أن الإنسان يتمنى لقاء الله أن الدنيا متعبة .

     رأى النبي عليه الصلاة والسلام جنازة فقال :

" مستريح ومستراح منه فقالوا ما المستريح وما المستراح منه قال أما العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب ".

( من سنن النسائي : عن " أبي قتادة " )

     والله الذي لا إله إلا هو ليس في الدنيا شيء أثمن على الإطلاق من أن يموت أحدنا على الإيمان ، وينجو من فتنة الدنيا ؛ فتنة المال ، فتنة النساء ، فتنة العلاقات الاجتماعية ، فتنٌ لا تعدُّ ولا تحصى ، فكما ورد في الحديث القدسي :

" وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها سقماً في جسده ، أو إقتاراً في رزقه ، أو مصيبةً في ماله أو ولده حتى أبلغ منه مثل الذر ، فإذا بقي عليه شيء شدَّدت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه " .

      ولقد كانت الغيرة تنتاب عائشة إذا علمت أن النبي صلى الله عليه وسلَّم سيتزوج بعدها ، ها هي تغار من زواج النبي من حفصة بنت عمر بن الخطاب ، وكانت تضيق بيوم سودة التي كانت زوجة النبي الكريم في مكة ، فلما علمت بأن النبي عليه الصلاة والسلام قد تزوَّج حفصة سكتت على مضضٍ وغيرة ، واحتارت ماذا تفعل، إذ كانت تعلم مكانة أبيها عمر عند النبي ، فهو بعد أبي بكر في المنزلة والحظوة عنده صلى الله عليه وسلَّم ؟ فجاءت حفصة لتكون ضرّة أخرى .

      هناك نقطة دقيقة جداً وهي : لو لم تحدث مشكلات في بيت النبي ، كيف يكون قدوةً لنا ؟ لو لم يكن أية مشكلة في بيته إطلاقاً فلأمر يلتبس عندنا ؛ الغيرة مشكلة ، تنافس زوجاته مشكلة ، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام سارت حياته في البيت بشكلٍ مثاليٍ مُطلق ، كيف يقف الموقف الكامل من مشكلةٍ تنشأ في بيت المسلمين ؟ إذاً النبي مشرِّع .

      أوضح مثل على ذلك :

" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ من اثْنَتينِ فَقَالَ لَهُ ذُو اليَدَينِ : أَقُصِرَتْ الصَّلاَةُ أَمَّ نَسِيتَ يَا رَسُولَ الله ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصَدَقَ ذُو اليَدَينِ ؟ فَقَالَ النَّاسُ : نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى اثنَتينِ أُخرَيَينِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثلَ سُجودِهِ أَوْ أَطولَ ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ ثُمَّ سَجَدَ مِثلَ سُجودِهِ أَوْ أَطولَ ".

 ( من سنن الترمذي : عن " أبي هريرة " )

     لولا أن الله نسَّاني كي أصلي الظهر ركعتين ، كيف أسن لكم سجود السهو ؟ .

     إذاً ما يحصل في بيت النبي من مشكلات مخرج لنا من مشكلاتنا ، فالله عزَّ وجل قال :

( سورة التحريم : من آية " 4 " )

      هذا شيء ثابت بالقرآن النبي ..

( سورة الأحزاب )

      والنبي خيَّر زوجاته بين أن يخترنه أو يخترن الدنيا ..

( سورة الأحزاب )

      معنى ذلك أن القرآن أثبت أن هناك مشكلات في بيت النبي ، وإزاء هذه المشكلات وقف النبي منها موقفاً كاملاً ، قدوةً لنا نحن المؤمنين ـ إن شاء الله ـ .

      لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام بعد محاولاتٍ كثيرة من زوجاته الطاهرات ، وما نشب بينهنَّ من غيرة ، أخذ موقفاً حازماً فاعتزل نساءه كلَّهن .

      مضى شهرٌ بأكمله في شغلٍ عنهن ، وهن في شغلٍ به ، فمنهن من روَّعها الهجر ، ومنهنَّ من كانت ترقبه في عُزلته ، دون أن تجرؤ واحدةٍ منهنَّ أن تخاطبه في أمرها ، حتى إذا استكمل الهجر شهراً بتمامه عاد عليه الصلاة والسلام إلى نسائه مكتفياً بتأديبهن بذلك الإنذار ، لئلا يعُدن إلى مثل ما فعلت بعض أزواجه .

      فهذه المنافسة بين زوجاته الطاهرات ، وهذه الغيرة الحادة ، هذا مما يضعف صفاء النبي عليه الصلاة والسلام ، فاتخذ هذا الموقف ، وتركهن جميعاً شهراً بأكمله ، فلما انتهى الشهر بدأ ببيت عائشة فدخله ، واستقبلته في عتابٍ رقيق ، قالت : " يا رسول الله بأبي أنت وأمي قلت كلمةً لم ألقِ لها بالاً فغضبت علي !! " .

      هذا يفيدنا أيها الإخوة ، لو أنّ إنساناً نشب خلاف بينه وبين زوجته يعوِّد نفسه أن يكون لطيفاً ، وتعوِّد الزوجة نفسها أن تعتذر ، والاعتذار أحياناً يذيب المشكلة ذوباناً ، الآن هناك أزواج يركب كلٌ منهما رأسه ويتخاصمان شهرين، وثلاثة ، وأربعة ، وسنة أحياناً . ولو أن الزوجة تمتعت بتواضع ، لعلني أغضبتك ، اعذرني ، أستميحك عذراً . انتهت المشكلة .

     وكذلك إذا الزوج قال لها : لعلي قسوت عليك ، أرجو أن لا تؤاخذيني . انتهى الأمر .

     انظر لهذا الموقف : " يا رسول الله بأبي أنت وأمي قلت كلمةً لم ألق لها بالاً فغضبت علي!! ـ ثم أقبل على أهله وهي مستطردة في قولها ـ أقسمتَ أن تهجرنا شهراً ولمَّا يمض منه غير تسعٍ وعشرين " . تقول هذا مداعبةً له ، فقال عليه الصلاة والسلام:

" نعم الشهر يكون تسعةً وعشرين " .

( من صحيح البخاري : عن " أم سلمة " ) 

     هو قال شهر ؛ لكن بدأ فك الحصار بعد تسعة وعشرين يوماً ، قالت له: " أنت قلت : شهر". فقال : " الشهر يكون تسعةً وعشرين " .

     فمن اللطف أن يكون هناك كلام لطيف جداً بين الزوجين ، مداعبة ، بالقول ،  كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته بسَّاماً ضحاكاً ، كان إذا دخل البيت واحد من أهل البيت ، يقول عن النساء :

" فإنهن المؤنسات الغاليات " .

( من الجامع الصغير : عن " عقبة بن عامر " )

     فأنا أرى أن من أعقل الرجال الذي عنده مودة ، ولطف ، ونفس هنيَّة، وأن تكون كلمات معسولة من الزوج ومن الزوجة ، والعمر لا يحتمل خصومات طويلة .

      طبعاً كان الحديث عن المشكلات التي جرت في بيت النبي وهو حديثٌ يطول ، لكن النبي بشر ، ولولا أنه تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ـ لولا أنه بشر ، وتجري عليه كل خصائص البشر ، لما كان سيد البشر ـ ، وأنا أعتقد أن الإنسان المؤمن الموفَّق هو الذي يؤتى الحكمة في معاملة زوجته ، يسعد بها وتسعد به ، العمر قصير لا يحتمل خصومات مديدة ، فالنبي أدَّبهُنَّ شهراً ، لكن تجد إنساناً يؤدِّب أهله سنة ، سنتين ، ثلاثة ، لكنّه أدبهُنَّ شهراً وانتهى الأمر .

     وأنا أتمنى على كل زوج أن يضع حداً للخصومة ، إذا كانت هناك مشكلة وعلى إثرها خرج من البيت ، فينبغي أن يعود ، وكأن شيئاً لم يكن ، هذه وصيَّة ثمينة جداً ، عوِّد نفسك عليها.

     عوِّد نفسك إذا عدت إلى البيت وكأن شيئاً لم يكن ، نشأت مشكلة ، أويت إلى الفراش ، استيقظت صباحاً وكأن شيئاً لم يكن ، أما هذا الامتداد بالخصومة ؛ أسبوعاً وأسبوعين ، وشهراً وشهرين ، وسنة وسنتين ، وكل واحد راكب رأسه ، وكل واحد متعنِّت ، فشقيت وأشقيت ، مهما كنت أنت الأقوى شقيتَ مع زوجتك .

     فالنبي عليه الصلاة والسلام كان قدوةً لنا في حسن معاشرته زوجاته ، وكما قلت لكم من قبل: آياتٌ كريمةٌ وكثيرةٌ تبيِّن أن النبي عليه الصلاة والسلام عانى من الزوجات ، والمرأة امرأة ولها طبيعةٌ خاصة ، تغار أشد الغيرة ، وتحرص على الدنيا أشد الحرص ، وتريد أن يكون زوجها لها ، وبعدُ فما من زوج إلّا إذا زار أهله ، فإذا قدَّم هديَّة لأهله تنشأ مشكلة ؛ لأن هذا الزوج لها وحدها ، أما هو فله أم ، وله أخوات ، وله إخوة ، هذه مشكلات تعالج بالحكمة ، تعالج بالعدل ، تعالج باللين ، بالموعظة الحسنة ، أما المواقف العنيفة ؛ رأساً طلَّق ، رأساً ضرب ، والضرب أحياناً يترك ندبة في النفس لا تندمل أبداً .

      أرجو الله سبحانه وتعالى أن نتابع هذا الموضوع في درسٍ قادم .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi