English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

سيرة أمهات المؤمنين : السيدة عائشة(3) الدرس  5/ 5  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع             : ورعها ، زهدها ، مكانتها العلميَّة  .

تفريغ المهندس        : عبد العزيز كنج عثمان .

التدقيق اللغوي        : الأستاذ غازي القدسي والأستاذ احمد مالك .

التدقيق النهائي        : المهندس غسان السراقبي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

   

          الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة الكرام ... مع سير الصحابيّات الجليلات رضوان الله عليهنَّ أجمعين ، ومع سير زوجات النبي صلى الله عليه وسلَّم ، ونحن في سيرة السيدة عائشة رضي الله عنها ، وقد وصلنا إلى فصلٍ عن ورعها وتقواها .

      أيها الإخوة ... عَقَدَ الحافظ أبو نُعيم ترجمةً لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في كتابه "حِلية الأولياء " ، قال في مستهلِّ هذا الكتاب : " إن عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم من الأولياء " .

      ولكن يجب أن تعلموا أيها الإخوة أن كل واحدٍ منكم يجب أن يكون ولياً ، لأن تعريف الولاية في القرآن الكريم :

( سورة يونس )

      تعريفٌ بسيطٌ ، جامعٌ مانع ، كل من عرف الله ، واتقى أن يعصيه فهو وليٌ لله ، وأعظم ثمرة ينالها وليُّ الله ..

الماضي مغطَّى ولا هم يحزنون ، والمستقبل مغطى لا خوفٌ عليهم ..

( سورة يونس )

      الماضي مغطى بعدم الحزن على ما فاتك من الدنيا ، والمستقبل مغطَّى بعدم الخوف ، والإنسان دائماً يحزن على ما مضى ويخاف مما سيأتي ، الآية الكريمة :

( سورة طه )

      لا يضل عقله ولا تشقى نفسه ..

( سورة البقرة )

      أعظم ثمار الإيمان ألّا يضل عقلك ، وألّا تشقى نفسك ، وألّا تندم على ما فات ، وألّا تخشى مما هو آت ..

( سورة يونس )

      ابتغوا الرفعة عند الله ، لا يليق بك أيها الإنسان أن تكون لغير الله ، يجب أن تكون محسوباً على الله لا على عبد الله ، أجل على الله ، أنت وليُّ الله ، يجب أن تكون علاقتك بالله طيبةٌ جداً ، يجب أن تكون قريباً من الله.

     السيدة عائشة كما قال عنها الحافظ أبو نُعيم : " من الأولياء ... " . وأنت أيها الأخ الكريم ينبغي أن تكون من الأولياء ، وطريق الولاية بين يديك ، إنها طاعة الله عزَّ وجل بعد معرفته .

     " والصديقة بنت الصديق ، والعتيقة بنت العتيق ، وحبيبة الحبيب ، وأليفَهُ القريب ، سيد المرسلين ، والمبرَّأة من العيوب ، والمعرَّاة من ارتياب القلوب ، كانت للدنيا قالية ، وعن سرورها لاهية ، وعلى فقد أليفها ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ باكية ، المبرَّأة في الكتاب " . هذه أوصافٌ جامعة مانعة للسيدة عائشة رضي الله عنها .

       أيها الإخوة الكرام ... هذا الدرس يعطينا حقيقةً خطيرة ، هي أن المرأة كالرجل ، يمكن أن تصل إلى أعلى المراتب في الإيمان ، ويمكن أن تكون قمةً في معرفة الله ، والسيدة عائشة من هذا القبيل ، المرأة كالرجل تماماً ؛ مساويةٌ له في التكليف والتشريف والمسؤوليَّة .

      كان أحد الصحابة إذا حدَّث عن عائشة يقول : " حدَّثتني الصديقة بنت الصديق ، وحبيبة حبيب الله " .

      فالإنسان يحب الرفعة ، يحب الكمال ، هل تعلم أيها الأخ الكريم أنه ما من مرتبةٍ علـى الإطلاق أعلى من أن تكون مع الله ، أن تكون حبيب الله ، أن تكون وليَّ الله ، أن تكون مقرَّباً إلى الله ، أن تكون في عين الله، أن تكون مصافياً لله  هذه مرتبةٌ لا يعرفها إلا من ذاقها .

      قال أنسٌ رضي الله عنه : " أول حبٍ كان في الإسلام حب النبي صلى الله عليه وســلَّم لعائشة رضي الله عنها " .

      فيجب أن تعلم أنه ما من شيء أودعه الله عزَّ وجل في الإنسان إلا جعل له قناة نظيفة ، فأن تحب زوجتك هذا مما يرضي الله ، علاقتك بالأنثى بالعصر الحالي مليون علاقة محرَّمة ، مليون علاقة مشبوهة ، مليون علاقة آثمة ، مليون علاقة تحجبك عن الله إلا علاقة الزواج ؛ هذه علاقةٌ يرضى الله عنها ، هذه علاقة كلَّما تمتَّنت اقتربتَ من الله .

      كانت هذه السيدة الجليلة تسأل النبي عليه الصلاة والسلام : " كيف حبك لي ؟ " فكان عليه الصلاة والسلام يقول : " كعقدة الحبل " . أي عقدة متينة جداً لا تُفَك . فكنت أقول من حينٍ إلى آخر : " يا رسول الله كيف العقدة ـ طمئنّي ـ " . فيقول عليه الصلاة والسلام : " على حالها " ، العقدة على حالها .

     إذاً أن تمتِّن علاقتك بزوجتك فهذا من منهج الله ، أن ترحمها هذا من منهج الله ، أن تحبها هذا من منهج الله .

     ولعلَّ الله سبحانه وتعالى حينما أعطى المرأة هذا الشكل المحبَّب ، وهذه الوداعة ، وهذا اللطف ، وهذه الرقَّة أراد منك أن تحبها الحب الذي يرضى الله عنك ، الحب الذي يثمر أولاداً أطهاراً ، الحب الذي يؤسِّس أسرةً ، فالحب يتوهَّمه الناس فقط عند الكفار ، فقط عند الفَسَقَة ، الحب بأعلى مستوياته في رحاب الإيمان ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب السيدة عائشة حباً شديداً ، وهو أول حبٍ في الإسلام ـ حب مشروع ـ الإنسان حينما يبحث عن الحرام يشعر بالكآبة ، يشعر بالخزي والعار .

      امرأةٌ تعمل في الفن في فرنسا سألوها : " ما شعوركِ وأنتِ على خشبة المسرح ؟ هي ساقطة ؛ ولكنها صادقة ، قالت : شعور الخزي والعار ، وهذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الجمهور ، إن الحب يجب أن يبقى بين الزوجين  وفي غرفٍ مغلَّقة " .

      هذا الحب المشروع في الإسلام بينك وبين زوجتك ، وكلما تمتَّنت العلاقة بينكما رضي الله عنكما .

      هذه المرأة الصحابيَّة الجليلة التي كان ولدها على وشك الموت ، فجاء زوجها في المساء ، سألها عن حال الولد ؟ فقالت : " يا أبا طلحة إنه في أهدأ حال " . وعنت أنه قد مات لأنه هادئ ، تزيَّنت له ، وأصاب منها ، وفي الصباح قالت له : " لو أن الجيران أعاروك عاريةً ثـم استرجعوها منك ، أتغضب ؟ قال : لا . قالت : هكذا فعل الله معنا أعطانا هذا الغلام ثم استردَّه". ثم ذكر أبو طلحة هذا الأمر للنبي عليه الصلاة واالسلام ، فقال عليه الصلاة والسلام :

" بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا "*

 

( من مسند أحمد : عن " أنس " )

     وقد تروي الكتب أنه تزوج وأنجب عشرةً من الحُفَّاظ ، هما أنجبا ولداً وهذا الولد أنجب عشرة حفاظٍ لكتاب الله .

     إذاً ما من شيء أودعه الله عزَّ وجل في الإنسان إلا جعل له قناة نظيفة ، في الإسلام ليس هناك حرمان ، لكن أقدس حب أن تحب زوجتك .

     مرَّة كنا في الجامعة أحد الأساتذة الكبار أحيل إلى التقاعد ، أقيمت له حفلةٌ كبيرةٌ جداً لوداعه  أنا أذكر أنه بعد أن سمع كلمات التكريم والوداع قام وقال هذه الكلمة ، قال : " كل إنسانٍ لا يشعر بحاجةٍ إلى أن يُحِب ، كما أنه لا يشعر بحاجةٍ إلى أن يُحَب ، ليس من بني البشر " .

     إذا كنت من بني البشر يجب أن تشعر بحاجةٍ إلى أن تُحِب ، وينبغي أن تشعر بحاجةٍ إلى أن تُحَب ، ماذا نحب ؟ نحب زوجاتنا ، ونحب أولادنا  ونحب أعمالنا ، ونحب الحقيقة ، وأعلى أنواع الحب أن تحب الله جل جلاله ، أي هذا أعلى حب ، أي حبِ آخر يتناقص ، أي حبٍ آخر ينقطع بالموت ، لكن حب الله جلَّ جلاله أبديٌ سرمدي .

     إذاً ... " يا رسول الله كيف حبك لي ؟ " قال عليه الصلاة والسلام : "كعقدة الحبل " . فكنت أقول له من حينٍ إلى آخر : " كيف العقدة يا رسول الله؟". " فيقول عليه الصلاة والسلام : " على حالها " متينة .

     وتعليق سريع : الحب الذي ينشأ في الحرام يتناقص ، والحب الذي ينشأ في رحاب الإيمان يتنامى ، فإذا كنت مؤمناً فحبك لأهلك يتنامى .

                                                *  *   *

     مرَّةً السيدة فاطمة ذكرت عائشة ، ولم يذكر كتَّاب السيرة ماذا قالت عنها ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

" يا بنيتي هي حبيبة أبيكِ " .

     وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما لأم المؤمنين : " كنتِ أحبَّ نساء النبي صلى الله عليـه وسلَّم إليه ، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يحب إلا طيِّباً " .

     أي أن مقام النبي عليه الصلاة والسلام ماذا يليق به أن يحب ؟ أيحب امرأةً لجمالها فقط ؟ بل أن يحبها لكمالها ، ولعلمها ، ولخلقها ، ولمحبتها لله عزَّ وجل ، حب النبي مؤشِّر كبير جداً ، هل يعقل أن يحب النبي إلا طيباً !! " كنتِ أحبَّ نساء النبي صلى الله عليه وسلَّم إليه ، ولم يكــن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يحب إلا طيباً " .

     وقال : " هلكت قِلادتكِ ـ قلادة وقعت من عنقها فانفرط العقد ـ بالأبواء فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يلتقطها ، وبعدها لم يجد ماءً للوضوء فأنزل الله عزَّ وجل :

 ( سورة البقرة : من آية " 43 " )

      وهذه الآية التي سمحت للمسلم بالتيمم ، قال : " كان بسببك وبركتك ما أنزل الله تعالى لهذه الأمة من الرخصة ".

      انفرط عقدها فبحث النبي عن حباته حبةً حبة ، ولم يجد ماءً للوضوء فنزل قوله تعالى :

" وأنزل الله براءتك من فوق سبع سنوات ، فليس مسجدٍ يُذكر الله فيه إلا وشأنك يتلى فيه آناء الله وأطراف النهار " .

     فهل من السهولة أن يذكر الله في كتابه الكريم ، الذي نقرؤه متعبدين إلى أبد الآبدين أن يذكر فيه اسم صحابي ، أو أن ينوِّه القرآن بامرأةٍ في القرآن الكريم ؟ .

     قد يقول أحدكم : أي صحابي ذُكر اسمه في القرآن الكريم ؟ صحابي واحد هو سيدنا زيد ، لكن لماذا ذُكر اسمه ؟ لأنه كان متبنَّى النبي عليه الصلاة والسلام ، واسمه زيد بن محمد ، فلما أراد الله عزَّ وجل أن يبطل هذه العادة ـ عادة التبني ـ وبدأ بالنبي عليه الصلاة والسلام ، فخسر هذا الاسم زيد بن محمد ، فعوَّضه الله خيراً من هذا حين ذكر اسمه في القرآن، في كتاب الله يتلى إلى يوم القيامة ، اسمه في القرآن الكريم ..

 ( سورة الأحزاب : من آية " 37 " )

     قالت : " يا بن عباس دعني منك ومن تزكيتك ، فوالله لوددت أني كنت نَسياً منسيا " .

     معنى ذلك أن المخلص لا يلتفت إلى مديح الناس ، ومديح الناس لا يملأ قلبه ، المخلص يريد الله عزَّ وجل ، أن يكون الله راضياً عنه ، أما الناس فلا يعبأ كثيراً بمدحهم وبتوقيرهم .

     هناك مرض نفسي يصيب بعض الناس وهو " استجداء المديح " . أي إذا أنت لم تمدحه فإنه يذكّرك بشيء من أجل أن تمدحه ، إذا أنت لم تثنِ عليه يلفت نظرك لشيء ، فإذا كان قد دعاك إلى طعام يسألك : أما أحببت الأكل ؟! لتقول له : أعوذ بالله أكل ممتاز ، الله يعطيك العافية . أو يسألك مثلاً : كيف كانت هذه المحاضرة ؟ كيف وجدت هذا الدرس؟ ما رأيك بهذا الكتاب؟ إذا أنت لم تثنِ عليه فقد يواجهك بمشكلة ، هذا مرض اسمه استجداء المديح .

     أما الإنسان إذا كان مخلصاً لله عزَّ وجل فإنه فوق هذا بكثير ، " دعك يابن عباس من هذه التزكية فوالله لوددت أني كنت نسياً منسيا " .

     فالإنسان يحب أشياء ثلاثة : يحب بقاء وجوده ؛ عن طريق الطعام والشراب ، ويحب بقاء نوعه ؛ عن طريق الزواج  ويحب بقاء ذكره ؛ عن طريق تأكيد الذات ، فكل واحد من بني البشر هكذا فُطِر ؛ يحب أن يبقى ذكره ، يحب أن يؤكِّد ذاته ، يحب أن يكون له أهميةٌ كبيرة ، لكن هذه الأشياء الثلاثة يمكن أن تحقق في الخير ، فإذا قرأت القرآن ، وتعلَّمت القرآن ، وعلَّمت القرآن ، واقتربت من الواحد الديَّان يرفع الله ذِكرك ..

( سورة الشرح )

      وكل مؤمن له من هذه الآية نصيب ..

أنت بالطعام والشراب تحافظ على وجودك ، وبالزواج تحافظ على نوعك ، وبالعمل الصالح ، ومعرفة الله ، والاستقامة على أمره يرفع الله لك ذكرك بين الناس ، دون أن يكون هذا الرفع بطريقٍ غير مشروع .

      عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها قالت :

" رأيتك يا رسول الله واضعاً يدك على معرِفة فرسٍ ـ أي على عرف الفرس ـ وأنت قائمٌ تكلِّم دِحْيَةَ الكَلبي . فقال عليه الصلاة والسلام : أوقد رأيته ؟ قالت : نعم . قال : فإنه جبريل وهو يقرئكِ السلام " .

      فهذه السيدة العظيمة تمتاز أنها رأت جبريل ، وجبريل رئيس الملائكة، وهذا شيء كريم جداً، " يقرئك السلام " . أحياناً إنسان يمدحه عِلية القوم فيزهو بهذا المديح ، وأحياناً يمدحه الساقطون والساقطات ، وهذا مديحٌ لا قيمة له ، فالعبرة من الذي يمدحك ؟ من الذي أنت عنده كبير ؟ من الذي ترقى عنده ؟ المؤمن له عند الله مقعد صدق ..

( سورة القمر )

      فلما قال لها : " وهو يقرئك السلام " . قالت " وعليه السلام ورحمة الله وجزاه الله خيراً من زائر ، فنعم الصاحب ونعم الداخل " .

                                              *  *  *

 

زهدها رضي الله عنها

      أما زهد هذه السيدة الجليلة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فعن القاسم بن محمد قال : " كانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تصوم حتى يزلقها الصوم " . أي يجهدها .

     وعن ابن المنكدر ، عن أم ذَرَّ وكانت صاحبة عائشة ، قالت : " بعث إليها بمالٍ أراه ثمانين أو مئة ألفٍ فدعت بطبقٍ ، وهي يؤمئذٍ صائمة فجلست تقسم بين الناس ، فأمست وما عندها من ذلك درهمٌ واحد " .

        مرَّة ثانية :

     أهل بيت النبي على شاكلة النبي ، أهل بيت النبي جزءٌ من الدعوة ، فالناس لا يصدقونك إذا كنت أنت في واد وأهلك في وادٍ آخر ولم تهتم بتربيتهم ، أهل بيت النبي جزءٌ من الدعــوة ، وهناك سؤال كبير : إذا لم تستطع أن تربي أهلك إذاً هذا المنهج غير واقعي ، وإن كان بالإمكان أن تفعل فلم تفعل فأنت مقصِّر ، فما جوابك ؟ ما من جواب ، لذلك :

( سورة الاحزاب )

       تولَّى الله بنفسه تطهير أهل بيت النبي لأنهم جزءٌ من الدعوة ، أنت متى تثق بإنسان ؟ إن رأيته في حياته الخاصة مستقيماً ، إن رأيته يقول ما يفعل ، ويفعل ما يقول ، فإذا لم تكن هناك مسافة أبداً بين القول والعمل ترقى بذلك ، لذلك يعد أهل بيت النبي جزءاً من الدعوة إلى الله ، إذا كان هناك تقصير أو خلل فالدعوة عرجت .

      فلما أمست قالت : " يا جارية أين فطوري ؟ " فجاءتها بخبزٍ وزيت ، مئة ألف وزَّعتها وهي صائمة ، ولم تبقِ منها شيئاً ، فجاءت بخبزٍ وزيت ، قالت لها أم ذر : " أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشتري لنا لحماً بدرهمٍ نفطر عليه ؟! " ..

 

( سورة الحشر : من آية " 9 " )

     وقال عروة : " لقد رأيت عائشة رضي الله عنها تقسم سبعين ألفاً وإنها لترقع جيب دِرعها".

     النبي عليه الصلاة والسلام قال :

 

" يا عائشة إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ "*

 

( من سنن الترمذي : عن " عائشة " ) 

     قالت : " ... لا تعنِّفيني لو كنتِ ذكَّرتني لفعلت " اتركي لنا درهماً نشتري به لحماً نفطر عليه ، فما تركت .

      وعن عروة أيضاً أن معاوية بعث إلى عائشة رضي الله عنها بمئة ألفٍ ، فوالله ما غابت الشمس عن ذلك اليوم حتى فرَّقتها ، قالت لها مولاتها : " لو اشتريت لنا من هذه الدراهم بدرهمٍ لحماً . قالت : لو قلتِ قبل أن أفرِّقها لفعلت " .

      وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة : أنها باعت مالها بمئة ألفٍ فقسَّمته ، ثم أفطرت على خبز الشعير ، فقالت مولاةٌ لها : " أما كنتِ أبقيتِ لنا من هذا المال درهماً نشتري به لحماً ، فتأكلين ونأكل معكِ ؟ قالت : أفلا ذكَّرتِني " .

      هذا من زهد هذه السيدة . طبعاً من النادر أن ترى امرأةً زاهدة ، بل إن شأن النساء أن يحمِلن أزواجهن على ما لا يطيقون ، لذلك حين قال الله عزَّ وجل :

 ( سورة التغابن : من آية " 14 " )

        قال علماء التفسير : " هذه عداوة مآل وليست عداوة حال " . بمعنى أن الرجل حينما يأتيه ملك الموت ، ويستحق العذاب على ما أكل من أموالٍ حرام ، وأن زوجته كانت هي السبب ؛ دفعته إلى أكل المال الحرام ، عندئذٍ تنشأ عداوةٌ متأخِّرة بينه وبين زوجته ، لولاها لما كان في النار ، لذلك :

" أعظم النساء بركةً على زوجها أقلَّهنً مؤنةً " .

 

( من شرح الجامع الصغير )

" إن أعظم النساء بركة أصبحُهُنَّ وجوها وأقلهن مهرا " .

 

( من أحاديث الإحياء : عن " السيدة عائشة " )

       أعظم امرأةٍ هي التي لا تكلِّف زوجها ما لا يطيق ، لا تحمله على معصية ، لا تحمله أن يجهد في كسب الرِزق ، لا تحمله على أن يأكل مالاً حراماً ، هذه هي المرأة الصالحة ، لا التي تضغط على زوجها حتى يهيِّئ لها مسكناً فخماً ، وأثاثاً راقياً تتباهى به ، وزوجها يتقلَّب في النار، لا .

      زوجة طلبت من زوجها بعض الأشياء الغالية فقال لها : " أيتها المراة إن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر ، فلأن أضحي بكِ من أجلهن أهون من أن أضحي بهنَّ من أجلك " .

     المؤمن لا يستجيب لطلبٍ يغضب الله ، أو يبعده عن الله .

     عن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال : " أهدى معاوية لعائشة ثياباً وورِقاً ـ أي فضةً ـ وأشياء توضع في أسطوانتها ـ الأسطوانة خزانة الثياب ـ فلما خرجت عائشة نظرت إليه فبكت ثم قالت : لكن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لم يكن يجد هذا ، ثم فرّقته ولم يبقَ منه شيء . وعندها ضيف ، فلما أفطرت ، وكانت تصوم من بعد رسول الله ، أفطرت على خبزٍ وزيت ، فقالت المرأة : يا أم المؤمنين لو أمرتِ بدرهمٍ من الذي أهدي إليكِ فاشتري لنا به لحماً فنأكله ، فقالت عائشة رضي الله عنها : كلي فوالله ما بقي عندنا منه شيء" .

     هكذا إنفاقها ، وهكذا زهدها .

     فالنساء في زماننا يبالغن في تزيين البيت ، فيأتي ملك الموت ، فيذهبن إلى الآخرة صَفِرات اليدين .

                                                        *  *  *

      الآن ...

 مكانتها العلميَّة

      روى هشام بن عروة عن أبيه قال : " ما رأيت أحداً من الناس أعلم بالقرآن ، ولا بفريضةٍ، ولا بحلالٍ وحرام ، ولا بشعرٍ ، ولا بحديثٍ ، ولا بنسبٍ من عائشة رضي الله عنها " .

      بقرآنٍ ، بفريضةٍ ، بحلالٍ ، بحرامٍ ، بشعرٍ ، بحديثٍ ، بنسبٍ كانت متفوقةً في هذه العلوم ، والحقيقة بيني وبينكم ليس في المرأة شيءٌ أروع من أن تكون عالمة ، جمعت المَجد من كــل أطرافه ، هي محبَّبة ، ومؤنسة ، وغالية ، ورقيقة ، فإذا كانت عالمة ، فقيهة ، تحفظ كتاب الله ، تعرف الحق من الباطل ، الحلال من الحرام ، الخير من الشر ، ما ينبغي وما لا ينبغي ، تربي أولادها تربيةً راقية ، لذلك إذا علَّمت فتاةً علَّمت أسرةً ، وإذا علمت رجلاً علمت واحداً ، هذه أم .

     فأنا لا أكتمكم أن في جامعنا عدداً كبيراً من إخوةٍ كرام سبب هدايتهم زوجاتهم اللواتي عرفن الله قبل الزواج ، فحملن أزواجهن على طاعة الله، وهذه نعمةٌ كبرى ، وليس في المرأة شيءٌ أبشع من الجَهل ، وليس شيءٌ في المرأة أبشع من أن تتباهى بما عندها ، وما عند زوجها ، وتكسر قلب أقرانها ، وتستعلي عليهنَّ ؛ شيطانة ولو أنها تدَّعي أنها مسلمة.

    كان عروة يقول : " يا أماه كيف أعجب من فقهك إنك زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم".

    أي لا يليق بالإنسان أن يكون هو عالم وزوجته جاهلة ، هو في أعلى درجة من العلم ، وزوجته في أدنى درجة من الجهل .

    حدثني أخ فقال لي : رجل عنده مكتبة قيمة جداً ، وعنده كتاب نادر، رجوناه رجاءً حاراً أن نستعيره منه ليلةً واحدة فلم يرضَ أبداً . أقسم بالله بعد موته أنه رأى الكتاب في حاوية القمامة .

    أحياناً تجد الزوج متعلِّماً وعنده مكتبة قيِّمة ، وله زوجة لا ترى هذه الكتب إلا عبئاً يجب أن يلقى في سلة المهملات  جاهلة ، فالحقيقة الرائعة أن الإنسان جميل أن يكون له زوجة ، وتكون زوجته رفيقته ، وإذا كان هو متعلِّماً ، ويطلب العلم الشرعي ، وزوجته كذلك ، تصبح إضافةً إلى أنها زوجته فهي رفيقته .

    فأنت لاحظ نفسك ، تجلس مع أخ مؤمن ساعتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً فلا تمل منه ، لماذا ؟ لأنه على شاكلتك  يقدِّر ما تقدِّر ، يحب ما تحب ، يعظِّم ما تعظِّم ، يكره ما تكره ، بينكما انسجام ، ومن الممكن أن تجلس مع إنسان عشر ساعات ولا تمل من حديثه ، إذا كان على شاكلتك ، وكان في مستوى ثقافتك ، في مستوى إيمانك ، في مستوى تفكيرك ، في مستوى قيَمك، ولكن إنساناً آخر قد لا تستطيع أن تحدثه كلمة واحدة ، قد لا تستطيع أن تجلس معه ولا ربع ساعة ، فما من قواسم مشتركة بينكما .

     فالإنسان إذا تزوج ، فهذه الزوجة يعرفها كلياً بعد حين ، انتهت أيام الخطبة ، ويمكن أن تكون المكالمة ثلاث ساعات حين الخطبة ، لكن بعد سنتين انتهى كل هذا ، فإن لم تكن هذه الزوجة على شاكلة زوجها ، فلن تكون محببةً إليه ، لذلك اهتم أيها المؤمن بتعليم زوجتك العلم الشرعي ، كي تغدو رفيقةً لك فضلاً عن أنها زوجةً لك ، كما أنها عالمة .

    " كيف أعجب من فقهك يا أم المؤمنين وأنتِ زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وابنة أبي بكر " .

 

    وقد عجب منها بعض الصحابة حينما علموا أنها كانت عالمةً بالطب .

    قالت : " إن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يسقم في آخر عمره ـ أي يمرض ـ فكانت تقدم عليه الوفود من كل وجهٍ ، فتنعت له ـ أي تصف  له الأدوية ـ فكنت أعالجه ، فمن ثمَّ علمت أساليب الطب " . فكانت بارعةً بالطب .

    وقال أبو موسى : " ما أشكل علينا أمرٌ فسألنا عنه عائشة ، إلا وجدنا عندها فيه علماً " .

    وقال بعض العلماء : " لو اجتمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين ، وعلم جميع النساء ، لكان علم عائشة أفضل " . لقد كانت عالمة حقاً..

 

    فالنبي اللهمَّ صلِّ عليه علَّمنا أن نقدِّر زوجاتنا ، هل تصدِّقون أنه استشار أم سلمة في موقفٍ عصيب في صلح الحديبية  وأشارت عليه أن يتحلَّل هو من إحرامه وأن يحلق ، فيقلِّده الصحابة عندئذ ، وهذا الذي حصل ، لذلك قال تعالى في معرض ذكر النساء :

 ( سورة الطلاق : من آية " 6 " )

     تناصحوا ليأمر كلٌ منكم الطرف الآخر بما هو خير ، أي تأمرها وتأمرك ، تنصحها وتنصحك .

 

     وقال أبو الزناد : " ما رأيت أحداً أروى للشعر من عروة ، فقيل له : ما أرواك ؟ قال : روايتي من عائشة " .

     وقال عطاء بن رباح : " كانت عائشة أفقه الناس ، وأعلم الناس ، وأحسن الناس رأياً في العامَّة " .

     وقال مسروق : " رأيت مشيخة أصحاب رسول الله الأكابر يسألونها عن الفرائض ـ علم الفرائض ـ " .

                                                          *  *  *

      الآن ...

ما الأمور التي امتازت بها عائشة رضي الله عنها :

      قالت عائشة : " فضِّلت بعشرٍ ، فذكرت من هذه العشر مجئ جبريل بصوتهاـ أي أن جبريل جاء بصوتها لأن صوتها يؤنس رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ـ ولم ينكح بكراً غيري ـ زوجته البكر الوحيدة السيدة عائشة ـ ولا امرأةً أبواها مهاجران غيري ـ أبوها مهاجر ـ سيدنا الصديق ـ وأمها مهاجرة ـ وأنزل الله براءتي من السماء ، وكان عليه الصلاة والسلام ينزل عليه الوحي وهو معي ، وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه ـ غرفة صغيرة جداً لا تتسع لصلاة النبي ونومها ، فكان إذا صلى أزاحت رجلها قليلاً كي يسجد ـ وقُبض بين سَحْري ونحري في بيتي وفي ليلتي ، ودفن في بيتي " . هذا مما اختصت به هذه السيدة الجليلة .

     وقال الحافظ الذهبي : " لا أعلم في أمة محمدٍ ؛ بل ولا في النساء مطلقاً امرأةً أعلم منها " .

     وكان الشَعْبي يذكر عائشة فيعجب من فقهها وعلمها ثم يقول : " ما ظنُّكم بأدب النبوة ؟ " هذه تربية النبي اللهمَّ صلّ عليه .

     قال بعضهم : " لو كان لأبيها الصديق ذَكَرٌ مثلها لما خرج الأمر من يده " . ولكان خليفة المسلمين ، لو أن لهذا الصديق ولد ذكرٌ مثل السيدة عائشة لكان خليفته من بعده ، كلام دقيق : لو كان لأبيها الصديق ولدٌ مثلها لما خرج الأمر من يده ، لكان خليفةً لأبيه بعد موته .

 

     نحن في تاريخنا الإسلامي موقعة اسمها " موقعة الجمل " والسيدة عائشة كانت طرفاً فيها ، وهناك أقوال كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان ، هناك افتراءاتٌ عديدة ، هناك مبالغاتٌ سخيفة ، لكن فيْصل هذا الموضوع ما ورد :

     " أن قتلة عثمان رضي الله عنه خافوا أن يتفق عليٌ رضي الله عنه مع طلحة والزبيـــر وعائشة على إمساك القتلة ، فحملوا على عسكر طلحة ، فَظَنَّوا أن علياً حمل عليه ، فحملوا دفاعاً عن أنفسهم ، فظن عليٌ أنهم حملوا عليه ، فحمل دفاعاً عن نفسه " .

     هذان السطران لهما قيمةٌ كبيرة جداً في التاريخ ، وهذا يحدث دائماً بين فريقين ، يأتي فريق ثالث يضرب هؤلاء ويضرب هؤلاء ، يظن هؤلاء أن هؤلاء حملوا عليهم ، فيدافعوا عن أنفسهم، ويظن هؤلاء أن هؤلاء حملوا عليهم ، فيدافعوا عن أنفسهم ، والفريقان بريئون جداً من نيَّة القتل ونية الفتنة ، وهذا الذي حدث ، معركة الجمل حجمها صغيرٌ جداً ، أعداء الإسلام كبَّروها جداً ، وأضافوا عليها ما ليس منها ، أرادوا تشويه سمعة المسلمين ..

       وهذان السطران : " خشي قتلة عثمان أن يتفق عليٌ رضي الله عنه مع طلحة والزبير وعائشة على إمساك القتلة ، فحملوا على عسكر طلحة والزبير فَظَنَّوا أن علياً حمل عليهم ، فحملوا دفاعاً عن أنفسهم ، فظن عليٌ أنهم حملوا عليه ، فحمل دفاعاً عن نفسه " . أي جرى سوء تفاهم ، والأطراف كلهم اجتهدوا ، والمجتهد له أجرٌ إذا أخطأ ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

" إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا " .

 

( من الجامع الصغير : عن " عمر " )

      معركة الجمل وقعت ؛ ولكن حجمها الحقيقي أقل بألف مرة من حجمها الذي في الكُتُب ، لأن أعداء الدين يريدون أن يشوِّهوا سمعة الصدر الأول من الإسلام ، وهذه الحقيقة ..

( سورة الأنبياء )

     اسألوا علماء التاريخ ، اسألوا المحققين ، اسألوا المُنصفين ، اسألوا الذين محَّصوا هـذه الروايات ، أكثرها مبالغٌ فيه وما أنزل الله به من سلطان .

 

      كان عليٌ كرَّم الله وجهه يوقِّر أم المؤمنين عائشة ، ويجلُّها ، وكان دائماً يُذِّكر بمقامها السامي الكريم .

      وقد قال عمَّار بن ياسر : " سمعت علياً كرَّم الله وجهه يقول على المنبر : إنها لزوجة نبينا صلى الله عليه وسلَّم في الدنيا والآخرة . ويعني عائشة . وكانت عائشة تجلُّ علياً وتوقِّره " .

      وكل ما كان بين الصحابة من الخلاف لم يكن سبباً للعداوة ، والكراهية ، والبغضاء فيما بينهم ، بل كانت نتيجة اجتهاداتٍ قد أعذر الله بعضهم بعضاً ، رضي الله تعالى عنهم جميعاً وحشرنا في زمرتهم .

      لا يليق بممرِّض أن يقيِّم طبيبين كبيرين اختلفا في وجهات النظر ، لا يليق بجنديٍ غِر أن يقيَّم قائدي جيشين اختلفا في وجهات النظر ، فنحن لسنا أهلاً أن نقيِّم الفريقين ، قال عليه الصلاة والسلام :

 

 

" إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا " .

 

( من الجامع الصغير : عن " عمر " )

      هذه السيدة عائشة كانت توقِّر سيدنا علياً وتجله ، وكان علي كرم الله وجهه يوقِّر السيدة عائشة ويجلها . موقعة الجمل حجمها صغيرٌ جداً جداً ، بالغ بها أعداء الإسلام ، ضخَّموها تضخيماً غير معقول ، وأصل هذا التضخيم أن فريقاً ثالثاً لعب دور الفتنة .

      أنا سمعت عن حرب أهليَّة ـ انتهت والحمد لله ـ في بلد مجاور ، سنوات طويلة ، كلَّما وقِّعت هدنةٌ بين الفريقين  جاء فريق ثالث وضرب الفريقين ، فتشتعل ، وهكذا ، فهذا أسلوب قذر وقديم ، فريقٌ ثالث ليس في صالحه أن يتفق الفريقان ، فكلَّما عُقدت هدنةٌ بينهما ضرب الأول وضرب الثاني ، يظن الأول أن الثاني نقض العهد فيحمل عليه ، والأول كذلك ، فإذا أردت أن تعطي تفسيراً دقيقاً جامعاً مانعاً لهذه الموقعة فهذا هو حجمها ، فريقٌ منحرفٌ هجينٌ أراد أن يوقع الفتنة بين الفريقين ، والإنسان محاسبٌ على نيَّته ، واجتهاده إذا أخطأ فيه فله أجر.

     وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله ننتقل إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها .

     السيدة عائشة انتهت أخبارها ، والدرس القادم ننتقل إلى زوجة رسول الله بنت عمر بـن الخطاب .

     بالنسبة لدرس الإثنين عندنا درسان : مرةً آياتُ أحكام ، ومرةً سير الصحابيات الجليلات ، بدأنا بأمهات المؤمنين ، ثم نتابع بنات رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ثم نصل إن شاء الله تعالى إلى الصحابيات الجليلات الأعلام اللواتي يشار إليهن بالبنان .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi